«زعيم المافيا حط راسه على رجلي… واكتشفت سر هزّ إمبراطوريته» حكايات شروق خالد

جوزي زعيم المافيا حط راسه على رجلي في العربية — وحراسه عمرهم ما شافوه بالحنية دي.
اتجوزت أخطر راجل في المدينة في يوم خميس ممطر من شهر أكتوبر.
طول أول ست شهور من جوازنا، كنت مقتنعة بصراحة إني ارتكبت أغرب وأجمل غلطة ممكن ست تعملها في حياتها.
الناس دايمًا بتوصف الرعب الحقيقي إنه حاجة صاخبة وعنيفة ومليانة دوشة.
بيتكلموا عن صوت صفارات الشرطة وهي بتصرخ، وعن إزاز بيتكسر، ورصاص بيشق ضباب نص الليل، أو أبواب خشب تقيلة بتتخلع بعنف من مكانها.
لكن نوع الخوف اللي كان بيمشي جنب جوزي كان مختلف تمامًا.
كان صمت مطلق… خانق.
صمت كان بيتسلل للغرف الفخمة قبل ما هو حتى يدخلها بدقايق.
وجوده الهادئ كان بيخلي رجالة كبار يوطيوا صوتهم لحد الهمس، ويعدلوا ضهرهم من شدة الخوف، كأنهم بيحاولوا ينجوا بحياتهم.
كانوا بيحسبوا كل كلمة قبل ما تخرج من بقهم، كأن غلطة واحدة في الكلام ممكن تكلفهم آخر نفس في عمرهم.
وكان بيخلي ستات المجتمع الراقي يبعدوا عينيهم بسرعة وارتباك، خايفين يتقفشوا وهم بيتفرجوا على الراجل اللي محدش في القاهرة كان يقدر يتجاهله.
وكان بيجبر الحرس المسلحين إنهم يراجعوا الممرات الفاضية مرتين، والسواقين اللي شغالين معاه يفضلوا سايبين مواتير العربيات القوية دايرة، مستنيين في الضلمة.
حتى الجرسونات اللي لابسين جوانتي أبيض كانوا بيرتعشوا بشكل واضح كل ما يرفعوا الإزازة الكريستال عشان يصبوا له.
ومع ذلك…
أول حاجة لاحظتها في جوزي، ما كانتش سمعته المرعبة، ولا قدرته على العنف.
ولا حتى الطريقة اللي كل إمبراطوريات المدينة كانت بتهمس بيها باسمه وسط الممرات الرخامية.
أول حاجة شدت انتباهي فيه كانت حاجة تانية خالص.
كان باين عليه التعب.
تعب عميق… ويائس.
ومحدش غيري تقريبًا كان قادر يلاحظ ده.
كل الناس اللي حواليه في عالم الفلوس والنفوذ والافتراس كانوا شايفين البدلات السودا المفصلة مخصوص وهي بتحدد جسمه الضخم المليان آثار جروح، والساعة الدهب التقيلة اللي في إيده، ونظرته الهادية المحسوبة اللي شبه نظرة صياد مستني فريسته.
كانوا شايفين راجل قاسي، حاكم إمبراطورية كبيرة، إمبراطورية اتبنت على الدم والفلوس المغسولة والوعود اللي عمرها ما بتتكسر.
أما أنا…
فكنت شايفة راجل وحيد، حابس نفسه جوه درع من الحديد، لدرجة إني كنت بسأل نفسي بجد:
هو يا ترى حتى التنفس كان بيوجعه؟
اسمه كان سليم الدمنهوري.
والناس كلها كانت بتقول إن اسمه لوحده كفاية يخلي أقوى رجالة البلد يفكروا ألف مرة قبل ما يعادوه.
كان عنده شركات ومصانع وعقارات في كل حتة، لكن ورا الستارة كان فيه عالم تاني محدش بيتكلم عنه.
عالم مليان رجال مسلحين، صفقات سرية، وخيانات.
وأنا؟
أنا كنت مجرد بنت عادية جدًا.
اسمي مريم.
أبويا مات وأنا صغيرة، وأمي فضلت طول عمرها تكافح عشان تربيني، ولما كبرت اشتغلت في مكتب محاسبة في مصر الجديدة.
ما كنتش من عيلة غنية.
ولا كنت بحلم أتجوز راجل ملياردير.
وبالأخص ما كنتش بحلم أتجوز راجل الناس بتخاف منه بالشكل ده.
لكن القدر ساعات بيحب يحطك في أكتر مكان عمرك ما تخيلت إنك هتروحه.
أنا وسليم اتجوزنا بسبب اتفاق بين عيلتين.
في البداية، كنت فاكرة إن الجوازة دي مجرد ورقة.
اتفاق.
كل واحد يعيش في حاله، وكل واحد ياخد اللي عايزه.
لكن سليم كان مختلف.
من أول يوم، ما حاولش يقرب مني.
ما حاولش يفرض نفسه عليا.
حتى لما دخلنا جناحنا لأول مرة بعد الفرح، وقف بعيد عني وقال بصوت هادي:
“أوضتك على اليمين.”
بصيت له باستغراب.
“وإنت؟”
أشار للباب المقابل.
“أنا هنا.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“مش هقرب منك يا مريم إلا لو إنتي طلبتي.”
الجملة دي فضلت في دماغي وقت طويل.
لأن الراجل اللي كل الناس كانت بتخاف منه…
كان أول واحد في حياتي يحسسني إن كلمة “لا” بتاعتي ليها قيمة.
عدت الأيام.
وبدأت أكتشف إن سليم مش الوحش اللي الناس بتحكي عنه.
كان قليل الكلام.
قليل الضحك.
لكن لما كان بيتعب، كان بيقعد لوحده بالساعات قدام الشباك.
ولما كان بيكون فاكر إنه محدش شايفه، كان بيحط إيده على رقبته ويفركها كأنه شايل حمل تقيل فوق كتافه.
كنت أحيانًا ألاقيه نايم على الكنبة في المكتب، والملفات مفتوحة قدامه.
وفي مرة، دخلت عليه الساعة تلاتة الفجر.
لقيته قاعد لوحده.
النور مطفي.
وقميصه مفتوح من عند رقبته.
بص لي وقال:
“إنتي لسه صاحيه؟”
قلت:
“وأنت ليه مش نايم؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
“أنا مش بعرف أنام.”
سألته:
“ليه؟”
سكت.
وبعدين قال:



