زعيم المافيا عصب عينيها وقال: «غلطة واحدة في النوتة… وهتدفعي التمن!» ج2 حكايات شروق خالد

— نفس العلامة.
— علامة إيه؟
— أبوكي كان عنده علامة صغيرة في إيده.
مريم بصت لإيدها.
— دي؟
سيف لمح العلامة على معصمها.
— أيوه.
— دي عندي من وأنا طفلة.
— عارف.
— إنت عارف إزاي؟
سيف سكت.
مريم بدأت تفهم.
— إنت كنت بتراقبني من وأنا صغيرة؟
— أيوه.
— ليه؟
— لأن أبوكي طلب مني أحميكي.
— قبل ما يموت؟
— قبل ما يموت بساعات.
مريم اتفاجئت.
— يعني آخر كلام بينك وبينه كان عني؟
— أيوه.
— قال لك إيه؟
سيف أخذ نفسًا.
— قال لي: “لو حصل لي حاجة… ماتثقش في أي حد، حتى مراتك.”
مريم بصت له باستغراب.
— مراتك؟
سيف أومأ.
— كان بيتكلم عن أمي.
— إنت متجوز؟
ابتسم لأول مرة.
— لأ.
— أمال؟
— كان بيحذرني من امرأة كانت قريبة من أبويا.
مريم سكتت.
ثم قالت:
— مين؟
سيف لم يجب.
لأن العربية توقفت.
وصلوا.
بيت مريم القديم كان واقف وسط أرض واسعة.
مظلم.
مهجور.
لكن في الدور العلوي…
كانت فيه نافذة مضيئة.
سيف نزل من العربية.
— استنيني هنا.
مريم نزلت وراءه.
— لأ.
— مريم.
— أنا مش هفضل في العربية.
بص لها.
ثم قال:
— خليكِ ورايا.
دخلوا البيت.
ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان.
كل خطوة كانت بتطلع صدى.
وصلوا للسلم.
وفجأة…
سمعوا صوت بيانو.
مريم تجمدت.
— بيانو؟
سيف رفع إصبعه على شفايفه.
اللحن كان مألوفًا.
نفس المقطوعة اللي عزفتها في القصر.
مريم همست:
— دي نفس المقطوعة.
سيف بص لها.
— عارف.
— مين بيعزف؟
طلعوا السلم ببطء.
الصوت كان جاي من غرفة في آخر الممر.
الباب كان مفتوحًا.
سيف رفع مسدسه.
دخل.
الغرفة كانت فاضية.
لكن البيانو كان بيعزف لوحده.
وفوق البيانو…
كانت فيه صورة.
سيف قرب منها.
مريم وقفت جنبه.
الصورة كانت جديدة.
مش قديمة.
وكانت لمريم وهي قاعدة قدام البيانو في القصر.
نفس اللحظة اللي كانت فيها معصوبة العينين.
مريم شهقت.
— حد كان بيراقبني.
سيف قلب الصورة.
على ظهرها كان مكتوب:
“النوتة الأولى كانت اختبارًا.”
ثم سطر تاني:
“النوتة الأخيرة هتحدد مين يعيش.”
سيف شد الصورة من إيدها.
— مريم، لازم نخرج.
لكن قبل ما يتحركوا…
الباب اتقفل.
والأنوار اشتغلت.
وفجأة ظهر على الشاشة الموجودة في آخر الغرفة تسجيل قديم.
ظهر فيه والد مريم.
كان مصابًا، وواقف قدام الكاميرا.
وقال:
— لو مريم شافت التسجيل ده، يبقى أنا مت.
مريم حطت إيدها على فمها.
والدها تابع:
— يا بنتي، لو وصلتي للمرحلة دي، أوعى تثقي في سيف.
سيف تجمد.
مريم بصت له.
لكن التسجيل أكمل:
— مش لأنه قتلني…
سكت والدها لحظة.
ثم قال:
— لكن لأنه الشخص الوحيد اللي يقدر يقتل أبو سيف.
الصورة انقطعت.
والغرفة غرقت في الظلام.
ومن خلفهم…
جاء صوت رجل عجوز:
— وأخيرًا… فهمت يا سيف.
سيف استدار ببطء.
وفي مدخل الغرفة…
كان واقف رجل بشعر أبيض.
مريم شهقت.
سيف رفع مسدسه.
الرجل ابتسم.
— وحشتني يا ابني.
سيف همس:
— بابا…
حكايات شروق خالد
سيف فضل ثابت مكانه، والمسدس في إيده، وعينيه متعلقة بالرجل اللي قدامه.
— بابا…
الرجل ابتسم.
— نزل السلاح يا سيف.
— ولا خطوة.
— لسه زي ما أنت… عنيد.
مريم كانت واقفة ورا سيف، مش عارفة تبص لمين.
أبو سيف رفع عينه لها.
— وإنتِ… شبه أبوكي جدًا.
مريم قالت بصوت مرتجف:
— إنت قتلت أبويا؟
الرجل سكت.
ثم قال:
— أيوه.
سيف أغمض عينيه.
لكن أبوه كمل:
— وأنا كنت السبب في كل اللي حصل.
مريم دموعها نزلت.
— ليه؟
— لأن أبوكي اكتشف كل حاجة.
— وسامح؟
— كان بينفذ أوامري.
— وأمي؟
— كانت الشاهدة الوحيدة.
سيف قال بغضب:
— وأنا؟
أبوه بص له.
— إنت كنت ابني… وكنت نقطة ضعفي الوحيدة.
— عشان كده زورت موتك؟
— عشان أخليك بعيد.
سيف ضحك بمرارة.
— بعيد؟ إنت دمرت حياتي!
— كنت بحميك.
— من إيه؟
الرجل أشار إلى الملفات.
— من نفسي.
ساد الصمت.
ثم أخرج سيف هاتفه.
— كل الكلام ده اتسجل.
أبوه ابتسم.
— كنت متوقع.
سيف قال:
— والشرطة في الطريق.
لأول مرة، اختفت الابتسامة من وجه الرجل.
— إنت عملت إيه؟
— اللي أبو مريم ماقدرش يعمله من عشر سنين.
مريم فهمت.
— التسجيلات…
سيف أومأ.
— كل اعترافاته اتبعت للشرطة.
حاول أبو سيف يهرب.
لكن الباب اتفتح، ودخلت الشرطة ومعاها قوة من رجال الأمن.
سامح وطارق، اللي كانوا محتجزين، اتجابوا للمكان، وكل الأدلة اللي كانت في الخزنة اتسلمت للنيابة.
بعد ساعات طويلة من التحقيق…
انتهى كل شيء.
أبو سيف اعترف.
سامح اعترف.
واتكشفت شبكة ضخمة من الجرائم والفساد والتهريب.
أما أم مريم، فخرجت أخيرًا من الخوف اللي عاشته عشر سنين.
—
بعد شهرين…
كانت مريم قاعدة قدام نفس البيانو.
لكن المرة دي ماكانش فيه عصابة على عينيها.
ولا مسدس.
ولا تهديد.
ولا رجل غامض في الظلام.
كانت بتعزف نفس مقطوعة شوبان.
دخل سيف القاعة بهدوء.
وقف يسمع.
لما خلصت، صفق لها.
ابتسمت.
— المرة دي عزفت من غير ما أغلط.
— عارف.
— ومفيش تمن؟
— لأ.
— ليه؟
اقترب منها.
— لأن المرة دي إنتِ بتعزفي علشان بتحبي الموسيقى.
مريم بصت له.
— وإنت؟
— أنا؟
— بتحب إيه؟
سيف ابتسم.
— كنت فاكر إني فقدت كل حاجة.
— وبعدين؟
— وبعدين قابلتك.
سكتت مريم.
— وندمت إنك اخترتني للشغلانة؟
— بالعكس.
ثم مد يده لها.
— أحلى غلطة عملتها في حياتي.
ضحكت.
— بس أنا غلطت نوتة واحدة.
— وأنا غلطت عشر سنين.
نظرت له بحنان.
— ولسه قدامنا وقت نصلحهم.
أمسك يدها.
— أيوه.
وخارج القصر، كانت القاهرة بتصحى على صباح جديد.
أما مريم…
فكانت لأول مرة من سنين حاسة إنها حرة.
لا مطاردة.
لا أسرار.
لا خوف.
وسيف، الرجل اللي كان الجميع يخاف منه، اكتشف أخيرًا إن أقوى شيء ممكن يحميه…
مش السلاح.
ولا النفوذ.
ولا المال.
إنما الإنسان اللي اختار يقف جنبه حتى بعد ما عرف أسوأ أسراره.
وبعد سنة، في نفس القاعة…
جلست مريم أمام البيانو.
لكن هذه المرة كان سيف بجانبها.
وضعت أصابعها على المفاتيح.
وقالت وهي تبتسم:
— جاهز؟
قال:
— طول ما إنتِ بتعزفي… أنا جاهز.
بدأت الموسيقى.
والنغمات ملأت المكان.
أما الساعة القديمة فوق الحائط، فكانت تشير إلى التاسعة تمامًا.
نفس الساعة…
نفس القاعة…
لكن النهاية كانت مختلفة.
لأن اللي بدأ بخوف، وعصابة على العينين، ونوتة غلط…
انتهى بحقيقة ظهرت للنور…
وقلبين لقوا بعض وسط أخطر ليلة في حياتهم.
النهاية.
زعيم المافيا عصب عينيها وقال: «غلطة واحدة في النوتة… وهتدفعي التمن!»
حكايات شروق خالد




