
الطلقة خرجت، لكن جنى كانت أسرع. سحبتني ناحية الأرض في اللحظة الأخيرة، والرصاصة عدّت فوق راسي وخبطت في الحيطة. وقعت على الأرض وأنا مش مستوعب اللي حصل. نادين اندفعت ناحية أول رجل، ضربت إيده قبل ما يرفع سلاحه، والعصاية الخشب وقعت من إيده. الرجل التاني حاول يمسك جنى، لكن جنى سمعت خطواته واتحركت بعيد عنه.
صرخت:
“ورايا يا جنى!”
لكنها ردت بثبات:
“أنا سامعاه.”
“جنى، تعاليلي!”
سمعت صوتها وهي بتتنفس بسرعة.
“بابا… في تلاتة.”
نادين بصت لها بدهشة.
“تلاتة؟”
جنى هزت راسها.
“واحد وراكي.”
نادين لفت فورًا.
في نفس اللحظة، الرجل اللي وراها اندفع عليها.
نادين اتفادت الضربة، لكن الرجل ضربها في جنبها فوقعت على ركبتها.
أنا قمت، وخلال ثواني كنت فوق الرجل.
مسكت إيده، لويت دراعه، والسلاح وقع من إيده.
صرخت في رجالي:
“دخلوا!”
الباب اتفتح، والرجالة اندفعوا للداخل.
في أقل من دقيقة، كل المهاجمين كانوا على الأرض.
لكن عيني فضلت على جنى.
كانت واقفة في منتصف القبو، حافية، شعرها مفكوك، ووشها شاحب.
قربت منها.
“إنتِ كويسة؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
حطيت إيدي على كتفها.
“إزاي عرفتي إن في واحد ورا نادين؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
“لأن نفسه كان سريع.”
بصيت لنادين.
هي كانت ماسكة جنبها وبتحاول تقوم.
قلت لها:
“إنتِ مصابة.”
قالت: “مش مهم.”
“إيه اللي مش مهم؟”
بصت لجنى.
“المهم إنها لسه معاك.”
قربت منها بعصبية.
“إنتِ عارفة مين دول؟”
“أيوه.”
“مين؟”
قالت: “رجالة محمود الحداد.”
جسمي كله اتجمد.
“محمود عايز بنتي؟”
نادين سكتت.
صرخت:
“جاوبيني!”
قالت بهدوء:
“محمود مش عايز جنى.”
سألتها: “أمال مين؟”
نظرت لي نظرة غريبة.
“اللي وراه.”
قبل ما أتكلم، واحد من رجالي دخل بسرعة.
“يا باشا.”
لفيت له.
“إيه؟”
قال: “لقينا عربية مستنية بره. والسواق مات.”
نظرت إليه.
“مين قتله؟”
هز راسه.
“مش عارفين.”
وبعدين مد إيده لي.
“بس لقينا ده في جيبه.”
كان ظرف أبيض.
أخدته وفتحته.
جواه صورة.
صورة قديمة جدًا.
أنا وأبويا واقفين قدام الفيلا.
وبيننا كانت ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
قربت الصورة من عيني.
الطفلة كانت جنى.
لكن عمر الصورة كان أكبر من عمر جنى الحالي بسنين.
قلبي وقع.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها بخط إيد:
“لو عايز تعرف مين أم بنتك الحقيقيّة… اسأل نادين.”
رفعت عيني لنادين.
هي كانت بتبص للصورة ووشها اتغير.
قلت بصوت منخفض:
“إنتِ كنتِ تعرفي أم جنى؟”
نادين ما ردتش.
قربت منها.
“مين أم بنتي؟”
رفعت عينيها لي.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في وشها.
قالت:
“مراتك ما ماتتش.”
تجمدت مكاني.
لأن مراتي كانت ماتت من اتناشر سنة.
قدام عيني.
أو على الأقل… ده اللي كنت فاكره.
جنى شدت إيدي وقالت:
“بابا… في حد بيتكلم فوق.”
رفعت رأسي.
نادين همست:
“مستحيل.”
وفجأة، سمعنا صوت امرأة من أعلى السلم:
“وحشتني يا ياسين.”
الصوت اللي سمعته بعدها كان صوتًا حفظته طول عمري.
صوت مراتي.
حكايات شروق خالد
صوتها نزل من فوق السلم، هادي وواثق، كأنها ما اختفتش من حياتي من أكتر من عشر سنين.
“وحشتني يا ياسين.”
رجلي اتثبتت في الأرض.
ما قدرتش أتحرك.
ما قدرتش حتى أتنفس.
جنى كانت ماسكة إيدي، وحست إن جسمي كله اتشد.
قالت:
“بابا… مين الست دي؟”
ما جاوبتش.
كنت ببص للسلم.
وبعدين ظهرت.
خطوة… وراها خطوة.
ست لابسة فستان أسود بسيط، وشعرها الطويل مربوط ورا ضهرها.
وشها كان أكبر شوية مما أتذكر، لكن عينيها…
نفس العيون.
نفس النظرة.
نفس الطريقة اللي كانت بتبص بيها لي زمان.
همست:
“سلمى.”
ابتسمت.
“لسه فاكرني.”
نادين رجعت خطوة للخلف.
وقالت بصوت منخفض:
“كنت متأكدة إنك مش هتصدق إنها ماتت.”
لفيت ناحيتها بعنف.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
قالت:
“أنا اللي خليتها تختفي.”
رجعت أبص لسلمى.
“إنتِ عايشة؟”
ردت:
“من يوم ما أبوك حاول يقتلني.”
الكلام نزل عليّ كأنه ضربة.
“أبويا؟”
هزت راسها.
“أبوك كان عايز جنى.”
بصيت لبنتي.
جنى كانت واقفة ساكتة، لكن ملامحها اتغيرت.
قالت:
“ماما؟”
سلمى نزلت السلم ببطء.
أول ما سمعت صوت بنتها، عينيها دمعت.
“أيوه يا حبيبتي.”
جنى مدت إيديها في الهوا.
“أنا… مش شايفاكي.”
سلمى وقفت قدامها، ومدت إيدها لمست خدها.
جنى ارتجفت.
وبعدين قالت:
“إنتِ ريحتك زي الصورة اللي بابا كان بيحطها جنبي.”
سلمى غمضت عينيها.
وضمتها لحضنها.
وأنا فضلت واقف، عاجز عن فهم أي حاجة.
مراتي كانت عايشة.
مراتي اللي دفنتها بإيدي كانت واقفة قدامي.
والأسوأ من كده… إن بنتي كانت تعرف صوتها من غير ما تشوفها.
قلت:
“عايز أفهم كل حاجة.”
سلمى رفعت عينيها لي.
“مش هنا.”
“ليه؟”
نادين قالت:
“لأنهم لسه موجودين.”
في نفس اللحظة، سمعنا صوت محرك عربيات بره الفيلا.
واحد من رجالي دخل يجري.
“يا باشا… في عربيات كتير داخلة من البوابة.”
سألته:
“كام؟”
“حوالي عشرة.”
بصيت لسلمى.
قالت:
“مش عشرة.”
سكتت لحظة.
“أكتر.”
سألتها:
“إنتِ عارفة مين دول؟”
ردت:
“أيوه.”
“مين؟”
قالت:
“رجالة أبوك.”
اتجمدت.
“أبويا مات من سبع سنين.”
سلمى قربت مني.
“الراجل اللي مات مش أبوك.”
رفعت عيني لها.
“إيه؟”
قالت:
“أبوك الحقيقي مات من زمان.”
ثم نظرت إلى جنى.
“والرجل اللي كنت فاكره أبوك… كان مجرد واحد بيحمي سر أكبر منه.”
وفجأة، دوّى صوت انفجار عند البوابة.
الفيلا كلها اهتزت.
جنى تشبثت بسلمى.
وأنا سحبت سلاحي.
لكن نادين صرخت:
“ياسين! ما تطلعش!”
بصيت لها.
“ليه؟”
قالت:
“لأن الهجوم مش هدفه الفيلا.”
ثم أشارت إلى جنى.
“هدفهم البنت.”
وفي اللحظة دي، جنى رفعت رأسها فجأة وقالت:
“بابا… حد دخل أوضتي.”
سألتها:
“إمتى؟”
قالت:
“من شوية.”
“مين؟”
هزت رأسها.
“مش عارفة.”
وبعدين همست:
“بس كان لابس خاتم عليه نفس العقرب اللي على سلسلة نادين.”
نادين شحبت.
سلمى بصت لها.
وأنا فهمت أخيرًا…
إن الخطر ما دخلش بيتنا دلوقتي.
الخطر كان جوه البيت من أربع شهور.
حكايات شروق خالد
جنى كانت لسه ماسكة إيد سلمى، وأنا واقف قدامهم مش قادر أصدق إن الخطر كان جوه بيتي طول الوقت.
بصيت لنادين وقلت:
“أربع شهور؟”
ما ردتش.
صرخت:




