Uncategorized

أمر زعيم المافيا بتفتيشها… حكايات شروق خالد

وحزمة من الرسائل.

وصورة.

أخرج كريم الصورة ومدها إلى آية.

تجمد الدم في عروقها.

كانت طفلة في التاسعة من عمرها تقف أمام شرفة منزل أبيض ضخم، تضيق عينيها تحت ضوء شمس الصيف.

كانت لديها عينا آية.

وفم آية.

وحتى نفس الطريقة البسيطة في إمالة رأسها.

وعلى ظهر الصورة كُتبت أربع كلمات:

“مريم المنصوري، تسع سنوات.”

سقطت الصورة من يد آية.

“لا…”

انحنى كريم والتقطها.

قال:

“من عشرين سنة، أخويا الكبير محمود كان عايش في البيت ده مع مراته وبنته. والليلة اللي كان فيها تصويت داخلي هيغير كل حاجة في عيلتنا… البيت اتحرق.”

رفعت آية عينيها إليه.

“عيلتكم مين؟”

ظل كريم صامتًا لثوانٍ.

ثم نظر إلى الدكتور سامح.

وفي اللحظة دي، بدأت آية تفهم إن الحريق اللي عاشت عمرها كله وهي فاكرة إنه حادث…

ماكانش حادث.

وإن الطفلة اللي اسمها مريم المنصوري…

ما ماتتش.

وإن الندبة اللي على فخذها كانت الدليل الوحيد على إن حياتها كلها كانت مبنية على كذبة.

أما الرجل الذي قيل لها طوال عشرين عامًا إنه أنقذها…

فكان واقفًا أمامها الآن.

وكان يعرف الحقيقة كاملة.

خرج السؤال من فم آية بصعوبة: “عيلتكم مين؟”

لم يجب كريم.

ظل واقفًا أمام الخزنة، والصورة القديمة في يده، وعيناه مثبتتان على وجه الطفلة.

ثم قال بهدوء مخيف:

“عيلة المنصوري.”

قالت آية: “أنا عارفة إن اسمكم المنصوري. أنا بسألك… أنا مالي بعيلتكم؟”

رفع كريم عينيه إليها: “كل حاجة.”

ضحكت آية ضحكة قصيرة مرتجفة: “لا. أنت غلطان.”

قال كريم: “مش غلطان.”

قالت آية: “أنا آية منصور. بنت منى منصور. اتولدت في القاهرة، وعشت مع أمي طول عمري. إنت بتتكلم عن طفلة اسمها مريم المنصوري من عشرين سنة.”

قال كريم: “لأن مريم المنصوري هي إنتِ.”

ساد الصمت.

حدقت آية فيه. ثم هزت رأسها ببطء: “لا.”

قالها كريم مرة أخرى: “إنتِ مريم.”

صرخت بها هذه المرة: “لا! أنا مش مريم!”

تحركت صوفية خطوة نحوها، لكن كريم أوقفها بإشارة من يده.

كانت آية تتنفس بسرعة: “أمي كانت أمي. أنا عارفة صوتها، ريحتها، إيديها وهي بتمشط شعري… عارفة كل حاجة عنها.”

قال كريم: “منى كانت أمك.” توقفت آية. “لكن مش أمك البيولوجية.”

شعرت كأن الأرض تحركت تحت قدميها. الدكتور سامح أنزل رأسه.

صرخت آية: “إنتوا مجانين!” ثم التفتت إلى سامح: “إنت! إنت كنت دكتور في المستشفى اللي عالجني؟” لم يرد. صرخت: “رد عليا!”

قال بصوت مكسور: “أيوه.”

“إنت اللي عملت العملية؟” صمت. صرخت: “إنت اللي عملت العملية؟!”

أغمض سامح عينيه: “أيوه.”

وضعت آية يدها على فخذها: “إيه اللي حصل ليلة الحريق؟” لم يجب سامح.

اقترب كريم منه حتى أصبح وجهه أمام وجهه مباشرة: “قول لها.” قال سامح: “يا كريم، الموضوع مش بالبساطة دي.” قال كريم: “أنا قلت قول لها.”

رفع سامح عينيه إلى آية: “البيت اتحرق الساعة اتنين وسبعة عشر دقيقة الفجر.” تجمدت آية.

فجأة، عاد إليها جزء آخر من الذاكرة. صرير باب. صرخة امرأة. صوت طفل يبكي. ثم صوت رجل يقول: “خد البنت!”

وضعت آية يديها على أذنيها: “كفاية.” لكن سامح استمر: “مريم كانت جوه البيت.” قالت آية: “كفاية!” قال سامح: “أخو كريم، محمود، ومراته ماتوا في الحريق.” توقفت آية عن الحركة: “ومريم؟” قال سامح: “اتقال إنها ماتت.” نظرت إليه: “اتقال؟ يعني إيه اتقال؟”

تدخل كريم: “يعني جثتها ما اتوجدتش.” نظرت آية إليه: “ليه؟” لم يجب. فقالت: “ليه جثة طفلة عندها تسع سنين ما اتوجدتش؟”

قال سامح: “لأن قبل ما الحريق ينتشر، حد خرج بيها من البيت.” سألته: “مين؟” صمت سامح. ثم قال: “أنا.” ارتجف جسد آية: “إنت؟” أومأ: “لقيتها تحت السلم. كانت فاقدة الوعي، وفي رجلها إصابة خطيرة.” سألته: “وبعدين؟” قال: “أخدتها المستشفى.” سألته: “وسجلتها باسم مين؟” رفع سامح عينيه إليها: “ما سجلتهاش.” حدقت فيه بعدم تصديق: “ليه؟” قال كريم: “لأن في حد كان عايزها تموت.”

ساد الصمت. سألته: “مين؟” قال كريم: “عمي.” اتسعت عينا آية: “عندكوا عم كان عايز يقتل طفلة؟” قال كريم: “مش أي طفلة. مريم كانت الوريثة الوحيدة لفرع محمود.” سألته: “وريثة إيه؟” اقترب كريم من الخزنة وأخرج أحد الخطابات: “قبل الحريق بأسبوع، أبويا كتب وصية.” فتح الخطاب: “كان ناوي ينقل نص ممتلكات العيلة لمحمود وبنته.” توقفت أنفاس آية: “ومحمود كان المفروض يبقى رئيس العيلة بعده.” قال كريم: “أيوه.” قالت آية: “وعشان كده؟” قال كريم: “عشان كده كان لازم مريم تموت.”

قالتها صوفية لأول مرة بصوت منخفض: “لكن حد سبقهم وأنقذها.” نظرت آية إليها: “أمي؟” أومأ كريم: “منى.” سألتها: “إزاي؟” قال كريم: “منى كانت شغالة ممرضة في المستشفى وقتها.” شعرت آية بدموعها تنزل دون أن تشعر: “هي عرفتني؟” قال كريم: “أيوه.” سألته: “وعرفت إني مريم؟” قال: “أيوه.” سألته: “ليه ما قالتليش؟” لم يجب كريم. فصرخت: “ليه؟!” قال سامح: “لأنها كانت بتحاول تحميكي.” سألته: “تحميني من مين؟” قال سامح: “من نفس الناس اللي لسه بيدوروا عليكي.”

التفت كريم إلى صوفية: “اقفلي البوابات.” قالت: “البوابات مقفولة من قبل ما يبدأ الحفل.” قال كريم: “لا. أنا مش قصدي بوابات القصر.” تغير وجه صوفية: “تقصد…” قال كريم: “كل مخارج المنطقة.”

أخرج كريم هاتفه واتصل برقم: “عايز كل رجالة المنصوري في خلال عشر دقايق.” توقفت آية: “ليه؟” لم يجب. جاء صوت من الطرف الآخر، فأنهى كريم المكالمة. ثم قال: “لأنهم عرفوا إنك هنا.”

تجمدت: “مين؟” قبل أن يجيب، دوى صوت انفجار من الخارج. اهتزت النوافذ. صرخت صوفية: “انبطحوا!” اندفعت نحو آية وأسقطتها أرضًا. تحطم زجاج إحدى النوافذ. انطلقت رصاصة واخترقت الجدار خلف كريم.

وقف كريم بسرعة: “آية!” رفعها من الأرض وأمسك بذراعها: “تعالي.” سألته: “فين؟” قال: “للملجأ.” لكن آية سحبت ذراعها: “الدكتور سامح.” كان سامح لا يزال واقفًا بجوار الخزنة. قال كريم: “سيبيه.” قالت: “لا.” نظرت آية إلى الطبيب: “هو لسه ما قالش الحقيقة كلها.”

في تلك اللحظة، انطلقت رصاصة ثانية. وسقط الدكتور سامح على الأرض. صرخت آية: “سامح!” اندفعت نحوه، لكن كريم أمسك بها: “ما تقربيش!” كان الدم ينتشر على قميص الطبيب. فتح سامح عينيه بصعوبة. وضع يده المرتجفة في جيبه وأخرج مفتاحًا صغيرًا. مده نحو آية: “خديه…” أخذته آية: “ده مفتاح إيه؟” تنفس بصعوبة: “المكان… اللي أمك كانت مخبياه فيه.” سألته: “إيه؟” نظر إلى كريم. ثم عاد ينظر إليها: “أمك ما ماتتش بسبب مرض القلب.” توقفت آية عن التنفس: “إيه؟” ابتلع سامح الدم بصعوبة: “اتقتلت.” اتسعت عيناها: “مين قتلها؟”

قبل أن يجيب، انطفأت أنوار القاعة بالكامل. ساد الظلام. ثم ظهر صوت رجل من مكبرات الصوت داخل القصر: “مساء الخير يا مريم.” تجمد كريم. وتغير وجه صوفية. أما آية، فشعرت بدمها يبرد. الصوت تابع: “أخيرًا رجعتي بيتك.” صرخت آية: “مين؟!” ضحك الرجل: “اسألي كريم.” نظرت آية إلى كريم. لكن كريم لم ينظر إليها. كان يحدق في الظلام. وقال بصوت لم تسمعه آية منه من قبل: “محمود.”

توقفت أنفاسها: “محمود مات في الحريق.” ابتسم كريم بسخرية مريرة: “ده اللي خلينا كلنا نصدقه.” ثم جاء صوت الرجل من السماعات: “وأنا عندي خبر أسوأ يا كريم.” صمت لثانية. ثم قال: “البنت اللي بتحاول تحميها من عشرين سنة…” توقفت السماعات لحظة: “هي مش مريم الوحيدة اللي نجت من الحريق.” انفتح باب القاعة ببطء. ودخل رجل طويل يرتدي بدلة سوداء. كان وجهه يحمل آثار حروق قديمة على جانب رقبته. رفع مسدسه. وقال: “كان في طفل تاني.” تجمد كريم. أما آية، فشعرت بأن قلبها توقف. قال الرجل: “وأخويا كريم كان عارف.” التفتت آية إلى كريم: “أخويا؟” رفع الرجل عينيه إليها: “أيوه.” ثم ابتسم: “أنا محمود المنصوري.” وانفجرت صرخات الرجال في الخارج مع بداية معركة جديدة حول القصر.

كان محمود المنصوري واقفًا عند باب القاعة، والمسدس في يده، بينما كريم يحدق فيه كأنه يرى شبحًا خرج من قبره. قالت آية بصوت مرتجف: “إنت… كنت عايش؟” ابتسم محمود: “عشرين سنة وأنا عايش في الضلمة. أراقب، وأستنى اليوم اللي أرجع فيه وآخد كل حاجة.” رفع كريم مسدسه: “محمود، خلصنا.” ضحك محمود: “إحنا لسه بنبدأ.” ثم نظر إلى آية: “أبوك كان عايزك وريثة لكل حاجة. وأنا كنت عارف إن موتك هيخليني أخسر كل شيء. فرتبت الحريق.” شهقت آية: “إنت اللي ولعت البيت؟” قال: “أيوه.” سألته: “وأبويا وأمي؟” قال: “كان لازم يموتوا.” أغمضت آية عينيها، والدموع تنزل على وجهها. ثم قالت: “وأمي منى؟” ساد الصمت. قال محمود: “منى كانت الغلطة الوحيدة اللي ما قدرتش أصلحها.” رفع كريم سلاحه أكثر: “إنت قتلتها.” ابتسم محمود: “هي اختارت تموت بدل ما تقول لي مكان البنت.”

ارتجف جسد آية. فجأة فهمت كل شيء. الرسالة. الندبة. الأشعة. الخاتم. الخوف الذي عاش مع أمها طوال عشرين عامًا. قالت آية: “بس في حاجة مش فاهمها.” رفع محمود حاجبه: “إيه؟” قالت: “إنت قلت إن في طفل تاني نجا.” ابتسم: “أيوه.” سألته: “مين؟” نظر محمود إلى كريم. ولأول مرة، ظهر الألم في عيني كريم. قال محمود: “اسأليه.” استدارت آية ناحية كريم: “كريم؟” ظل صامتًا. قال محمود: “قولي لها يا أخويا.” أغمض كريم عينيه للحظة. ثم قال: “الطفل التاني… كان أنا.” تجمدت آية: “إنت؟” أومأ: “كنت عندي واحد وعشرين سنة وقتها. أبويا كان مخبي عني حقيقة العيلة. ولما اكتشفت إن محمود هو اللي ولع البيت، حاولت أنقذ مريم.” حدقت فيه: “إنت اللي أنقذتني؟” قال: “أيوه.” سألته: “إنت اللي كنت بتقول لي في ذكرياتي إني ما أفتحش عيني؟” اقترب كريم منها: “أيوه.” سقطت دموع آية: “طب ليه ما دورتش عليا؟” قال كريم: “دورت.” قالت: “عشرين سنة؟” قال: “كل يوم.” سألته: “وليه ما لقيتنيش؟” قال كريم: “لأن منى غيرت اسمك وخبّتك في مكان ما حدش من عيلة المنصوري يعرفه.” ثم نظر إلى سامح الذي كان لا يزال يتنفس بصعوبة: “وسامح ساعدها.” قال سامح: “كنت وعدت منى إني ما أقولش الحقيقة غير لما يكون الوقت آمن.” ضحكت آية وسط دموعها: “وطلع الوقت مش آمن خالص.” قال كريم: “بس دلوقتي مش هسيبك.”

