
“طب إزاي موجود في ملف يوسف؟”
الدكتور هز راسه.
“حد حطه هنا مؤخرًا.”
حسام أخد الورقة.
بص لي وقال:
“يعني حد عايزنا نعرف إن سارة كانت موجودة.”
وفجأة يوسف فتح عينه.
“مريم.”
جريت له.
“أنا هنا.”
بص لي شوية، وبعدها قال:
“أنا فاكر.”
قلبي دق بسرعة.
“فاكر إيه؟”
قال:
“البنت.”
حسام قرب.
“أي بنت؟”
يوسف قال:
“البنت اللي كانت بتيجي لأمي زمان.”
سألته:
“كانت بتقول إيه؟”
يوسف غمض عينه وحاول يفتكر.
“كانت بتناديني يا حبيبي.”
سألته:
“شكلها كان إيه؟”
قال:
“شبهك.”
دموعي نزلت.
“سارة؟”
هز راسه.
“يمكن.”
حسام سأل:
“فين كانت بتقابلكم؟”
يوسف قال:
“في بيت جدتنا القديم.”
بصيت لحسام.
“لازم نروح هناك.”
قال:
“مش دلوقتي.”
اعترضت:
“ليه؟”
“لأنهم متوقعين إننا هنروح.”
قلت:
“يبقى نروح قبلهم.”
بص لي لحظة.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
“أهو ده اللي كنت خايف منه.”
خرجنا من المستشفى بعد ما اطمنا على يوسف.
في الطريق، حسام فضل ساكت.
قلت:
“إنت خايف؟”
قال:
“مش على نفسي.”
“عليا؟”
“أيوه.”
سكت شوية.
ثم قال:
“لأن اللي بيحصل مش مجرد انتقام قديم.”
“أمال إيه؟”
قال:
“حد كان بيخطط للحظة دي من سنين.”
وصلنا بيت جدتي بعد المغرب.
كان بيت قديم في منطقة هادية، والشارع شبه فاضي.
نزلنا.
حسام وقف قدام الباب وقال:
“استني.”
طلع ، وبص حوالين المكان.
دخلنا.
ريحة البيت كانت مألوفة بطريقة غريبة.
مشيت في الطرقة.
وفجأة وقفت.
“هنا.”
حسام بص لي.
“إيه؟”
أشرت لباب صغير.
“أمي كانت بتقفل الباب ده دايمًا.”
فتحناه.
كانت أوضة أطفال.
سريرين صغيرين جنب بعض.
فوق كل سرير لعبة قديمة.
واحدة على شكل أرنب.
والتانية دبدوب.
قربت من .
الملاية.
وفجأة رجعت لي ذكرى.
أنا طفلة.
وأختي سارة نايمة جنبي.
أمي داخلة علينا.
بتبوسنا.
وبعدين سمعت صوت خبط قوي على الباب.
أمي اتوترت.
شالت سارة.
وقالت لي:
“مريم، مهما حصل… ماتطلعيش من الأوضة.”
رجعت للواقع وأنا بلهث.
حسام مسكني.
“إيه اللي حصل؟”
قلت:
“أنا فاكرة.”
“إيه؟”
“ليلة اختفاء سارة.”
سكت.
“أمي دخلت الأوضة وشالتها.”
“وبعدين؟”
“سمعت خبط على الباب.”
حاولت أفتكر.
“كان فيه راجل.”
“شفتيه؟”
“لأ.”
“سمعتي صوته؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
سألني:
“فاكرة قال إيه؟”
غمضت عيني.
الصوت رجع في دماغي.
“الطفلة لازم تيجي معانا.”
فتحت عيني فجأة.
“كانوا عايزين ياخدوا سارة.”
حسام قال:
“وأمك حاولت تمنعهم.”
“أيوه.”
“وبعدين؟”
قلت:
“ماما خبتني.”
سكت.
“وحطتني تحت السرير.”
حسام بص للسرير.
انحنى ورفع الخشب القديم.
كان فيه تجويف صغير.
جواه صندوق خشبي.
فتحت الصندوق.
لقيت سلسلة فضية.
وصورة.
وورقة.
الصورة كانت لأمي وهي شايلة سارة.
لكن على ظهرها كان مكتوب:
“لو مريم وصلت للصندوق، يبقى سارة لسه عايشة.”
صرخت:
“لسه عايشة!”
حسام أخذ الورقة بسرعة.
كان فيها عنوان.
لكن قبل ما نقرأه، سمعنا صوت باب البيت بيتفتح.
حسام رفع إيده.
“مريم، ورايا.”
سمعنا خطوات.
وبعدين صوت امرأة:
“مريم؟”
اتجمدت.
الصوت كان مألوفًا.
قريب جدًا.
قربت الخطوات.
ظهرت امرأة عند باب الأوضة.
كانت في أواخر العشرينات تقريبًا.
وشها شاحب.
وعينيها مليانة دموع.
بصت لي.
أنا بصيت لها.
ولا واحدة فينا اتكلمت.
ثم قالت:
“أختي.”
صوتها كسرني.
حسام نزل ببطء.
المرأة قربت خطوة.
وقالت:
“أنا سارة.”
ماقدرتش أتحرك.
جريت عليها.
حضنتها وأنا بعيط.
كانت بتعيط هي كمان.
فضلنا ماسكين في بعض كأن السنين اللي ضاعت رجعت فجأة.
قلت:
“إنتِ عايشة.”
قالت:
“وأنا كنت بدور عليكي.”
سألتها:
“فين كنتِ؟”
مسحت دموعها.
“عند ناس ربوني بعيد عن مصر.”
“مين؟”
بصت لحسام.
ثم قالت:
“أبوك.”
حسام اتجمد.
“أبويا؟”
هزت راسها.
“هو اللي أخدني.”
قلت:
“ليه؟”
سارة ردت:
“عشان يحميني من كمال.”
حسام قال:
“يبقى أبويا كان بيحاول يحميكم.”
سارة بصت له بحزن.
“كان بيحاول يصلح غلطته.”
سكتت لحظة.
“لكن قبل ما ، سلّمني حاجة.”
أخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا.
مدته لحسام.
“قال لي: لو في يوم قابلت مريم، اديها الظرف ده.”
حسام فتحه.
كان فيه تسجيل صوتي.
شغله.
وخرج صوت رجل عجوز.
صوت والد حسام.
قال:
“لو التسجيل ده اتسمع، يبقى أنا مت.”
سكت لحظة.
“مريم وسارة، أنا ظلمتكم.”
حسام غمض عينه.
“أنا كنت شريكًا في الجريمة، لكني خالكم.”
ثم قال:
“الشخص اللي أمر كان شخصًا تاني.”
سارة قربت من التسجيل.
الصوت أكمل:
“والشخص ده لسه عايش.”
جابر؟
كمال؟
لا.
الاسم اللي اتقال بعد كده جعل حسام يفتح عينه فجأة.
“اسمه… فؤاد السيوفي.”
شهقت.
حسام همس:
“عمي.”
لكن التسجيل لم ينتهِ.
والد حسام قال:
“وفؤاد مش أخطر شخص.”
ثم جاء صمت طويل.
“أخطر شخص هو الشخص اللي كان بيمول كل حاجة.”
انقطع التسجيل.
بصينا لبعض.
سألت:
“مين؟”
سارة هزت راسها.
“أبويا ماقالش.”
وفجأة وصل إشعار على موبايلي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة يوسف وهو نايم في المستشفى.
وتحتها جملة:
“اتجمعتم أخيرًا… ممتاز.”
ثم وصلت رسالة ثانية:
“دلوقتي نبدأ المرحلة الأخيرة.”
حسام خطف الموبايل من إيدي.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت إطلاق نار في الشارع.
سارة صرخت.
حسام جذبنا ناحية الأرض.
زجاج الشباك اتكسر.
والرصاصة دخلت الحائط فوق رؤوسنا مباشرة.
حسام قال:
“كلنا تحت!”
وبص لي.
“اللي بره عرف إن سارة ظهرت.”
قلت:
“يوسف!”
قال:
“لازم نرجع المستشفى.”
سارة أمسكت إيدي.
وقالت:
“مريم… قبل ما نروح، لازم تعرفي حاجة.”
بصيت لها.
قالت:
“أنا مش بس كنت عايشة.”
سكتت.
“أنا كنت مع الشخص اللي كان بيراقب عيلتنا طول السنين اللي فاتت.”
قلبي اتوقف.
“مين؟”
سارة بصت ناحية الباب.
وقالت:
“الشخص اللي أنتِ بتدوري عليه… كان عايش معايا لحد من كام شهر.”
حسام سأل:
“مين؟”
سارة ردت بصوت مرتعش:
“كمال السيوفي.”
ثم أضافت:
“وهو مش لوحده.”
كانت آخر كلمة قالتها قبل ما نسمع صوت خطوات بتقرب من البيت.
خطوات شخص دخل من الباب الرئيسي.
وسمعنا صوت رجل بيقول:
“سارة… افتحي الباب.”
سارة شحبت.
أنا مسكت إيدها.
قالت لي:
“ده هو.”
حسام وقف.
“كمال.”
لكن صوت الرجل من الخارج ضحك وقال:
“مش أنا يا حسام.”
سكت لحظة.
“أنا الشخص اللي أبوك كان خايف منه.”
ثم قال اسمه.
اسم جعل حسام يتراجع خطوة.
لأن الحقيقة كانت أبشع من كل اللي توقعناه.
حكايات شروق خالد



