«زعيم المافيا أهان نادلة فقيرة بالإيطالي… لكنه ما كانش يعرف إنها أخته!» حكايات شروق خالد

وما عملش نفسه مهم.
دخل بخطوات هادية ومدروسة، لكن مجرد وجوده كان كفاية يخلي كل اللي في المكان ينتبه له.
كان لابس بدلة رمادي غامق متفصلة عليه بشكل مثالي.
من النوع اللي بيقول إن وراها فلوس متوارثة، وناس مخصوص بتفصل له هدومه في أماكن محدش يعرف عنها حاجة.
كان طويل.
ملامحه حادة.
فكه قوي، وعليه ظل دقن نابتة من يوم.
وشعره الأسود كان مرفوع لورا بإهمال متعمد.
كان شكله رجل من عيلة غنية من أجيال.
لكن طريقته في الوقوف…
التوتر الخفيف في كتافه…
والسكون المفترس في عينيه…
كل ده كان بيصرخ بقوة وهيمنة.
سلمى كانت عارفة عيلة المنشاوي.
كل المدينة كانت عارفاهم.
كانوا مسيطرين على الميناء.
وبيشتغلوا في العقارات.
وبيخلوا السياسيين المحليين يعرقوا وهم واقفين على منصات المناظرات.
حسام استلم العيلة من سنتين، بعد ما أبوه مات بأزمة قلبية مفاجئة…
ومريبة.
ومن وقتها، المدينة بقت أهدى.
لكن الهدوء ده كان تقيل.
كان شبه صرخة مكتومة.
مدحت تقريبًا جري ناحية المدخل.
وطأطأ راسه لدرجة كانت مهينة.
“الأستاذ حسام! يا لها من مفاجأة وشرف كبير. ما كناش متوقعين حضرتك، لكن طبعًا ترابيزتك المعتادة جاهزة.”
صوت مدحت كان بيرتعش.
حسام ما بصش له.
ولا حتى اعترف بوجوده.
فضل ماشي.
عدى من جنب الاستقبال ودخل مباشرة للصالة الرئيسية.
الراجل الضخم مشي وراه بخطوة واحدة على يمينه.
وراجل تاني، أنحف منه لكن حركته كلها توتر وعصبية، كان على شماله.
عدوا الترابيزات الأمامية واتجهوا مباشرة ناحية البوث الكبير الموجود في الركن الخلفي.
المشكلة الوحيدة…
إن كان فيه زوجين قاعدين هناك بالفعل، ولسه بياكلوا المقبلات.
مدحت جري وراهم.
“يا باشا، اديني لحظة واحدة بس. هفضي الترابيزة—”
حسام وقف عند طرف البوث.
وبص للزوجين.
الراجل، اللي كان واضح عليه إنه رجل أعمال كبير وبيمتلك نفوذ، رفع عينه.
لون وشه اختفى.
بص لحسام.
وبعدين للراجل الضخم.
وبعدين بص للطبق اللي فيه كاليماري نص مأكول.
حسام ما قالش ولا كلمة.
ما كانش محتاج.
الراجل مسك المناديل ومسح بقه بسرعة.
وقام.
“إحنا كنا لسه ماشيين.”
وبدون أي كلمة زيادة، سحب مراته من البوث.
سابوا أكلهم.
ومعاطفهم.
ونص زجاجة بارولو.
وخرجوا ناحية الباب كأنهم بيهربوا بحياتهم.
حسام قعد في البوث.
رجاله قعدوا قدامه.
أما عند محطة الانتظار، فجينا كانت بتهز راسها بعنف.
“أنا مش هروح. والله ما هخدم الترابيزة دي.”
“دي منطقتك يا نادية.”
“مش فارقة! آخر مرة جه، واحد من رجاله مسك مريم من دراعها وساب علامة زرقا علشان جابت نوع النبيذ الغلط. مدحت طرد مريم تاني يوم علشان يرضيهم.”
وقفت نادية وهي بتتنفس بسرعة.
“أنا مش هروح هناك. ممكن أستقيل دلوقتي. والله أستقيل.”
صدرها كان بيطلع وينزل بعنف تحت القميص الأبيض المكوي.
ودموع فعلًا بدأت تتجمع في عينيها.
مدحت ظهر فجأة.
“نادية! روحي هناك. مية من غير تلج، ليمون على الجنب. وهاتي قائمة النبيذ الاحتياطي. دلوقتي.”
“مش قادرة.”
صوت نادية اتكسر.
“مدحت، أرجوك ما تجبرنيش.”
وش مدحت اتغير.
“إما تروحي هناك، يا إما ما تتعبيش نفسك وتيجي بكرة.”
نادية طلعت شهقة مخنوقة.
وتجمدت مكانها.
سلمى بصت لنادية.
وبصت للدموع اللي نزلت من تحت الماسكارا.
وبعدين بصت لجزمتها اللي ماسكة نفسها بالشطرطون.
الإيجار كان قرب معاده.
وفاتورة الكهرباء، اللي عليها إنذار أخير، كانت محطوطة فوق ترابيزة المطبخ في بيتها.
رجالة أغنيا وخطرين بيخلوا الترابيزات تفضى بنظرة واحدة…
كانوا بالضبط النوع اللي ممكن يرمي مئات الجنيهات على الترابيزة من غير حتى ما يبص على الحساب.
“أنا هاخد الترابيزة.”
قالت سلمى.
مدحت وقف مكانه.
“إنتِ؟”
“أنا هاخد الترابيزة. اديني الحساب. والبقشيش بتاعها ليا.”
مدحت ما كانش فارق معاه مين اللي يخدمهم، المهم الرجالة يتخدموا من غير ما يحرقوا المطعم.
“تمام. ظبطي المريلة وروحي. وما تبصيش له في عينه إلا لو هو كلمك. وما تقاطعيش كلامه.”
سلمى ما كلفتش نفسها حتى تصلح المريلة.
مسكت تلات كوبايات مية كريستال تقيلة، وإبريق فضي مليان مية ساقعة، وطبق صغير فيه شرائح ليمون.
ما كانتش حاسة بالخوف.
علشان عشان تحس بالخوف، كنت محتاج طاقة زيادة.
وسلمى ما كانش عندها أي طاقة زيادة.
كانت بس…
تعبانة.
ومشت عبر أرضية الصالة.
وهي لسه ما تعرفش إن الخطوات القليلة دي كانت أول خطوة في أكتر ليلة هتغيّر حياتها كلها.
حكايات شروق خالد
سلمى وصلت للترابيزة، وحطت كوبايات المية قدامهم واحدة واحدة.
«مساء الخير.»
ما حدش رد.
حطت الإبريق على الترابيزة، ومدت إيدها بقائمة الأكل.
«تحبوا تبدأوا بحاجة تشربوها؟»
حسام رفع عينه لأول مرة.
ونظرته وقعت عليها مباشرة.
سلمى حسّت بحاجة غريبة.
مش خوف.
ولا إعجاب.
لكن إحساس إنها شافت النظرة دي قبل كده.
نظرة واحد مش بيبص لحد…
ده بيحاول يقرأه.
حسام قال بالإيطالي:
«Finalmente… una cameriera che sa stare al suo posto.»
سلمى فهمت كل كلمة.
«أخيرًا… نادلة عارفة مكانها.»
الراجل اللي على يمينه ضحك ضحكة خفيفة.
أما سلمى ففضلت واقفة بهدوء.
وبعدين ردت عليه بالإيطالي:
«E finalmente un uomo ricco che pensa che i soldi comprino anche il rispetto.»
يعني:
«وأخيرًا راجل غني فاكر إن الفلوس بتشتري الاحترام كمان.»
الصالة كلها سكتت.
نادية شهقت من بعيد.
مدحت تقريبًا فقد القدرة على التنفس.
أما حسام…
ففضل باصص لها.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين مال بظهره على الكرسي وقال:
«إنتِ بتفهمي إيطالي؟»
ردت:
«أيوه.»
«وفاهمة أنا قلت إيه؟»
«فاهمة.»
«ومع ذلك رديتي؟»
«حضرتك بدأت.»




