
— فين؟
— لمكان أمي.
وقفت قدامه.
— إنت عارف مكانها؟
بص لي نظرة طويلة.
— عارف المكان اللي غالبًا مخبيها فيه.
— وغالبًا دي معناها إيه؟
— معناها إن عندنا فرصة واحدة.
خرجنا من الشقة بسرعة.
طول الطريق، عمر كان سايق بأقصى سرعة، وكل شوية يبص في المراية.
وأنا كنت ماسكة موبايل أمي، وبحاول أستوعب كل اللي حصل.
بعد حوالي نص ساعة، العربية دخلت شارع جانبي ضيق في منطقة قديمة.
وقفت قدام بيت صغير شكله مهجور.
بصيت لعمر.
— إحنا هنا ليه؟
نزل من العربية.
— لأن الراجل ده كان بيستخدم المكان ده من زمان.
نزلت وراه.
— إنت تعرفه؟
وقف قدام الباب.
— أعرف اسمه.
— مين؟
بص لي.
— فؤاد منصور.
اتجمدت.
— منصور؟
— أيوه.
— يبقى ليه علاقة بحمدي منصور؟
ما ردش.
فتح الباب بمفتاح قديم.
دخلنا.
المكان كان ضلمة وريحتُه تراب ورطوبة.
ناديت:
— ماما؟
مفيش رد.
دخلنا أكتر.
وفجأة سمعنا صوت حركة من فوق.
عمر رفع إيده.
— استني هنا.
— لأ.
طلع السلم وأنا وراه.
كل درجة كانت بتصدر صوت يخلي قلبي يدق أسرع.
وصلنا للدور العلوي.
كان فيه باب مقفول.
عمر حط إيده على المقبض.
لكن قبل ما يفتحه…
جالنا صوت أمي من جوه:
— ندى؟
صرخت:
— ماما!
حاولت أفتح الباب، لكن عمر منعني.
— استني.
— دي أمي!
— ممكن يكون فخ.
وفجأة صوت أمي اتغير.
قالت:
— ندى… ما تثقيش في عمر.
بصيت له.
هو اتجمد.
— ماما، إنتِ بتقولي إيه؟
جاء صوتها من الداخل:
— هو مش ابن محمود الشامي.
حسيت إن جسمي كله فقد توازنه.
بصيت لعمر.
وشه كان أبيض.
فتحت بوقي:
— عمر…
لكنه ما ردش.
أمي كملت:
— محمود ما كانش أبوه الحقيقي.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— وأنا عارفة مين أبوه.
عمر قرب من الباب.
— افتحي يا مدام سعاد.
صوتها ارتجف:
— مش هفتح.
— ليه؟
— لأنك لو دخلت… هتعرف الحقيقة اللي أبوك دفنها سنين.
عمر رجع خطوة.
— أبويا؟
ضحكت أمي ضحكة حزينة.
— محمود كان خايف من الحقيقة أكتر من خوفه من الموت.
بصيت لعمر.
— إنت فاهم حاجة؟
قال بصوت مبحوح:
— لأ.
أمي ردت من الداخل:
— الحقيقة إن حمدي منصور ما كانش أبو ندى لوحدها.
سكت المكان كله.
عمر قرب من الباب.
— يعني إيه؟
— يعني يا عمر…
صوتها انكسر.
— حمدي منصور كان أبوك إنت كمان.
حسيت إن الدنيا وقفت.
عمر ما اتحركش.
ولا رمش.
وأنا فضلت باصة له، مش قادرة أتكلم.
أمي قالت:
— إنت وندى إخوات من أب واحد.
رجعت خطوة للخلف.
— لأ…
عمر بص لي.
عينيه كانت مليانة صدمة.
— ندى…
هزيت راسي بسرعة.
— لأ، مستحيل.
وفجأة سمعنا صوت ضحكة من آخر الممر.
اتلفتنا.
كان فيه راجل واقف في الضلمة.
لابس بدلة سوداء.
وفي إيده مسدس.
وقال بهدوء:
— للأسف… دي الحقيقة.
عمر وقف قدامي فورًا.
الراجل ابتسم.
— أخيرًا اتقابلنا يا ابني.
عمر بص له.
— فؤاد؟
ابتسم.
— أيوه.
وبعدين بص لي.
— وإنتِ يا ندى…
رفع الموبايل في إيده.
كانت عليه صورة قديمة لأمي وحمدي ومحمود.
وقال:
— عندك حق تسألي نفسك سؤال واحد بس.
— إيه؟
ابتسم.
— ليه حمدي منصور سلّم بنته وابنه لأعدائه… وخلاهم يعيشوا طول عمرهم وهما فاكرين إنهم من عيلتين مختلفتين؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— والإجابة أخطر بكتير من اللي تتخيليه.
عمر شدني وراه.
— ابعد عنها.
فؤاد ضحك.
— لسه بتحميها؟
وبص لي مباشرة.
— رغم إنك لحد دلوقتي ما عرفتيش إن جوازك من عمر كان آخر خطوة في خطة بدأت قبل ما تتولدي.
حكايات شروق خالد
فضلت باصة لفؤاد، وعقلي كان بيرفض يستوعب آخر جملة قالها.
— جوازة عمر مني كانت خطة؟
فؤاد ابتسم ابتسامة باردة.
— مش مجرد خطة يا ندى… دي كانت وصية أبوكي.
عمر اتحرك خطوة ناحيته.
— إنت كداب.
فؤاد ضحك.
— كنت عارف إنك هتقول كده. عشان كده جبت الدليل.
طلع من جيبه ظرف قديم، ورماه على الأرض قدام عمر.
عمر انحنى ورفعه.
فتح الظرف بإيد بتترعش.
أول ورقة كانت صورة لتحليل DNA.
عيناه اتحركت بين السطور، وبعدها رفع عينه ببطء.
— ده… إيه؟
فؤاد قال:
— تحليل يثبت إن حمدي منصور هو أبوك وأبو ندى.
بصيت لعمر.
كان وشه متجمد.
لكن أنا لاحظت حاجة…
في أسفل الورقة كان فيه توقيع.
توقيع محمود الشامي.
صرخت:
— استنى!
أخدت الورقة منه.
— التوقيع ده…
عمر بص لي.
— إيه؟
— ده مش توقيع محمود.
فؤاد ابتسم.
ابتسامته اختفت أول ما شاف الورقة في إيدي.
— إنتِ متأكدة؟
— أيوه.
أنا كنت بشوف توقيع محمود طول طفولتي. ده مش توقيعه.
عمر خطف الورقة من إيدي.
— يعني التحليل مزور؟
فؤاد سكت.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت أمي من جوه الغرفة.
— مش التحليل هو المزور.
كلنا بصينا للباب.
صوتها كان مبحوح.
— اللي اتزور هو الحقيقة كلها.
عمر قرب من الباب.
— افتحي يا مدام سعاد.
المرة دي الباب اتفتح.
أمي كانت واقفة قدامنا.
وشها شاحب، وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافتني، مدت إيدها.
جريت عليها وحضنتها.
— ماما!
ضمتني بقوة.
— سامحيني يا بنتي.
— على إيه؟
بصت لعمر.
وبعدين لفؤاد.
— على إني خبيت عنكم الحقيقة كل السنين دي.
عمر قال:
— مين أبويا الحقيقي؟
أمي سكتت.
فؤاد رد بدلها:
— حمدي منصور.
أمي هزت راسها.
— لأ.
الجميع اتجمد.
بصيت لها.
— إنتِ قلتي إنه أبويا أنا وأبو عمر.
— قلت اللي كنت فاكرة إنه الحقيقة.
— يعني إيه؟
أمي مسحت دموعها.
— حمدي كان متجوزني سرًا قبل ما أتجوز محمود.
عمر شهق.
— إنتِ كنتِ مراته؟
— أيوه.
— وندى؟
أمي بصت لي.
— ندى بنت حمدي.
سكتت لحظة.
ثم بصت لعمر.
— لكن إنت مش ابنه.
عمر رجع خطوة.
— إيه؟
فؤاد لأول مرة بان عليه الغضب.
— كفاية لعب!
أمي صرخت:
— أنا اللي هقول الحقيقة!
ثم بصت لعمر.
— أبوك الحقيقي… محمود الشامي.
عمر فضل ساكت.
أنا قربت منه.
— يعني إنت…
أمي قاطعتني:
— أخوكي مش من الأب.
سكتت.
— إنتِ وحمدي أخوات من الأب… وعمر ابن محمود.
بصيت لعمر.
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
كل اللي حصل…
الجواز.
الصدفة.
المكالمات.
الخوف.
كل حاجة كانت مبنية على كذبة.
لكن السؤال الأهم كان لسه موجود.
بصيت لفؤاد.
— وإنت؟
ابتسم.
— أنا أخو حمدي.
أمي شهقت.
— فؤاد…
— أيوه يا سعاد. أنا عارف إنك افتكرتيني مت.
قرب خطوة.
— لكن أخويا حمدي ما ماتش بالطريقة اللي الناس كلها فاكرها.
عمر رفع عينه.
— إنت بتقول إيه؟
فؤاد قال:
— حمدي .
سكت.
— ومحمود هو اللي ساعد في .
أنا حسيت برعشة في جسمي.
— ليه؟
فؤاد بص لي.
— عشان أبوكي كان ناوي يفضح أكبر سر في العيلة.
— إيه السر؟
فؤاد ابتسم.
— إن محمود ما كانش مجرد شريكه.
سكت لحظة.
— كان هو العقل المدبر لكل حاجة.
عمر قرب منه.
— وإنت ليه بتقولنا ده دلوقتي؟
فؤاد مد إيده ببطء، وطلع فلاشة صغيرة.
— لأن كل الأدلة موجودة هنا.
مدها لعمر.
— حسابات، تسجيلات، تحويلات فلوس… وكل حاجة تثبت إن محمود هو اللي رتب موت حمدي.
عمر أخد الفلاشة.
لكن قبل ما يتكلم…
سمعنا صوت عربية وقفت تحت البيت.
وبعدها صوت خطوات كتير.
فؤاد بص ناحية الشباك.
وشه اتغير.
— وصلوا.
قلت بخوف:
— مين؟
بص لي.
— رجال محمود.
عمر شد إيدي.
— لازم نمشي.
أمي هزت راسها.
— لأ.
بصينا لها.
كانت واقفة بثبات غريب.
— المرة دي مش هنهرب.
طلعت من جيبها مفتاح صغير.
وحطته في إيدي.
— ده مفتاح الخزنة اللي أبوكي خبّا فيها كل الحقيقة.
بصيت لها.
— أبويا؟
— حمدي.
— فين الخزنة؟
أمي بصت لفؤاد.
فؤاد قال:
— تحت بيت محمود القديم.
وفجأة…
الباب الخارجي اتكسر.
أصوات رجالة بدأت تعلى.
عمر وقف قدامي.
— خدي أمك وانزلي من السلم الخلفي.
— وإنت؟
— هعطلهم.
مسكت إيده.
— مش هسيبك.
بص لي.
ولأول مرة من بداية الليلة، ابتسم رغم كل اللي حصل.
— المرة دي… مش هسيبك أنا كمان.
جرينا ناحية السلم الخلفي.
وأصوات الرصاص بدأت تضرب فوقنا.
خرجنا من البيت وسط الضلمة.
بعد ساعة…
كنا واقفين قدام بيت محمود القديم.
أدخلنا المفتاح في باب صغير تحت السلم.
الباب فتح.
دخلنا.
وفي آخر الغرفة كانت خزنة حديد كبيرة.
فتحناها.
جواها كان فيه صندوق خشب.
وعلى الصندوق ورقة مكتوب عليها:
«لندى… لما تكبري وتعرفي إن عمر دخل حياتك، اعرفي إن الحقيقة قربت تظهر.»
اتجمدت.
بصيت لعمر.
فتحنا الصندوق.
كان جواه شريط تسجيل قديم.
وشوية صور.
وصورة واحدة خلتني أصرخ.
كانت صورة ليا وأنا طفلة…
واقفة جنب حمدي.
لكن في الخلفية كان فيه محمود…
وفؤاد…
وأمي.
وتحت الصورة جملة بخط حمدي:
«أنا عارف إنهم هيحاولوا يفرقوا بين أولادي… لكني متأكد إن ندى وعمر لما يكبروا، هيكونوا هما السبب في سقوط كل اللي ظلمونا.»
عمر بص لي.
— يعني أبوكي كان عارف إننا هنتجوز؟
هزيت راسي.
— الظاهر إنه كان مخطط لكل حاجة.
فتحت شريط التسجيل.
طلع صوت حمدي.
صوت قديم، لكنه واضح.
— لو التسجيل ده اشتغل… يبقى أنا مت.
أمي حطت إيدها على بوقها.
حمدي كمل:
— يا ندى… لو سمعتي صوتي، متصدقيش أي حد يقولك إن حياتك كانت صدفة.
صمت لحظة.
— عمر دخل حياتك لأنه كان لازم يدخلها.
بصيت لعمر.
قلبي وقف.
حمدي كمل:
— لكن مش عشان تتجوزيه.
اتنفسنا كلنا بصعوبة.
— عشان يساعدك تكتشفي الحقيقة.
ثم قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
— وأهم حاجة لازم تعرفيها… عمر مش أخوكي، ومش عدوكي.
سكت التسجيل.
وبعدها رجع يشتغل.
— عمر هو الشخص الوحيد اللي وثقت فيه علشان يحميكي من اليوم اللي أنا مش هكون فيه.
بصيت لعمر والدموع في عيني.
فهمت أخيرًا…
إن جوازنا ما كانش فخ.
كان حماية.
لكن قبل ما نلحق نستوعب…
وصلنا صوت رسالة على موبايل عمر.
فتحها.
كانت صورة لفؤاد.
وتحتها رسالة واحدة:
«لو عايز تعرف مين حمدي فعلًا… تعالى لوحدك.»
عمر بص لي.
— لازم أروح.
مسكت إيده.
— لأ.
— ندى…
— المرة دي مش هخلي حد يقرر مصيرنا.
بصيت لأمي.
ثم للصورة.
— إحنا هنروح كلنا.
وعمر ابتسم.
لكن اللي ماكنّاش نعرفه وقتها…
إن الشخص اللي بعت الرسالة…
ماكانش فؤاد.
كان شخص تاني.
شخص كان موجود في حياتنا من سنين.
وشخص واحد بس كان عنده مفتاح الخزنة التانية…
اللي فيها الحقيقة الأخيرة.
حقيقة لو ظهرت…
هتثبت إن حمدي منصور ماكانش ضحية.
كان هو نفسه صاحب أكبر سر في العيلة.
والسر ده…
كان متعلق بيا أنا.
أخطر سر خبّاه أبويا عني
حكايات شروق خالد


