
«ممكن تقرأ لي الجواب ده؟ الموضوع مهم جدًا…»
وقفت طفلة صغيرة تحت المطر قدام بوابة بيتي لمدة ساعة كاملة.
كنت تقريبًا هطلب من الحرس يبعدوها.
لكنها مدت لي جواب، وأول كلماته كانت:
«يا أحمد، حبيبي…»
في أول مرة بنتي نادتني فيها وقالت لي «يا أستاذ»، ماكنتش أعرف إنها بنتي.
المطر كان بينزل بغزارة على شبابيك بيتي في الزمالك، لدرجة إن إزاز الشبابيك القديم كان بيتهز في مكانه.
كانت الساعة أربعة وسبعتاشر دقيقة عصر يوم من أيام نوفمبر، والدنيا كانت ضلمة بشكل يخلي نور الأباجورات جوه مكتبي ينعكس على الإزاز بدل ما ينور اللي بره.
ريحة المكتب كانت خليط من خشب الجوز، وقهوة سادة بردت من زمان، ورائحة معطف صوف مبلول كان محمود الشناوي، رجلي اليمين، سايبه فوق كرسي جنب الباب، مع ريحة المطر والتراب اللي دخلت من المدخنة.
كنت واقف ورا مكتبي، ماسك ملف فصل موظف من الشركة.
كان مدير كبير في واحدة من شركات النقل والمخازن التابعة ليا بيبيع معلومات سرية عن المناقصات.
من كام سنة، خيانة بالشكل ده كانت بتتحل بطريقة مختلفة تمامًا.
ومش هكدب وأقول غير كده.
لكن اليوم ده، كنت قاعد أربعين دقيقة مع محاميّ، أستاذ سامح عبدالسلام، بنتناقش في فصله من الشغل، وتعويضات الشركة، والإجراءات القانونية، وهل لازم نبلغ الجهات المختصة باللي عمله ولا لأ.
قفلت الملف وقلت:
«اطردوه.»
محمود كان واقف عند الباب.
قال:
«الأمن يوصله لحد بره؟»
«أيوه.»
«والشرطة؟»
بصيت لأستاذ سامح.
كان محاميّ من أكتر من عشرين سنة.
راجل عنده حوالي تلاتة وستين سنة، دقنه رمادي، ودايمًا لابس بدلة شيك، وروحه في الهزار ناشفة لدرجة إن الواحد ساعات مايعرفش هو بيهزر ولا بيتكلم جد.
قفل الملف وقال:
«المعلومات اللي سرّبها مرتبطة بعقدين كبار مع هيئة الموانئ.»
قلت بهدوء:
«يبقى بلغ الجهات المختصة.»
حاجب محمود اتحرك حركة بسيطة.
خمس سنين فاتوا، ماكنتش هقول الجملة دي.
أنا نفسي لاحظت.
ومحمود لاحظ.
لكن محدش علّق.
فجأة، جهاز الاتصال اللي فوق مكتبي رن.
جالي صوت حارس البوابة:
«يا فندم؟»
ضغطت على الزر.
«أيوه؟»
قال:
«في طفلة صغيرة واقفة بره.»
بصيت ناحية الشباك.
«إيه؟»
«بنت صغيرة يا فندم.»
«بنت مين؟»
«بتقول إنها جاية لوحدها.»
بصيت لمحمود.
ملامحه اتغيرت فورًا.
مش خوف.
انتباه.
سألته:
«عندها كام سنة؟»
الحارس قال:
«بتقول عندها تمن سنين.»
قطبت جبيني.
«طفلة عندها تمن سنين جاية لوحدها لحد بيتي ليه؟»
«معاها جواب.»
قلت:
«خدوا منها الجواب.»
سكت الحارس ثانيتين.
وبعدين قال:
«حاولنا يا فندم.»
«ومالها؟»
«مش راضية تسلمه.»
حسيت بالضيق.
«هي واقفة في المطر ده من إمتى؟»
«حوالي تمانية وخمسين دقيقة من وقت ما شوفناها على الكاميرات.»
«من وقت ما شفتوها؟»
«أيوه.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«ممكن تكون كانت واقفة قبل ما نلاحظها.»
بصيت لمحمود.
كان اتحرك ناحية شاشة المراقبة بالفعل.
قلت:
«دخلوها الردهة.»
الحارس اتردد.
«هي بتقول إنها لازم تحط الجواب في إيدك بنفسها.»
كنت تقريبًا هقول لأ.
لكن أستاذ سامح قال:
«أحمد.»
ماكانش بينصحني.
كان بيناديني باسمي بس.
بصيت للمطر تاني.
وقلت:
«طلعوها.»
بعد سبع دقايق، باب المكتب اتفتح.
دخلت الطفلة.
كانت لابسة معطف مطر قديم خاص بمديرة البيت، الحاجة فاطمة.
المعطف كان طويل عليها جدًا، ووصل تقريبًا لكاحليها.
المياه كانت بتنزل من أطرافه على السجادة.
شعرها الأسود كان لازق في خدودها.
شفايفها كانت بيضا من البرد.
وجسمها الصغير كان بيرتعش.
ومع ذلك…
كانت رافعة دقنها.
ثابتة.
أنا قضيت أكتر من عشرين سنة وسط رجالة بيحاولوا يبانوا أقوياء.
لكن البنت دي…
ماكانتـش بتحاول تبان شجاعة.
هي كانت شجاعة فعلًا.
بصت لي بعينين كبار، وبعدين مدت إيدها الصغيرة.
كان الجواب بيرتعش بين صوابعها.
وقالت بصوت واطي:
«ممكن تقرأ الجواب ده يا سيدي؟»
اتجمدت مكاني.
وبعدين قالت:
«ماما قالت لي إنك الشخص الوحيد اللي لازم يقرأه.»
مديت إيدي وأخدت الجواب.
وقبل ما أفتحه، شفت اسم المرسل.
إيدي اتجمدت.
أنا عرفت خط اليد.
خط واحدة كنت فاكر إنها ماتت من تمن سنين.
واحدة كنت بحبها.
واحدة قالوا لي إنها سابتني بإرادتها.
عشت تمن سنين وأنا بكرهها، لأني صدقت إنها اختارت تمشي وتسيبني.
فتحت الجواب بإيد مرتعشة.
وأول سطر كان:
«أحمد حبيبي… لو الجواب ده وصلك، يبقى أخيرًا الحقيقة وصلت لك.»
رفعت عيني ناحية البنت.
«إنتِ اسمك إيه؟»
قالت:
«ملك.»
«ملك إيه؟»
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
«ملك أحمد.»
قلبي وقف.
«ومامتك اسمها إيه؟»
بصت لي فترة طويلة.
ثم قالت:
«سلمى.»
الجواب وقع من إيدي.
سلمى.
الاسم اللي فضل مطاردني تمن سنين.
سلمى اللي قالوا لي إنها ماتت.
سلمى اللي كانت أول وآخر ست حبيتها بجد.
بصيت للبنت من جديد.
وبدأت أدقق في ملامحها.
شكل عينيها.
انحناءة حواجبها.
حتى الطريقة اللي كانت بتضغط بيها على شفايفها وهي متوترة.
كان فيها حاجة مني.
حاجة ماقدرتش أفسرها.
سألت بصوت مبحوح:
«إنتِ بنت مين يا ملك؟»
ردت ببساطة:
«بنت ماما.»
وبعدين رفعت عينيها وقالت:
«بس ماما قالت لي إن بابا اسمه أحمد.»
الغرفة كلها سكتت.
محمود قرب خطوة.
وأستاذ سامح بص لي كأنه لأول مرة يشوفني.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.
ملك مدت إيدها لجيب المعطف.
وأخرجت صورة قديمة.
صورة لسلمى وهي شايلة طفلة رضيعة.
وأنا واقف جنبها.
لكن الصورة كانت غريبة.
لأني ماكنتش فاكر إني اتصورت معاهم.
قلبت الصورة.
كان فيه تاريخ مكتوب على ضهرها.
تاريخ من تمن سنين.
أستاذ سامح أخد الصورة، ودقق فيها.
وبعد ثواني قال:
«الصورة دي متفبركة.»
بصيت له.
«متأكد؟»
هز رأسه.
«بص على انعكاس الإزاز وراهم.»
بصينا كلنا.
وهناك…
ظهر شخص واقف خلف المصور.
رجل أعرفه جيدًا.
رجل كان موجودًا في حياتي طوال السنوات الثماني الماضية.
رجل كنت أثق فيه أكثر من أي شخص آخر.
لكن المفاجأة الأكبر ماكانتـش الصورة.
بعد ساعات، بدأت سجلات قديمة تظهر.
تحويلات بنكية.
فواتير مستشفيات.
مدفوعات علاج.
أدوية.
كلها باسم شخص مجهول.
شخص كان بيدفع مصاريف سلمى وملك سرًا طوال تمن سنين.
ولما أستاذ سامح تتبع الحسابات..



