
بصيت لمريم وقلت بهدوء:
“إنتِ مش هتسرقي حاجة.”
“بس كريم…”
“هنرجعه.”
“إزاي؟”
وقفت.
“لأن اللي خطفه ارتكب أكبر غلطة في حياته.”
“إيه هي؟”
بصيت لها.
“إنه لمس حد بقى يهمني.”
مريم فضلت ساكتة، كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
أما أنا، فمسكت تليفوني واتصلت بأحد رجالي.
“سامح، عايزك تجمع كل الكاميرات حوالين بيت مريم وأخوها من امبارح بالليل لحد دلوقتي.”
“حاضر يا باشا.”
“وعايز تتبع الرقم اللي اتصل بيها.”
“الرقم خاص.”
“أنا قلت تتبعه، مش تسألني ينفع ولا لأ.”
“حاضر.”
قفلت المكالمة.
مريم قربت مني.
“إنت هتساعدني بجد؟”
بصيت في عينيها.
“أنا مش بساعدك.”
“أمال إيه؟”
“أنا باسترد حاجة اتاخدت مني.”
قطبت حواجبها.
“أنا مش فاهمة.”
“مش مهم تفهمي دلوقتي.”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، ودخل سامح وهو ماسك تابلت.
“لقيت حاجة.”
حط التابلت قدامي.
فيديو من كاميرا شارع قريب من بيت مريم.
ظهر فيه كريم خارج من البيت، وبعده عربية سودا وقفت قدامه.
نزل منها اتنين.
واحد منهم قرب منه.
كريم حاول يجري.
لكنهم مسكوه.
مريم شهقت.
“ده أخويا.”
ثبت نظري على الفيديو.
العربية كانت من غير لوحات واضحة.
لكن كان فيه تفصيلة صغيرة.
علامة فضية على الباب الخلفي.
عرفتها.
وقفت فجأة.
سامح بص لي.
“إنت عرفت العربية؟”
“أيوه.”
مريم مسكت دراعي.
“مين؟”
قلت اسم واحد، ومجرد سماعه خلّى سامح يسكت.
“حسام البدري.”
مريم سألت:
“مين ده؟”
رديت وأنا ببص للشاشة:
“راجل حاول يقتلني من ست سنين.”
“وليه يخطف كريم؟”
“لأنه مش قادر يوصل لي.”
مريم قربت مني أكتر.
“يعني هو عايز ينتقم منك؟”
“مش بس كده.”
فتحت درج المكتب وطلعت ملف قديم.
حطيته قدامها.
“الملف اللي طلبه منك…”
فتحت عينيها.
“هو الملف ده؟”
“أيوه.”
“إيه اللي جواه؟”
سكت شوية.
“حقيقة لو خرجت للنور، ناس كتير هتدخل السجن.”
مريم بلعت ريقها.
“وإنت؟”
بصيت لها.
“وأنا كمان.”
ساد الصمت.
ثم قالت:
“يبقى لازم نديه الملف.”
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
“عشان أخوكي؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“حتى لو ده هيأذيني؟”
“أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان كريم.”
فضلت أبصلها.
ثم قلت:
“وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أرجعه.”
مريم رفعت عينيها لي.
لأول مرة، مكنتش شايفاني كزعيم عصابة أو رجل خطر.
كانت شايفاني كإنسان.
وقالت بهدوء:
“ياسين…”
“نعم؟”
“أنا مش عايزة أخسرك إنت كمان.”
الكلمة دي ضربتني أقوى من أي تهديد سمعته في حياتي.
قربت منها خطوة.
“مريم…”
لكن قبل ما أكمل، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
صوت حسام جه من الطرف التاني:
“صباح الخير يا ياسين.”
سكت.
“سمعت إن عندك ضيفة جديدة.”
بصيت لمريم.
وجهها شحب.
“لو قربت منها…”
ضحك.
“مش هقرب منها.”
ثم توقف لحظة وقال:
“أنا بالفعل قريب.”
بصيت ناحية الشباك.
مفيش حد.
“بص تحت.”
قربت من الشباك.
في الشارع المقابل، عربية سودا كانت واقفة.
والباب الخلفي اتفتح.
ظهر كريم.
إيديه متربطة.
مريم صرخت:
“كريم!”
جريت ناحية الشباك.
مسكتها قبل ما تفتح الباب.
“ماتتحركيش.”
صرخت:
“ده أخويا!”
“عارف.”
“سيبني!”
“لو خرجتي، هيقتلوه.”
سكتت.
حسام قال من التليفون:
“الملف خلال ساعة.”
“ولو ماجاش؟”
“هتوصلك قطعة من أخوها كل نص ساعة.”
مريم انهارت في البكاء.
أنا قفلت المكالمة.
فضلت ثواني ساكت.
وبعدين ابتسمت.
سامح بص لي باستغراب.
“في إيه يا باشا؟”
قلت:
“هو فاكر إنه ماسكنا من رقبتنا.”
“ومش كده؟”
بصيت للعربية.
“لأ.”
فتحت درج المكتب وطلعت مسدس.
“هو اللي دخل نفسه في الفخ.”
سامح فهم فورًا.
“عندك خطة؟”
“أيوه.”
مريم بصت لي بخوف.
“هتعمل إيه؟”
قربت منها وقلت:
“هخلي حسام يفتكر إنك هتسلّميه الملف.”
“وبعدين؟”
“وبعدين ناخد كريم.”
“ولو حصل لك حاجة؟”
سكت.
ثم قلت:
“ساعتها هتعملي حاجة واحدة.”
“إيه؟”
“تهربي.”
هزت رأسها.
“مش همشي من غيرك.”
نظرت لها طويلًا.
كانت أول مرة حد يقولها لي من غير خوف.
قلت:
“مريم…”
قربت مني.
“أنا مش خايفة منك يا ياسين.”
سكت.
“أنا خايفة أخسرك.”
ولأول مرة في حياتي، معرفتش أرد.
لأنني أدركت أن المشكلة لم تعد في إنقاذ كريم فقط.
أنا كنت على وشك الدخول في حرب.
لكن المرة دي…
كان عندي شيء أخاف أن أخسره.عدّت الدقايق ببطء، وكل ثانية كانت بتقربنا أكتر من المواجهة.
سامح كان واقف قدام شاشة المراقبة، ورجالنا بدأوا ينتشروا في الشوارع من غير ما حد يحس بيهم.
قلت له:
“محدش يقرب من العربية إلا لما أدي الإشارة.”
هز راسه.
“حاضر.”
بصيت لمريم.
كانت قاعدة على طرف الكنبة، إيديها متشابكة، ووشها شاحب.
قربت منها.
“إنتِ هتفضلي هنا.”
“وأنت؟”
“هروح أجيب أخوكي.”
“لوحدك؟”
“لأ.”
سكتت لحظة.
“أنا جاية معاك.”
“مستحيل.”
“ياسين…”
“مريم، ده مش نقاش.”
وقفت قدامي.
“كريم أخويا.”
“وعشان كده مش هسمحلك تخاطري.”
دموعها نزلت.
“أنا مش خايفة على نفسي.”
الجملة خلتني أسكت.
قلت بهدوء:
“أنا خايف عليكِ.”
رفعت عينيها.
ولثواني، الدنيا كلها اختفت من حوالينا.
لكن صوت سامح قطع اللحظة.
“يا باشا.”
بصيت له.
“إيه؟”
“العربية اتحركت.”
اتجهت للشاشة.
العربية السودا بدأت تتحرك ببطء.
قلت:
“اتبعوها.”
سامح رفع سماعة اللاسلكي.
“كل العربيات تتحرك.”
مريم قامت.
“كريم!”
مسكت إيدها.
“هنرجعه.”
خرجنا من الفيلا.
ركبت العربية، ومريم ركبت جنبي.
اعترضت:
“قولتلك تفضلي هنا.”
“وأنا قولتلك مش هسيب أخويا.”
بصيت لها.
كان واضح إنها مش هتتراجع.
شغلت العربية.
بعد حوالي عشرين دقيقة، العربية السودا دخلت منطقة مخازن قديمة على أطراف القاهرة.
مكان مهجور.
أطفأنا الأنوار قبل ما نقرب.