رفع محمود سلاحه فجأة: “كفاية!” أطلق النار. اندفع كريم أمام آية. لكن صوفية كانت أسرع. أطلقت رصاصة أصابت يد محمود، فسقط سلاحه. اندفع رجال كريم إلى القاعة. حاول محمود الهرب، لكن كريم أمسك به قبل أن يصل إلى الباب. تعاركا للحظات. ثم سقط الاثنان على الأرض. صرخ محمود: “إنت مش أحسن مني!” نظر إليه كريم: “يمكن.” ثم قيده: “بس أنا مش هقتل أخويا.”

وصلت الشرطة بعد دقائق، ومعهم رجال النيابة. كانت الأدلة التي احتفظ بها كريم في الخزنة كافية لفتح قضية ضخمة ضد محمود وكل من ساعده طوال السنوات الماضية. أما الدكتور سامح، فنُقل إلى المستشفى، ونجا من إصابته.

وبعد أيام، ظهرت الحقيقة كاملة. مريم المنصوري لم تمت. كانت آية منصور. ابنة محمود الحقيقية. والوريثة الشرعية لجزء كبير من ممتلكات عائلة المنصوري. أما منى، فلم تكن أمها البيولوجية، لكنها كانت المرأة التي اختارت أن تكون أمها عندما كان الجميع يريد قتلها.

وفي غرفة المستشفى، فتحت آية آخر رسالة تركتها منى. كانت قصيرة: “لو وصلتي للحقيقة، متخافيش. أنا خسرت حياتي عشان أديكي حياة. اختاري تكوني أحسن منهم.” بكت آية طويلًا. ثم أغلقت الرسالة.

وبعد ثلاثة أشهر، وقفت أمام قبر منى. كان كريم بجانبها. قالت: “أنا لسه مش عارفة إذا كنت أقدر أسامحك.” نظر إليها: “مش مستني تسامحيني.” قالت: “بس عارفة حاجة.” سألها: “إيه؟” نظرت إلى القبر: “أمي اختارت تنقذني.” ثم نظرت إليه: “وإنت اخترت تدور عليا عشرين سنة.” ابتسم كريم لأول مرة: “وكانت تستاهل.” مدت آية يدها. أمسكها كريم.

وبينما كانت الشمس تغيب فوق القاهرة، أغلقت آية آخر صفحة من ماضيها. لم تعد الطفلة التي هربت من الحريق. ولم تعد الفتاة التي عاشت باسم ليس اسمها. كانت آية منصور. وكانت مريم المنصوري. والأهم من الاثنين… كانت المرأة التي نجت.

وفي اليوم التالي، سلمت كل أوراق عائلة المنصوري للنيابة، ورفضت أن ترث أي أموال جاءت من دم أو جريمة. أما القصر الذي شهد أسرار العائلة، فقد تحول إلى مؤسسة لرعاية الأطفال الذين فقدوا أسرهم في الحرائق. وفي مدخل المؤسسة، وضعت آية لوحة صغيرة تحمل اسم أمها: “مؤسسة منى للنجاة.” وتحت الاسم كتبت جملة واحدة: “بعض الأمهات لا يلدنك… لكنها تختارك، وتنقذك، وتحبك حتى آخر نفس.”

أما كريم، فلم يعد الرجل الذي تخشاه القاهرة. ترك عالم الجريمة بالكامل، وساعد آية في بناء المؤسسة. وبعد عام، وقف أمامها في نفس المكان الذي بدأت فيه كل الأسرار. لكنه هذه المرة لم يكن يحمل سلاحًا. كان يحمل خاتمًا. قال لها: “المرة دي مش هطلب منك تثقي فيا.” ابتسمت آية: “وأمال؟” مد يده: “هطلب منك تختاري.” نظرت إلى الخاتم. ثم إليه. وقالت: “أنا اخترتك من زمان… بس كنت محتاجة أعرف الحقيقة الأول.” ابتسم كريم.

وفي تلك اللحظة، انتهى السر الذي بدأ قبل عشرين عامًا. وانتهت مطاردة الطفلة التي ظن الجميع أنها ماتت. لكنها لم تمت. لقد عادت… وكتبت نهايتها بنفسها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى