هربت من عيلة جوزها… فرمت نفسها في عربية ألد أعدائه ج1 حكايات شروق خالد

«أبويا.»
وخرج بره المطبخ.
نجلاء قربت من ياسين.
«إنت كويس؟»
«أيوه.»
«متأكد؟»
«أيوه يا ماما.»
حط الكروت في شنطته بسرعة.
واحد منهم وقع على الأرض.
ياسين ماخدش باله.
خرج.
نجلاء انحنت وأخدت الكارت.
كان على وشه رسم لباب قديم واقف لوحده وسط أرض فاضية.
قلبته.
ولقت ياسين كاتب وراه:
«متبقي 18 يوم على معاد تسليم ملف التقديم.»
نجلاء عقدت حواجبها.
هي عارفة إن ياسين بيحب الرسم.
وعارفة إنه نفسه يدخل كلية فنون جميلة.
وعارفة إنه ساعات بيسهر لحد الفجر عشان يعمل أفلام ورسومات.
لكن…
هي ماكانتش تعرف أي حاجة عن ملف التقديم ده.
وماكانتش تعرف إن الورقة الصغيرة اللي في إيدها…
كانت أول خيط في سر هيقلب عيلة البنا كلها رأسًا على عقب.
وكانت لسه ماتعرفش إن بعد أيام قليلة…
هتجري حافية في طريق قصرهم.
وهي بتستخبى من نفس الناس اللي كانت فاكرة إنهم أهلها.
وهتدخل عربية أخطر رجل في البلد.
الرجل اللي عيلة البنا حاربت عيلته عشرين سنة.
واللي كان المفروض يكون آخر شخص تطلب منه المساعدة.
لكن في الليلة دي…
هو الوحيد اللي هينقذها.
وهو الوحيد اللي كان عارف الحقيقة كاملة عن ياسين.
والأخطر من كده…
إن حسام البنا، الراجل اللي كل العيلة كانت فاكرة إنه مات…
ماكانش ميت زي ما قالوا لهم.
حكايات شروق خالد
في نفس الليلة، كانت نجلاء قاعدة في أوضة السفرة في بيت أبو حسن، وسط وشوش العيلة كلها.
أبو حسن، الحاج صابر البنا، كان قاعد على رأس الترابيزة.
راجل في أواخر الستينات، جسمه لسه قوي، وصوته لوحده كان كفاية يخلي أي حد يسكت.
جنبه كان حسن.
وعلى الناحية التانية كان شريف، ابن عم حسن، ومعاه اتنين من رجالة العيلة.
أما ياسين…
فكان قاعد ساكت، بيحرك المعلقة في طبقه من غير ما ياكل.
نجلاء كانت حاسة إن فيه حاجة غلط.
من ساعة ما دخلوا البيت، والكل عيونه على ياسين.
الحاج صابر قال:
«يا ياسين.»
الولد رفع عينه.
«نعم يا جدي؟»
«عمك حسام كان بيحبك.»
ياسين سكت.
«وكان شايف فيك حاجة محدش غيره كان شايفها.»
نجلاء بصت لحسن.
حسن كان مطأطئ عينه.
قال الحاج صابر:
«وعشان كده لازم تكمل طريقه.»
ياسين سأل بهدوء:
«أي طريق؟»
الحاج صابر ابتسم ابتسامة مافيهاش ذرة دفء.
«طريق العيلة.»
قلم نجلاء وقف في إيدها.
قالت:
«هو لسه صغير.»
الحاج صابر بص لها.
«أنا ماكلمتكيش.»
حسن تدخل بسرعة:
«بابا، نجلاء مراته، ومن حقها تتكلم.»
الحاج صابر ضرب كف بإيده على الترابيزة.
«وأنا بتكلم مع ابني!»
الصوت خلّى ياسين ينتفض.
نجلاء حطت إيدها على إيده تحت الترابيزة.
«اهدى.»
الحاج صابر بص لها.
«إنتِ مش فاهمة حاجة يا نجلاء.»
ردت:
«يمكن عشان محدش بيقول لي حاجة.»
ساد الصمت.
شريف ضحك بسخرية.
«أصل الموضوع أكبر منك.»
نجلاء بصت له.
«أنا مرات حسن وأم ياسين. يبقى الموضوع يخصني.»
شريف قرب بجسمه للأمام.
«لو كان الموضوع عادي، كنا قولنا لك.»
نجلاء ردت:
«وهو مش عادي؟»
محدش جاوب.
الحاج صابر أشار لياسين.
«من بكرة هتروح مع شريف.»
ياسين سأل:
«فين؟»
«هتعرف هناك.»
«أنا عندي مدرسة.»
«المدرسة تستنى.»
نجلاء قالت:
«لأ.»
الكل بص لها.
نجلاء كررت:
«ابني مش هيروح مع حد لمكان أنا معرفوش.»
الحاج صابر ضرب بإيده على الترابيزة.
«ابنك؟»
سكت لحظة.
«إنتِ فاكرة إنك ليكي قرار في البيت ده؟»
حسن وقف.
«كفاية يا بابا.»
الحاج صابر بص له بغضب.
«إنت لسه هتوقف قدامي عشان مراتك؟»
حسن ما ردش.
لكن نجلاء شافت في عينه حاجة عمرها ما شافتها قبل كده.
خوف.
مش خوف على نفسه.
خوف على ياسين.
بعد العشا، حسن ونجلاء رجعوا البيت من غير ما يتكلموا.
ياسين دخل أوضته فورًا.
نجلاء استنتجت إن فيه حاجة أكبر من مجرد موت عمه.
قفلت باب أوضتهم وبصت لحسن.
«قول لي الحقيقة.»
حسن خلع ساعته وحطها على الترابيزة.
«مفيش حاجة.»
«حسن.»
«قلت مفيش.»
«إنت كنت خايف.»
سكت.
نجلاء قربت منه.
«أنا شفتك.»
حسن قعد على طرف السرير.
حط إيده على وشه.
«حسام ماكانش مجرد أخويا.»
نجلاء سكتت.
«حسام كان داخل في شغل العيلة.»
«أي شغل؟»
حسن رفع عينه.
«حاجات لو عرفتيها… هتتمني إنك ماعرفتيش.»
نجلاء قالت:
«أنا مش خايفة من الحقيقة.»
حسن ضحك ضحكة حزينة.
«الحقيقة مش دايمًا محتاجة حد يخاف منها. ساعات هي اللي بتخوف.»
سكت شوية.
وبعدين قال:
«قبل ما حسام يموت بأسبوع، طلب مني حاجة.»
«إيه؟»
«لو حصل له حاجة… أحمي ياسين.»
نجلاء اتجمدت.
«ليه؟»
حسن ما ردش.
«حسن… ليه؟»
قال بصوت واطي:
«لأن حسام كان عارف إن فيه ناس هتدور على ابنه.»
نجلاء شهقت.
«ابنه؟»
حسن بص لها.
«ياسين.»
«ياسين ابن حسام؟»
حسن هز راسه.
«إنت بتقول إيه؟»
«اللي سمعتيه.»
نجلاء رجعت خطوة.
«بس ياسين ابني… يعني ابنك.»
«هو ابننا.»
«إنت كنت عارف؟»
حسن سكت.
«من إمتى؟»
«من قبل ما أتجوزك.»
نجلاء حست الدنيا بتلف بيها.
«إنت كنت عارف إن ياسين ابن حسام؟»
«أيوه.»
«وسكت؟»
«عشان أحميه.»
نجلاء بدأت دموعها تنزل.
«وأنا؟»
حسن قرب منها.
«أنا كنت بحاول أحميكي إنتِ كمان.»
«من مين؟»
حسن بص ناحية الباب.
وبعدين همس:
«من كمال الديب.»
اسم واحد.
لكن وقعه كان كفيل يخلي نجلاء تسكت.
كمال الديب.
الرجل اللي عيلة البنا اعتبرته عدوها الأول.
الرجل اللي محدش من العيلة كان بيجيب سيرته.
قال حسن:
«حسام كان عنده سر مع كمال.»
نجلاء سألت:
«إيه السر؟»
حسن هز راسه.
«مش عارف.»
«إنت بتكدب.»
«مش بكدب.»
«أمال ليه كمال اسمه ظهر دلوقتي؟»
حسن سكت.
وفي اللحظة دي…
سمعوا صوت خبط شديد على باب البيت.
حسن وقف.
الخبط اتكرر.
دق.
دق.
دق.
ياسين خرج من أوضته.
«مين؟»
حسن صرخ:
«ادخل أوضتك!»
لكن قبل ما حد يتحرك…
الباب اتفتح بعنف.
دخل شريف ومعاه أربعة رجالة.
نجلاء وقفت قدام ياسين.
«إنتوا عايزين إيه؟»
شريف بص لياسين.
«الحاج صابر قال ناخده.»
حسن وقف قدام ابنه.
«محدش هياخده.»
شريف ابتسم.
«إنت هتمنعنا؟»
حسن رد:
«أيوه.»
واحد من الرجالة تقدم.
حسن ضربه.
البيت كله اتقلب في ثواني.
صرخات.
خبط.
كراسي وقعت.
نجلاء مسكت ياسين من إيده.
«اطلع أوضتك.»
«مش هسيبك.»
«ياسين، اطلع!»
لكن شريف لمح الولد.
«خدوه.»
اتنين من الرجالة اتحركوا ناحيته.
نجلاء وقفت قدامهم.
«ابني مش هيروح معاكم.»
واحد منهم مسك دراعها.
ياسين صرخ:
«سيب أمي!»
وفجأة…
حسن اندفع وضرب الراجل بكل قوته.
لكن شريف ضرب حسن من ورا.
حسن وقع على الأرض.
نجلاء صرخت:
«حسن!»
وفي اللحظة دي، ياسين بص لنجلاء.
وقال جملة واحدة:
«ماما… لازم نهرب.»
نجلاء فهمت.
مسكت إيده.
وجروا ناحية الباب الخلفي.
لكن قبل ما يخرجوا…
سمعوا صوت عربية وقفت قدام البيت.
وبعدها صوت باب عربية بيتقفل.
شريف بص ناحية الشباك.
وشه اتغير.
«كمال الديب.»
الكل سكت.
نجلاء ما استنتش.
فتحت الباب الخلفي.
جريت وهي ماسكة ياسين.
لكن شريف شافها.
«نجلاء! استني!»
ماوقفتش.
خرجت للشارع.
جريت من غير جزمة.
جريت وهي ماسكة إيد ابنها.
لكن ياسين فجأة وقف.
«ماما!»
«إيه؟»
«إحنا لازم نستخبى.»
«فين؟»
ياسين بص ناحية العربية السوداء اللي وقفت على الناصية.
وقال:
«وراها.»
نجلاء بصت.
قلبها وقف.
العربية كانت عربية كمال الديب.
والباب الخلفي كان مفتوح.
نجلاء ماكانش قدامها اختيار.
جرت.
فتحت الباب.
دفعت ياسين جوا.
وركبت وراه.
لكن أول ما رفعت عينيها…
كمال كان قاعد قدامها.
بصلها.
وبعدين بص لياسين.
وفي عينيه ظهر شيء لم تفهمه.
دهشة.
وألم.
ثم قال بهدوء:
«إنتِ…»
نجلاء قاطعته:
«أرجوك.»
كمال سكت.
نجلاء قالت وهي بتنهج:
«لو عندك ذرة رحمة… خلينا نمشي.»
في نفس اللحظة، رجال البنا ظهروا في آخر الشارع.
كمال بص لهم.
وبعدين بص لياسين.
ثم قال للسواق:
«سوق.»
العربية انطلقت.
نجلاء ضمت ياسين لصدرها.
لكن كمال فضل باصص قدامه.
وبعد دقيقة، قال:
«هو يعرف الحقيقة؟»
نجلاء ردت:
«أي حقيقة؟»
كمال سكت.
ثم قال:
«إن أبوه الحقيقي… مش حسن.»
نجلاء بصت له بصدمة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما ياسين رفع عينه وقال:
«أنا عارف.»
كمال لف ناحيته ببطء.
«إنت عارف إيه؟»
ياسين مد إيده في شنطته.
طلع كارت صغير.
وعليه رسم باب.
لكن المرة دي…
كان فيه راجل واقف قدام الباب.
وياسين قال:
«عمي حسام هو اللي قال لي.»
كمال أخذ الكارت.
وأول ما شاف الرسم…
وشه اتغير.
لأن الرسم ماكانش مجرد رسم.
كان المكان اللي اتقتل فيه حسام.
والمكتوب على ظهر الكارت كان أربع كلمات فقط:
«كمال… هو مش قاتلي.»
كمال رفع عينه.
وقال بصوت منخفض:
«حسام كان عارف إني هلاقيكوا.»
نجلاء همست:
«يعني إيه؟»
كمال بص لها.
«يعني إن اللي قتل حسام… دلوقتي عايز يقتل ياسين.»
وساد الصمت داخل العربية.
لكن محدش فيهم كان يعرف…
إن الشخص اللي أمر بقتل حسام كان قاعد في نفس اللحظة داخل بيت البنا.
وكان مستني مكالمة واحدة فقط.
مكالمة تقول له:
ياسين اختفى.
حكايات شروق خالد
كمال فضل ساكت طول الطريق.
العربية كانت بتجري في الشوارع، ونجلاء قاعدة في الكنبة الخلفية حاضنة ياسين، وكل شوية تبص من الزجاج الخلفي عشان تتأكد إن محدش وراهم.
لكن مفيش عربية ظهرت.
ولا عربية من عربيات البنا.
ولا حتى عربية غريبة.
وده ماطمنهاش.
بالعكس…
خلاها تشك أكتر.
قالت:
«إحنا رايحين فين؟»
كمال ما بصش لها.
«مكان محدش يعرفه.»
«أنا محتاجة أعرف.»
«هتعرفي.»
«إمتى؟»
«لما نوصل.»
نجلاء اتعصبت.
«إنت مش فاهم إن ابني في خطر؟»
كمال رد بهدوء:
«فاهم أكتر منك.»
«أمال قول لي!»
كمال لف وبص لها.
«عشان لو عرفتي، ممكن حد يعرف منك.»
نجلاء سكتت.
ياسين كان ساكت هو كمان.


