
ضغط محمود المنشاوي على البنزين لآخره، والعربية شقت الطريق الصحراوي ناحية المقابر القديمة، بينما صوت كلير كان لسه بيرن في ودانه:
“خدوا الشاهد… وآية.”
قبض محمود على الدركسيون لحد ما مفاصل إيده ابيضّت.
“لو لمسوا بنتي… مش هسيب واحد فيهم عايش.”
كلير، رغم جرحها، كانت قاعدة جنبه وبتضغط على قطعة قماش فوق كتفها.
قالت بصوت متقطع:
“محمود… لازم تسمعني قبل ما نوصل.”
“اتكلمي.”
“سامح مش هو سامي.”
بص لها فجأة.
“إيه؟”
“الاسمين دول مش لشخصين.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“سامح هو الاسم الحقيقي. سامي هو الاسم اللي كان بيستخدمه جوه بيتك.”
محمود حس إن الدنيا لفت بيه.
“يعني مريم كانت بتقول سامي؟”
“لأنها كانت صغيرة… وكانت بتناديه بالاسم اللي سمعته من أمها.”
“إنتِ عارفة ده منين؟”
كلير بصت له في عينه.
“لأن مراتك كانت عارفة.”
سكت محمود.
اسم زوجته كان كفيل يرجع له كل الوجع اللي حاول يدفنه تلات سنين.
قال بصوت خافت:
“إنتِ كنتِ تعرفي مراتي قبل ما تموت.”
“أيوه.”
“وكانت عارفة إن سامح خاين؟”
كلير هزت راسها.
“كانت عارفة إنه مش مجرد خاين.”
وقبل ما محمود يسأل، ظهر ضوء المقابر من بعيد.
كلير أشارت ناحية سور حجري قديم.
“هناك.”
نزل محمود من العربية وسحب سلاحه.
“خليكِ هنا.”
ضحكت كلير رغم الألم.
“أنا خدامة في بيتك بقالى ست سنين، وطلعت قدامك في الليلة دي بشيل رصاصة من رجل بنتك. ولسه فاكر إني هستخبى في العربية؟”
“كلير…”
“أنا عارفة الطريق.”
اتحركت قدامه.
دخلوا من بوابة حديدية مكسورة، والهواء كان بارد بشكل غريب.
مفيش صوت غير صوت خطواتهم.
وفجأة…
وصل لمحمود صوت بكاء.
صوت طفلة.
“آية!”
جري ناحية الصوت.
لكن كلير مسكته.
“استنى.”
“بنتي هناك!”
“ده فخ.”
في اللحظة نفسها، اتسمع صوت مريم من جوه:
“بابا!”
محمود قرب من الباب، لكنه وقف لما سمع صوت تاني.
صوت راجل.
“أخيرًا وصلت يا محمود.”
خرج سامح من الضلمة.
وكان ماسك مريم من إيدها.
وعلى الناحية التانية كانت آية قاعدة على الأرض، إيديها مربوطين، لكن عينيها كانت مفتوحة.
محمود رفع سلاحه.
“سيبهم.”
سامح ابتسم.
“أهو ده محمود اللي أعرفه… الراجل اللي ممكن يحرق نص القاهرة عشان عيلتين.”
“قولت سيبهم.”
سامح قرب من مريم.
“قبل ما تعمل أي حاجة، اسألها عن أمها.”
مريم رفعت عينيها لمحمود.
وكان في إيدها الصغيرة سلسلة قديمة.
سلسلة أمها.
محمود اتجمد.
“السلسلة دي كانت فين؟”
مريم قالت:
“ماما ادتهالي.”
محمود حس إن قلبه وقف.
“ماما؟”
كلير همست:
“أنا كنت خايفة من اللحظة دي.”
سامح ضحك.
“لأن الحقيقة يا محمود… مراتك ما ماتتش.”
سقط الصمت على المكان.
محمود بص له كأنه مش فاهم اللغة اللي بيتكلم بيها.
“إنت بتكدب.”
“كنت أتمنى تكون كذبة.”
سامح أشار ناحية مبنى صغير خلف المقابر.
“مراتك كانت عايشة بعد الانفجار.”
محمود اتحرك خطوة.
“فين هي؟”
“كانت هنا.”
“فين؟!”
سامح ابتسم.
“كانت بتتفرج عليك من الكاميرات.”
وفجأة اشتغل جهاز عرض قديم على الحائط.
ظهرت صورة امرأة.
زوجته.
واقفة.
حية.
وبصوتها هي قالت:
“محمود… لو أنت بتشوف التسجيل ده، يبقى أنا فشلت أخبي الحقيقة عنك.”
محمود وقع سلاحه من إيده.
صوتها كمل:
“أنا ما متتش في الحادثة.”
مريم بدأت تبكي.
“ماما قالتلي بابا هيفهم.”
محمود قرب من الشاشة.
“إنتِ فين؟”
لكن التسجيل كمل:
“الشخص اللي دبر الانفجار كان أقرب إنسان ليك.”
ظهرت صورة سامح.
ثم اختفت.
وظهرت صورة محمود نفسه.
تحتها كلمة واحدة:
“الخطر الحقيقي.”
محمود رجع خطوة.
سامح قال بهدوء:
“دلوقتي فهمت ليه مراتك اختفت؟”
محمود بص له.
“إنت عملت إيه فيها؟”
سامح هز رأسه.
“أنا؟ ولا مرة لمستها.”
كلير تقدمت.
“لأن اللي أمر بخطفها… كان محمود نفسه.”
محمود بص لها بصدمة.
“إيه؟”
كلير دموعها نزلت.
“أنت ما كنتش فاكر.”
سامح قال:
“قبل الانفجار بيوم، محمود فقد جزء من ذاكرته بعد إصابة في الرأس.”
“مراتك عرفت إن حد كان بيستخدمك… وكانت بتحاول تحميك من نفسك.”
محمود حط إيده على رأسه.
وفجأة…
ومضة.
غرفة.
زوجته قدامه.
بتعيط.
وهو بيصرخ:
“خدي البنات واهربي!”
ثم صوت انفجار.
ثم صوت امرأة:
“محمود… متثقش في نفسك.”
فتح عينه.
آية كانت بتبص له.
“بابا… افتكر.”
وفجأة اتسمع صوت طلقة.
سامح وقع على الأرض.
محمود لف ناحية مصدر الصوت.
لكن اللي شافه خلّى الدم يتجمد في عروقه.
كانت امرأة واقفة عند باب المقبرة.
شعرها طويل.
وجهها شاحب.
وعينيها ثابتة عليه.
كلير همست:
“هي.”
محمود ما قدرش يتنفس.
المرأة قالت بصوت مكسور:
“محمود…”
مريم صرخت:
“ماما!”
وتجمد محمود مكانه.
بعد تلات سنين من الحزن…
مراته كانت واقفة قدامه.
حية.
لكنها كانت موجهة السلاح ناحية قلبه.
وقالت:
“أنا رجعت عشان أنقذ ولادي منك.”
حكايات شروق خالد
محمود فضل واقف مكانه، عينه معلقة بوش الست اللي قدامه.
مراته.
نفس العينين.
نفس الصوت.
نفس السلسلة اللي كان هو بنفسه جابها لها قبل فرحهم.
لكن إيده كانت مرفوعة، والسلاح موجه ناحيته.
“أنا رجعت عشان أنقذ ولادي منك.”
محمود هز راسه ببطء.
“إنتِ… عايشة.”
دموعها نزلت.
“أيوه.”
“طب ليه؟ ليه سيبتيني تلات سنين أدفنك كل يوم؟”
صرخت:
“لأنك كنت هتقتلني!”
سكت.
كملت وهي بتبكي:
“سامح حطلك مخدرات في علاجك بعد الحادثة. كان بيأثر على ذاكرتك وتصرفاتك. ولما اكتشفت إنه بيبيع أسرار شغلك لأعدائك، حاولت أقولك.”
“بس أنت ما صدقتنيش.”
محمود غمض عينه.
الذكريات بدأت ترجع.
مشاهد متقطعة.
خناقة.
صوت زوجته.
سامح واقف وراه.
وحقنة في إيده.
ثم الانفجار.
قالت زوجته:
“كلير أنقذتني من الموت. أخدتني للمستشفى باسم مزيف، وخبتني تلات سنين عشان سامح كان فاكر إني مت.”
كلير بصت لمحمود.
“كنتِ عايزة ترجعي، بس كان لازم نعرف مين اللي خانك.”
محمود بص لسامح.
لكن سامح كان بدأ يتحرك ناحية الباب.
“محمود!”
صرخت زوجته.
محمود لف بسرعة.
سامح رفع سلاحه.
طلقة واحدة دوّت في المقابر.
محمود وقع على الأرض.
“بابا!”
آية صرخت.
لكن محمود رفع عينه.
الرصاصة أصابت كتفه فقط.
وفي ثانية كان فوق سامح.
وقع السلاح من إيد سامح.
بدأ الاتنين يتصارعوا بعنف.
سامح صاح:




