Uncategorized

انهارت لأن يدها لم تعد تنغلق… حكايات شروق خالد

انهارت في البكاء لأن يدها نفسها رفضت أن تنغلق — ثم سقط أخطر زعيم مافيا في مصر على ركبتيه بجوارها، وفعل شيئًا لم يكن أحد يتوقعه، وجعل كل رجل في تلك الغرفة يكافح حتى لا تدمع عيناه.

في الساعة اتنين وسبعتاشر دقيقة بعد نص الليل، وفي بدروم قصر ضخم على طريق إسكندرية الصحراوي، قصر تمنه يتعدى مئات الملايين، وقف ياسين المنشاوي عند آخر درجة في السلم.

كان نازل متوقع يلاقي حرامي. أو حد من رجالة أعدائه دخل القصر من غير علم الحراسة. لكن اللي شافه قدامه خلاه يثبت مكانه.

بنت قاعدة على الأرض الخرسانية، ضامة رجليها لصدرها، وبتبص لإيديها وكأنها مستنية منهم معجزة. كانت بتعيط في صمت. وبعدين همست لنفسها: “اتحركي… أرجوكي.”

رفعت إيدها قدام وشها. حاولت تقفل صوابعها. الصوابع ما اتحركتش. حاولت تاني: “مرة واحدة بس…” صوتها اتكسر. صوابعها كانت بترتعش رعشة صغيرة متواصلة، من غير ما تقدر تتحكم فيها. الجلد حوالين ضوافرها كان متشقق ومتقشر، ومفاصل صوابعها وارمة وحمرا، وراحت إيديها مليانة شقوق عميقة.

ولأنها ما كانش معاها فلوس تجيب علاج أو حتى شاش طبي، كانت لافة إيديها بشريط لاصق شفاف. إيدين بنت عندها تمانية وعشرين سنة. لكن شكلهم كان يقول إنهم إيدين ست اشتغلت عمر كامل.

ياسين المنشاوي كان عنده تمانية وتلاتين سنة. واحد من أخطر رجال الأعمال في القاهرة، والاسم اللي مجرد ذكره كان كفاية يخلي ناس كتير تعيد حساباتها. كان بيسيطر على شبكة ضخمة من الشركات والمخازن والنقل، لكن خلف الواجهة الرسمية كان فيه عالم تاني محدش بيتكلم عنه بصوت عالي.

ياسين ما كانش بيزعق. عمره ما احتاج. كان هدوءه أخطر من أي تهديد. الرجالة اللي حواليه كانوا عارفين قاعدة واحدة: كل ما صوت ياسين يوطى… الخطر بيزيد.

لكن في اللحظة دي، الراجل اللي مفيش حد قدر يشوفه ضعيف في يوم من الأيام، نزل على ركبته قدام بنت قاعدة على أرض البدروم. ومسك إيديها الاتنين. وفجأة… إيد ياسين نفسها بدأت ترتعش. بص لها في ذهول. وسألها بصوت منخفض: “مين عمل فيكي كده؟”

البنت رفعت عينيها له. كان في عينيها خوف أكتر من الألم. وقالت: “محدش.” وسكتت ثواني. ثم همست: “أنا اللي عملت في نفسي كده.”

ياسين فضل ساكت. بص لإيديها. وبعدين بص لوشها. ولأول مرة من سنين طويلة، حس بحاجة مش قادر يسميها. غضب. لكن مش غضب من شخص قدامه. غضب من نفسه. لأنه اكتشف فجأة حاجة أسوأ من إصابة البنت. هو مش عارف اسمها.

في القصر كان فيه حوالي عشرة موظفين وعمال. كل مرتب بيتدفع من شركاته. كل مصاريف البيت تحت إشرافه. ومع ذلك… ما يعرفش اسم البنت اللي إيديها بين إيديه. الموضوع مش إنه نسي اسمها. هو ببساطة عمره ما عرفه.

البنت فهمت سكوته غلط. سحبت إيديها بسرعة وخبتهم ورا ضهرها. وقفت مرة واحدة، فاتلخبطت رجلها وكادت تقع. وقالت بسرعة: “أنا آسفة يا فندم.”

ياسين ما ردش. فكملت وهي بتتكلم بسرعة: “أنا خلصت التنضيف فوق الساعة تسعة، ونزلت بس آخد حاجتي، والله ما كنت أقصد أزعج حضرتك، وأنا همشي حالًا…”

“اقعدي.” الكلمة كانت هادية. لكنها خلتها تسكت فورًا. رجعت وقعدت على آخر درجة. حطت إيديها على رجليها، وضمّت كتافها لجسمها، وكأنها بتحاول تختفي.

سألها: “بقالك قد إيه هنا؟”

“سنة وشهرين يا فندم.”

رفع حاجبه: “سنة وشهرين؟”

“أيوه.”

“اسمك إيه؟”

قبل ما يسمع الإجابة، اشتغل جهاز التدفئة بصوت عالي. قالت: “نورهان… نورهان عبد الرحمن.”

فضل الاسم يرن في دماغه. نورهان. إزاي اسم زي ده كان عايش في بيته أكتر من سنة وهو ما يعرفوش؟

سألها: “إزاي أنا مشفتكيش قبل كده؟” السؤال خرج أقسى مما كان يقصد. نورهان اتوترت: “أنا ملتزمة بالتعليمات يا فندم.”

“تعليمات إيه؟”

“مدام فتحية قالت لنا إننا ممنوع نستخدم المدخل الرئيسي لو حضرتك موجود. ولو حضرتك دخلت مكان، لازم نخرج فورًا. وممنوع نتكلم مع حضرتك إلا لو حضرتك كلمنا.”

ياسين ما قالش حاجة. لأول مرة فهم ليه ما شافهاش. ما كانش محدش بيوريه وجودها. البيت نفسه كان مصمم يخليها تختفي من قدامه.

سألها: “إيه اللي حصل لإيدك؟”

نورهان بصت لإيديها. وبعدين بصت ناحية السلم. وواضح إنها كانت بتحسب ثمن الحقيقة. مدت إيدها في جيب المريلة وطلعت ورقة مطوية. حطتها قدامه. كانت مفردات مرتب. مش بتاعة القصر. بتاعة مغسلة صناعية في الجيزة.

ياسين بص للورقة: “إنتي بتشتغلي في المغسلة دي؟”

“بالليل.”

“من إمتى؟”

“حوالي سنة.”

“وبتشتغلي هنا الصبح؟” هزت راسها: “من سبعة الصبح لستة المغرب.”

“وبعدين؟” “بروح المغسلة.”

“لحد إمتى؟” “لحد الساعة حداشر.”

ياسين بص لها: “كل يوم؟” “ست أيام في الأسبوع.”

سكت. نورهان كانت بتشتغل حوالي ستاشر ساعة في اليوم. ست أيام في الأسبوع.

سألها: “وفي المغسلة بتعملي إيه؟”

“بفرز الغسيل… وبطلع المفروشات من الغسالات الصناعية… وبطويها.”

“والجوانتي؟”

“موجود.”

“أمال إيه اللي في إيدك ده؟”

نورهان سكتت. ياسين كرر: “ليه مش بتلبسي جوانتي؟”

قالت بصوت ضعيف: “بيتخصم من المرتب.”

“كام؟” “تلاتين جنيه تقريبًا للزوج.”

“وبيعيش معاكي قد إيه؟” “تلات أو أربع أيام.”

ياسين رجع يبص في الورقة. إجمالي مرتبها خلال أسبوعين كان مبلغ محترم. لكن الخصومات كانت بتاكل تقريبًا كل حاجة. وفي الآخر… الصافي اللي وصل لها كان مبلغ صغير جدًا.

قال: “إيه كل الخصومات دي؟”

نورهان بلعت ريقها: “قرض.”

“قرض من مين؟” “معرفش.”

رفع عينه لها: “يعني إيه معرفيش؟”

“وقعت على الورق من تلات سنين.”

“واخدتي كام؟” نورهان سكتت. “كام؟”

قالت بصوت شبه مسموع: “خمستاشر ألف.”

ياسين بص للورقة: “ولسه عليكي كام؟” “سبعين ألف.”

الصمت نزل على المكان. “سبعين ألف جنيه؟” نورهان هزت راسها: “أكتر شوية.”

“إزاي قرض خمستاشر ألف يبقى سبعين ألف؟”

قالت: “الفوايد… والغرامات… والمصاريف.”

ياسين شد الورقة بين صوابعه: “ومين بياخد الفلوس دي؟” “شركة تمويل.”

“اسمها إيه؟” نورهان قالت الاسم. ياسين حفظه.

لكن لسه ما كانش وصل للجزء الأخطر. سألها: “إنتي بتصرفي فلوسك كلها فين؟”

نورهان ردت من غير تردد: “على أمي.”

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى