منوعات

حكايات شروق خالد ج 2

مريم فضلت واقفة وهي بتبص للصورة. إيديها كانت بتترعش.

— دي… مش ممكن تكون أمي.

كريم قرب منها.

— ليه؟

— عشان أمي ماتت قدامي.

— إنتِ كنتِ عندك عشر سنين.

— أيوه.

— وشفتي جثمانها؟

مريم سكتت. افتكرت اليوم ده. افتكرت الناس وهي بتعيط. افتكرت التابوت. لكنها افتكرت حاجة غريبة. أبوها منعها من الاقتراب، وقال لها وقتها:

“خليكي بعيد يا مريم… أمك خلاص راحت.”

رفعت عينيها لكريم.

— أنا ما شفتش وشها.

كريم هز رأسه.

— لأن اللي اتدفنت مش أمك.

مريم رجعت لورا.

— طب مين كانت؟

— واحدة تانية.

— ليه؟

— لأن أمك كانت شاهدة على حاجة خطيرة جدًا.

— إيه؟

كريم بص ناحية باب الممر.

— صفقة.

— صفقة إيه؟

— شحنة أدوية اتنقلت بطريقة غير قانونية من شركة كبيرة، واتحولت لأماكن تانية باسم شركات وهمية.

مريم ما فهمتش. كريم كمل:

— أمك اكتشفت إن والد ياسين كان متورط في الموضوع.

— بابا ياسين؟

— أيوه.

— طب ليه تساعده؟

— لأنها اكتشفت بعد كده إن أبو ياسين نفسه كان بيحاول يوقفهم.

مريم حطت إيدها على رأسها.

— أنا مش فاهمة حاجة.

كريم قال:

— عشان كده لازم تقابلي أمك.

— فين؟

— في مستشفى في القاهرة.

مريم بصت له.

— وإنت هتوديني؟

— لو وثقتي فيا.

قبل ما ترد، ظهر ياسين فجأة من آخر الممر. وجهه كان متغير.

— مريم، متروحيش معاه.

كريم ابتسم.

— رجعت.

ياسين تجاهله. بص لمريم.

— أمك عايشة.

— إنت كنت عارف؟

— من فترة.

مريم قربت منه.

— وكنت ساكت؟

— كنت بحاول أوصل لها.

— ليه؟

— لأنها الوحيدة اللي عندها الدليل اللي يثبت مين حاول…

سكت لحظة.

مريم بصت له.

— وإنت ليه ما قلتليش؟

سكت.

— عشان كنت خايف.

مريم ضحكت بمرارة.

— إنت؟ خايف؟

— أيوه.

— من مين؟

ياسين بص لكريم.

— من الشخص اللي تسبب في اختفاء أخويا الحقيقي.

مريم اتجمدت.

— كريم مش أخوك؟

كريم قال بهدوء:

— لأ.

ياسين هز رأسه.

— أخويا الحقيقي اختفى من سبع سنين.

كريم مد إيده وشال صورة صغيرة من جيبه.

— وأنا كنت صاحبه.

مريم بصت له.

— صاحبه؟

— أيوه.

— طب ليه شبهه؟

كريم ابتسم.

— لأن أمك هي اللي طلبت مني أغير شكلي.

مريم ما فهمتش.

ياسين قال:

— كريم كان واحد من رجال أبويا.

— ولما أخويا الحقيقي اختفى، كريم استخدم هويته عشان يبعد عن الناس اللي كانوا بيدوروا عليه.

مريم سألته:

— طب ليه رجعت دلوقتي؟

كريم بص لياسين.

— عشان وعدت أخوك إني أحميك.

ياسين سكت.

وفجأة رن هاتفه. رفع الهاتف، ووشه اتغير.

— ألو؟

جاءه صوت من الطرف الآخر.

— ياسين… أنا وصلت.

ياسين تجمد.

— مين؟

مريم قربت منه. الصوت كان ضعيفًا جدًا، لكنها سمعته.

صوت امرأة:

— مريم معاك؟

مريم شهقت. الهاتف كاد يقع من إيد ياسين. مد إيده لمريم.

— كلميها.

مريم مسكت الهاتف.

— ألو؟

صمت.

ثم جاء الصوت:

— مريم؟

ركبتها ضعفت.

— ماما؟

المرأة بدأت تبكي.

— سامحيني يا بنتي.

مريم لم تستطع الكلام من شدة المفاجأة.

جروا ناحية السلم، لكن مريم وقفت فجأة.

— استنى!

— إيه؟

— أمي قالت إن الشخص عايش معانا في البيت.

بصت ناحية باب غرفة الطعام. الباب كان مفتوح. وفي الداخل كان فيه شخص واقف.

مريم شهقت. ياسين رفع عينيه، وكريم وقف مستعدًا لحماية الموجودين.

الشخص ابتسم، ثم قال:

— متتعبوش نفسكم.

وسحب القناع من على وجهه.

مريم شهقت لأنها تعرفه.

كان والدها.

الرجل الذي قيل لها إنه اختفى بعد وفاة أمها.

والد مريم كان واقف قدامها حيًا.

وقال:

— وحشتيني يا بنتي.

يتبع…

مريم فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.

والدها.

الراجل اللي عاشت سنين وهي فاكرة إنه اختفى.

كان واقف قدامها، بنفس الملامح اللي كانت فاكرة إنها فقدتها للأبد.

قالت بصوت مكسور:

— بابا؟

ابتسم.

— أيوه يا مريم.

