“إنت هتيجي معايا.”
فارس بص له.
“بعد اللي سمعته؟ لسه واثق فيا؟”
عمر فتح باب العربية.
“أنا مش واثق فيك.”
بص له ببرود.
“بس لو إنت خائن، عايزك قدامي وأنا بقتلك.”
فارس ركب من غير كلمة.
مريم حاولت تركب معاهم.
عمر منعها.
“إنتِ تفضلي هنا.”
“بنتي هناك!”
“وعلشان كده مش هسمحلك تيجي.”
“أنا أمها!”
“وأنا وعدتك إني أحميكي.”
مريم بصت له بعينين مليانين خوف.
“ولو ما رجعتش؟”
عمر سكت.
وبعدين قال:
“هرجع.”
“إنت متأكد؟”
بص لها.
“وعد.”
العربية انطلقت.
بعد حوالي أربعين دقيقة، وصلوا لمنطقة صناعية مهجورة على أطراف القاهرة.
المخزن رقم 17 كان واقف وسط مجموعة مباني قديمة.
الأنوار مطفية.
والباب الحديد مفتوح.
فارس بص لعمر.
“ده كمين.”
“عارف.”
“ومع ذلك هتدخل؟”
“بنت صغيرة جوه.”
نزل عمر.
دخل المخزن.
صوت خطواته كان بيرجع صداه في المكان.
“أنا جيت.”
مافيش رد.
ثم…
صوت طفلة.
“عمو عمر؟”
عمر تجمد.
“نور!”
جرى ناحية الصوت.
شافها قاعدة على كرسي، إيديها مربوطين، لكن من غير إصابات.
قرب منها.
“إنتِ كويسة؟”
هزت رأسها وهي بتعيط.
“أنا خايفة.”
فك الحبل.
“ماما مستنياكي.”
نور حضنته.
وفي اللحظة دي…
اشتغلت الأنوار.
صف طويل من الرجال ظهر في آخر المخزن.
وفي النص…
كان واقف رجل كبير في السن.
عمر عرفه فورًا.
“الحاج رفعت.”
الرجل ابتسم.
“كبرت يا عمر.”
فارس شهق.
“إنت؟”
رفعت ضحك.
“أيوه يا فارس.”
عمر شد نور ورا ظهره.
“إنت اللي ورا كل ده؟”
رفعت هز رأسه.
“أنا اللي بدأت.”
“ليه؟”
“علشان أبوك خانني.”
عمر بص له بحدة.
“أبويا مات من عشرين سنة.”
“بس حسابه لسه مفتوح.”
رفعت أشار لفارس.
“وهو كان شاهد.”
عمر بص لفارس.
“شاهد على إيه؟”
فارس نزل عينيه.
رفعت قال:
“أبوك ما كانش الرجل اللي إنت فاكره.”
عمر رد:
“أنا عارف إنه كان مجرم.”
“مش بس مجرم.”
رفعت ابتسم.
“كان السبب في موت سامح.”
عمر اتوتر.
“ليه؟”
رفعت قرب.
عمر بص لفارس.
“إنت كنت عارف؟”
فارس قال:
“أيوه.”
صوت عمر اتكسر.
“وما قلتليش؟”
“كنت بحميك.”
“من إيه؟”
“من أبوك.”
سكت.
“أبوك كان مستعد يقتل أي حد يعرف الحقيقة.”
عمر بص لنور.
ثم قال:
“ومريم؟”
رفعت رد:
“مريم كانت تعرف.”
“تعرف إيه؟”
“قبل ما سامح يموت، سلّمها نسخة من الحسابات.”
عمر فهم.
“وعلشان كده كنتوا وراها.”
رفعت ابتسم.
“مش علشان الورق.”
“أمال؟”
“علشان مريم هي الوحيدة اللي تعرف مكان التسجيل الأصلي.”
فجأة نور مسكت إيد عمر.
وقالت:
“ماما قالتلي ما أقولش.”
عمر نزل لمستواها.
“ما تقوليش إيه يا نور؟”
البنت همست:
“بابا كان مخبي حاجة في بيتنا.”
رفعت اتوتر.
“إيه؟”
نور بصت له بخوف.
“ماما قالتلي ما أقولش غير لعمو عمر.”
عمر وقف.
“فين الحاجة دي؟”
“ورا صورة بابا.”
رفعت صرخ:
“اقتلوا الراجل!”
لكن في اللحظة دي، فارس أطلق النار على رجل كان بيقرب منهم.
وانفجرت معركة.
عمر حمل نور وجرى ناحية الباب.
رصاص ضرب الحيطان.
فارس وقف يضرب خلفهم.
خرجوا من المخزن.
لكن رفعت لحقهم.
وأثناء ما كانوا بيجروا، رصاصة أصابت فارس في كتفه.
وقع.
عمر رجع له.
“فارس!”
“امشِ!”
“مش هسيبك.”
فارس مسك إيده.
“لو فضلت هنا… البنت .”
عمر شاله.
“إحنا هنخرج كلنا.”
وبالفعل، قدروا يهربوا.
رجعوا الفيلا قبل الفجر.
مريم أول ما شافت نور، جريت عليها .
“نور!”
“ماما!”
الاتنين فضلوا متعلقين ببعض وهما بيعيطوا.
عمر وقف بعيد.
مريم بصت له.
“إنت رجعتها.”
“وعدتك.”
قربت منه.
“شكرًا.”
عمر هز رأسه.
لكن نور جريت عليه وحضنته.
“أنا بحبك يا عمو عمر.”
عمر اتجمد.
بص لمريم.
مريم ابتسمت وسط دموعها.
“واضح إنها اختارتك.”
عمر ابتسم لأول مرة من أيام.
لكن اللحظة ما كملتش.
فارس دخل عليهم وكتفه مربوط.
“عمر.”
“إيه؟”
“لازم تروحوا بيت سامح.”
“ليه؟”
“دلوقتي.”
مريم بصت له.
“ليه؟”
فارس قال:
“لأن رفعت ما كانش عايز التسجيل.”
سكت.
“كان عايز حاجة تانية.”
عمر سأله:
“إيه؟”
فارس رد:
“هو كان خايف إن عمر يكتشف مين أبوه.”
عمر سكت.
“مين؟”
فارس بص لمريم.
ثم قال:
“أبوك يا مريم.”
مريم شهقت.
“إيه؟”
“سامح ما ماتش على إيد أبو عمر.”
“أمال مين؟”
فارس قال:
“والد مريم هو اللي قتله.”
الصمت ملأ المكان.
مريم رجعت خطوة.
“أبويا؟”
فارس هز رأسه.
“وأبوك يا عمر كان بيحاول يمنعه.”
عمر بص لمريم.
وفي اللحظة دي…
بدأت كل الأسرار القديمة تاخد شكل واحد.
لكن لسه فيه سؤال واحد.
مين اللي كان بيحرك رفعت؟
وفجأة…
موبايل عمر رن.
رسالة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت صورة قديمة.
في الصورة كان والده واقف جنب رفعت…
وبينهم رجل ثالث.
رجل عمر يعرفه جيدًا.
الرجل الذي كان يعتقد أنه مات منذ عشرين سنة.
تحت الصورة كانت جملة واحدة:
“دور عليه في أقرب مكان ليك… مش أبعد مكان.”
حكايات شروق خالد
عمر فضل باصص للصورة، وإيده اتجمدت على الموبايل.
الرجل اللي واقف بين أبوه ورفعت…
كان حسن المنشاوي.
عمه.
أخو أبوه.
الرجل اللي في عربية من عشرين سنة.
عمر همس:
“عمي حسن؟”
فارس قرب منه.
“مستحيل.”
مريم بصت للصورة.
“بس إزاي؟”
عمر رفع عينه.
“هو ما ماتش.”
في اللحظة دي، سمعوا صوت عربية بتقف قدام الفيلا.
حمدي دخل بسرعة.
“باشا… في راجل مستنيك بره.”
“مين؟”
حمدي سكت.
“بيقول اسمه حسن.”
مريم شهقت.
عمر خرج.
عند بوابة الفيلا كان واقف رجل كبير، شعره أبيض، ووشه مليان ندوب.
لكن عينيه…
عمر عرفهم فورًا.
“عمي.”
حسن بص له.
“كبرت يا عمر.”
عمر رفع مسدسه.
“إنت اللي ورا كل ده؟”
حسن ما اتحركش.
“أيوه.”
“قتلت أبويا؟”
“لأ.”
“قتلت سامح؟”
“لأ.”
“خطفـت نور؟”
“لأ.”
عمر قرب منه.
“أمال عملت إيه؟”
حسن قال:
“أنا حاولت أصلح اللي أنا سببته.”
وبدأ يحكي.
من عشرين سنة، كان أبو عمر متورطًا مع رفعت في شبكة تهريب كبيرة.
لكن والد عمر اكتشف إن رفعت ورجاله بيستخدموا الأطفال والنساء في نقل الأموال والمخدرات.
حاول ينسحب.
سامح اكتشف الحقيقة وساعده.
لكن حسن…
كان وقتها شابًا طماعًا.
سلّم المعلومات لرفعت مقابل المال.
فمات والد عمر.
ومات سامح.
واختفى حسن بعد ما دبّروا خبر موته.
لكنه عاش عشرين سنة وهو شايل ذنب اللي حصل.
ثم ظهر اسم مريم.
زوجة سامح.
وعرف إنها تحمل آخر دليل يدين رفعت.
حاول يحميها من بعيد.
لكن رفعت سبقه.
عمر قال:
“ليه ما جيتش من الأول؟”
حسن نزل عينه.
“كنت جبان.”
سكت.
“ولما رجعت، كان الوقت فات.”
عمر رفع سلاحه.
“إنت عارف إن كل ده دمر حياتي؟”
حسن هز رأسه.
“عارف.”
“خليتني أعيش عشرين سنة وأنا فاكر إن أبويا كان وحش.”
“أبوك كان مجرم.”
صمت.
“بس مات وهو بيحاول يصلح غلطه.”
عمر سكت طويلًا.
ثم أنزل سلاحه.
“روح.”
حسن رفع عينه.
“إيه؟”
“مش هقتلك.”
“ليه؟”
عمر رد:
“علشان مش عايز أكمل حياة أبويا.”
ثم أضاف:
“بس هتسلّم نفسك للشرطة.”
حسن هز رأسه.
“هعملها.”
بعد أسبوع…
اتقبض على رفعت.
وفارس سلّم كل التسجيلات والأوراق للنيابة.
أما الحقيقة الكاملة عن شبكة التهريب، فخرجت للنور.
وتمت تبرئة اسم سامح.
ومريم أخيرًا قدرت تنام وهي عارفة إن جوزها ما ماتش مجرمًا.
بعد شهور…
كان عمر واقف في نفس المطعم اللي قابل فيه مريم أول مرة.
لكن المرة دي ما كانش قاعد لوحده.
نور كانت قاعدة قدامه بتاكل كيك بالشوكولاتة.
ومريم جنبه.
عمر بص لنور وقال:
“كلي براحتك.”
ضحكت.
“أنا شبعانة.”
مريم ضحكت.
“دي أول مرة تقول الجملة دي.”
عمر بص لها.
“فاكرة أول ليلة؟”
“مستحيل أنساها.”
“أنا كمان.”
سكت لحظة.
ثم قال:
“عارفة إيه أغرب حاجة؟”
“إيه؟”
“إني كنت فاكر إني أنا اللي أنقذتكم.”
مريم ابتسمت.
“وأنا كنت فاكرة كده.”
“طلعتم إنتوا اللي أنقذتوني.”
بصت له.
“من إيه؟”
عمر قال:
“من إني أبقى نسخة من أبويا.”
سكتت.
ثم مدت إيدها وحطتها في إيده.
“وأنا كنت فاكرة إنك مجرد راجل غني.”
ضحك.
“وطلع إيه؟”
“راجل رخم.”
نور ضحكت.
“ماما قالتلك رخم!”
عمر ضحك.
“أيوه، ودي أكتر حاجة بحبها فيها.”
بعد سنة…
كان نفس المطعم مليان بالورد.
نور كانت لابسة فستان أبيض صغير.
ومريم كانت واقفة قدام عمر.
لكن المرة دي…
ما كانتش خايفة.
عمر مسك إيدها.
وقال:
“مريم، أنا ما أقدرش أوعدك إن حياتنا هتبقى سهلة.”
ابتسمت.
“أنا مش عايزة سهلة.”
“أمال؟”
“عايزاها حقيقية.”
عمر ابتسم.
“دي أقدر أوعدك بيها.”
ثم ركع أمامها.
وأخرج خاتمًا بسيطًا.
نور صرخت:
“ماما قولي آه!”
مريم ضحكت وسط دموعها.
وبصت لعمر.
“آه.”
تعالت التصفيقات.
وعمر لبّسها الخاتم.
أما نور، فكانت أول واحدة جريت تحضنهم.
وفي آخر الليل، لما خرجوا من المطعم، وقف عمر عند الباب وبص للمكان اللي بدأت فيه الحكاية.
طبق أكل.
طفلة جعانة.
وأم مكسورة.
وكلمة واحدة قالها من غير ما يعرف إنها هتغير عمره كله:
“استني.”
هو كان فاكر إنه أنقذ طفلة من ليلة جوع.
لكن الحقيقة…
إن الطفلة وأمها أنقذوه من حياة كاملة كان عايشها من غير قلب.
ومن يومها، ما بقاش عمر المنشاوي زعيمًا يخافه الناس.
بقى أبًا لنور.
وزوجًا لمريم.
ورجلًا أخيرًا…
عرف يعني إيه يكون عنده بيت يرجع له.
أما الطبق اللي كان بداية كل شيء…
ففضل عمر محتفظ بصورته في مكتبه.
وتحتها جملة واحدة:
“أحيانًا، وجبة واحدة بنقدمها بدافع الرحمة… بتكون هي الوجبة اللي بتنقذ حياتنا إحنا.”
تمت.
بصّت على طبقه بجوع
حكايات شروق خالد