رجعت خطوة لورا.

— إنت كنت عايش كل السنين دي؟

— كنت بحميكي.

صرخت:

— بتحميني؟! إنت سيبتني أعيش عمري كله وأنا فاكرة إن أمي وأبويا اختفوا!

والدها نزل عينيه.

— لو كنت عرفتي الحقيقة، كانوا…

ياسين تقدم خطوة.

— كفاية كذب.

والد مريم بص له.

— إنت آخر واحد يتكلم عن الكذب.

ياسين شد قبضته.

— قول الحقيقة.

سكت الرجل ثواني، ثم قال:

— أم مريم اكتشفت كل حاجة.

مريم سألت:

— كل حاجة إيه؟

— اكتشفت إن مجموعة من رجال الأعمال كانوا بيستخدموا شركات النقل والمخازن لنقل أدوية محظورة وتغيير بيانات الشحنات.

— وعيلة الجبالي؟

— أبو ياسين كان بيحاول يوقفهم.

مريم بصت لياسين.

— وأبوك؟

— كان واحد من الناس اللي اتورطوا في البداية، لكنه ندم وحاول ينسحب.

والدها أكمل:

— لما أمك عرفت، حاولوا يوصلوا لها.

مريم شهقت.

— لكنك قلت إنها عايشة!

— لأنها نجت.

سكت لحظة.

— وأنا ساعدتها تختفي.

ياسين قال:

— وإنت عملت حادثتي عشان تخلي الكل يفتكر إني مش قادر أتحرك.

والد مريم هز رأسه.

— ما كنتش أنا اللي عملت الحادث.

مريم بصت له.

— أمال مين؟

والدها أشار للدكتور الموجود.

— هو. الدكتور حاول يهرب، لكن كريم أمسكه.

والد مريم كمل:

— الدكتور كان شغال مع الأشخاص اللي كانوا عايزين يسيطروا على شركات الجبالي. بعد الحادث، أجبروا ياسين على الاستمرار في تمثيل…

ياسين قال:

— لكنهم ما عرفوش إن إحساسي بدأ يرجع.

مريم قالت:

— وأنا اكتشفت ده.

ابتسم ياسين.

— أيوه.

ثم مد إيده لها.

— وإنتِ اللي غيرتي كل حاجة.

مريم بصت لإيده، ثم مسكتها.

لكن قبل ما أي حد يتكلم، سمعوا صوت سيارات الشرطة برا القصر.

والد مريم قال:

— الشرطة وصلت.

مريم بصت له.

— إنت اللي اتصلت؟

— أيوه.

— ليه؟

— عشان خلاص… مفيش داعي نهرب تاني.

دخل رجال الشرطة وألقوا القبض على الدكتور، وكمان على باقي الأشخاص اللي ظهر ارتباطهم بالقضية بعد ما ظهرت التسجيلات والملفات.

أما كريم، فاختفى قبل وصول الشرطة.

ترك لياسين رسالة واحدة:

“أخوك الحقيقي اختفى من سبع سنين… وأنا حافظت على وعدي له.”

بعد أيام، ذهبت مريم إلى المستشفى.

دخلت الغرفة وهي متوترة. وعندما رأت والدتها، توقفت مكانها.

كانت ضعيفة، لكنها حية.

مريم جريت عليها واحتضنتها، وبكتا معًا طويلًا.

— سامحيني يا بنتي.

— أنا مش زعلانة منك يا ماما.

— كنت خايفة.

— وأنا كمان كنت خايفة.

ثم ضحكت مريم وسط دموعها.

— بس كنتِ لازم تقوليلي إنك عايشة!

ضحكت أمها وهي تبكي.

— كنتِ هتصدقيني؟

— لأ.

ضحكتا.

ولأول مرة منذ عشرين سنة، اجتمعت الأسرة من جديد.

وبعد شهر، عاد ياسين إلى قصر الجبالي.

لكن هذه المرة لم يكن على كرسي متحرك.

دخل من الباب الرئيسي على قدميه.

كل العاملين في القصر وقفوا في صمت.

أما مريم فكانت واقفة عند السلم.

ابتسم لها.

— لسه مصممة تمشي؟

ابتسمت.

— أيوه.

— حتى بعد كل اللي حصل؟

— أنا مش خدامة هنا خلاص.

اقترب منها.

— عارف.

— أمال؟

وقف أمامها وقال:

— عايزك تفضلي هنا.

— كخدامة؟

هز رأسه.

— لأ.

ثم أخرج من جيبه خاتمًا.

مريم اتجمدت.

— ياسين…

— أنا قضيت أربعة عشر شهر والناس كلها شايفاني راجل فقد قدرته على الحركة.

ابتسم.

— لكن الحقيقة إن أكتر حاجة رجعتني للحياة ما كانتش رجلي.

— كانت إيه؟

نظر في عينيها.

— إنتِ.

دموع مريم نزلت وهي بتضحك.

— يعني كل اللي حصل ده عشان كنت فضولية وفتحت باب الحقيقة؟

هز رأسه.

— لأ.

ثم نظر إليها.

— الحقيقة كانت إني كنت محتاج حد يخليني أعيش تاني.

ابتسمت.

وفي النهاية، لم تكن مريم مجرد خادمة دخلت قصر رجل ظن الجميع أنه فقد قدرته على الحركة.

كانت المرأة التي كشفت أكبر مؤامرة في عائلة الجبالي، وساعدت في إنقاذ الرجل الذي ظن الجميع أن حياته انتهت للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى