
مريم بصت له طويلًا.
عايزة أعرف لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل إيه؟
آدم لم يتردد.
كنت هسيب كل حاجة وأجيلك.
حتى الصفقة؟
الصفقة تتعوض.
والشركة؟
الشركة تتبني من جديد.
لكن أبويا؟
آدم لم يستطع الرد.
مريم هزت رأسها.
بالضبط.
وسابته ومشيت.
بعد الجنازة
مرت ثلاثة أيام.
آدم لم يتصل.
ليس لأنه لم يكن يريد.
لكن لأنه قرر لأول مرة يحترم المسافة التي طلبتها مريم بصمت.
في اليوم الرابع، فوجئت مريم بجرس الباب.
فتحت.
وجدت آدم واقفًا.
لم يكن معه ورد.
ولا هدية.
ولا حتى سيارة فاخرة خلفه.
كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
إيه ده؟
حاجة من مكتب أبوكي.
مريم فتحت الصندوق.
وجدت مجموعة مفكات قديمة، ومفتاح إنجليزي، وصورة قديمة لها وهي طفلة.
وتحتهم
ساعة يد.
مريم عرفتها فورًا.
دي ساعة بابا.
آدم هز رأسه.
لقيتها في المستشفى.
مريم أمسكتها.
كان لابسها آخر مرة شوفته فيها.
سكت آدم.
ثم قال
أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي.
مريم رفعت عينيها.
جاي ليه؟
عشان أقول لك حاجة.
إيه؟
أبوكي كان عنده حق.
سكتت.
أنا كنت فاكر إن توفير المستقبل أهم من إنك تعيشي الحاضر.
أخذ نفسًا.
كنت فاكر إني لما أبني شركة كبيرة، وأوفر لك ول سليم حياة مريحة، يبقى كده أنا بحبكم كويس.
ابتسم بحزن.
بس أبوكي فهم حاجة أنا ما فهمتهاش.
إيه؟
إن البيت مش فلوس.
أمال إيه؟
حضور.
سكتت مريم.
آدم كمل
من النهارده، أنا مش هطلب منك تسامحيني.
كويس.
ومش هضغط عليكي ترجعيلي.
كويس.
ومش هقول لك إن الزمن يرجع.
ثم نظر إلى الساعة في يدها.
لأن الزمن ما بيرجعش.
مريم لأول مرة منذ أيام لم تجد ما تقوله.
آدم استدار ليغادر.
لكن قبل ما يفتح الباب
مريم قالت
آدم.
وقف.
أيوه؟
سليم هيسأل عليّك.
ابتسم.
وأنا هفضل موجود عشانه.
مريم سألته
حتى لو أنا مش رجعت لك؟
رد بهدوء
حتى لو عمري كله عدى وإنتي مش رجعتي.
ثم خرج.
وقفت مريم عند الباب تنظر إليه وهو يمشي.
ولأول مرة
لم ترَ الرجل الذي تجاهل مكالماتها.
رأت الرجل الذي بدأ يفهم متأخرًا جدًا
أن بعض الناس لا يحتاجون منك أن تنقذ مستقبلهم.
هم فقط يحتاجونك
أن تكون موجودًا عندما ينادونك مرّ شهر كامل على وفاة جلال.
مريم رجعت لشغلها في المستشفى، لكن كل حاجة كانت مختلفة.
كانت بتدخل قسم الأطفال وتبتسم للمرضى، وتطمن الأهالي، وتتصرف كأنها بخير.
لكن أول ما ترجع بيتها
كانت تخلع حذاءها، وتقعد على طرف السرير، وتفضل تبص في ساعة أبوها الموجودة جنبها.
أما آدم
فكان فعلًا اختفى من حياتها.
لا اتصالات.
لا رسائل.
لا محاولات ضغط.
لكن
كان موجود في مكان واحد فقط
حياة سليم.
كل يوم جمعة، كان ياخده من المدرسة، يقعد معاه ساعتين، وبعدها يرجعه البيت.
كان سليم في البداية مستغرب.
هو أنت وماما زعلانين؟
آدم ابتسم.
لأ.
أمال ليه مش بتيجي؟
عشان ماما محتاجة شوية وقت.
سليم فكر قليلًا.
هي زعلانة منك؟
آدم سكت.
ثم قال
أنا زعلتها من غير ما أقصد.
سليم عقد حاجبيه.
تعمل إيه عشان تصلح؟
آدم ابتسم بحزن.
بحاول.
طب حاول أكتر.
ضحك آدم لأول مرة من قلبه.
حاضر.
بعد شهرين
جاءت مريم للمستشفى في وردية الليل.
كانت الساعة 215 صباحًا.
وهي بتراجع ملفات المرضى، سمعت صوتًا من غرفة الاستقبال.
لو سمحتي، الطفل ده محتاج دكتور بسرعة.
مريم خرجت من المكتب.
تجمدت.
كان آدم واقف هناك.
وبجانبه سليم.
إيه اللي حصل؟
آدم قال بسرعة
سليم سخن جدًا من ساعتين، ومش عارفين ننزل الحرارة.
مريم نسيت كل شيء.
جريت ناحية ابنها.
حبيبي!
سليم ارتمى في حضنها.
ماما
مريم قاست حرارته، ونادت الطبيب.
وبعد الفحوصات، اتضح إنها عدوى بسيطة، ولا تحتاج إلا علاج ومتابعة.
مريم أخذت نفسًا عميقًا.
آدم كان واقف بعيد.
الحمد لله.
قالها بهدوء.
مريم بصت له.
شكرًا إنك جبته هنا.
ده ابني.
سكتت.
ثم قالت
كان ممكن تتصل بيا.
آدم ابتسم.
اتصلت.
مريم فتحت موبايلها.
وجدت ثلاث مكالمات فائتة منه.
نظرت إليه.
الموبايل كان سايلنت.
عارف.
ليه ما اتصلتش أكتر؟
لأنك مشغولة.
مريم بصت له باستغراب.
يعني إيه؟
يعني ماكنتش عايز أعمل نفس الغلطة.
الكلمة وقعت عليها بقوة.
سكتت.
ثم قالت
آدم
نعم؟
أنا لسه زعلانة.
عارف.
ولسه كل ما أفتكر اللي حصل بحس إني عايزة أصرخ.
عارف.
ولسه مش قادرة أرجع زي الأول.
آدم هز رأسه.
مش مطلوب منك ترجعي زي الأول.
مريم نظرت له طويلًا.
طب إنت مستني إيه؟
آدم ابتسم.
ولا حاجة.
ولا حاجة؟
أكون موجود بس.
ثم أضاف
لو يومًا ما حبيتي تفتحي الباب، هكون موجود بره.
ولو ما فتحتش؟
هفضل أحترم قرارك.
مريم لم ترد.
لكن في طريقها للبيت
فتحت درج صغير في شنطتها.
أخرجت ورقة أبوها.
الورقة التي احتفظت بها منذ يوم وفاته.
وقرأت السطر الأخير مرة أخرى
الفرق الحقيقي إن الشخص الكويس لما يعرف إنه غلط، يصلّح غلطه مش بالكلام، بالفعل.
بعد ستة أشهر
كان سليم واقف على مسرح المدرسة.
حفلة نهاية العام.
الأهالي كلهم قاعدين.
مريم كانت في الصف الأول.
وبجانبها
كان فيه كرسي فاضي.
لم تعرف مين حجزه.
حتى ظهر آدم.
لم يتقدم إليها.
لم يحاول يجلس بجانبها.
دخل بهدوء، وقعد في آخر الصف.
سليم بدأ العرض.
ومريم كانت بتصور.
وفي منتصف العرض، الطفل بص للجمهور.
ولما شاف آدم
ابتسم.
رفع إيده.
آدم ابتسم له.
مريم شاهدت المشهد.
وفجأة شعرت بشيء لم تشعر به منذ وفاة والدها.
الأمان.
ليس لأن آدم أصبح كاملًا.
بل لأنه أخيرًا فهم أن الحب لا يعني أن تقول
أنا بحبك.
الحب أحيانًا يعني
أنا جيت.
بعد انتهاء الحفل، خرج الجميع.
سليم جري ناحية آدم.
شفتني؟
شفتك يا بطل.
ماما قالت إني كنت كويس.
آدم نظر لمريم.
كانت عندها حق.
سليم ابتسم.
ثم جرى مع أصدقائه.
وبقي آدم ومريم وحدهما.
قالت مريم
بابا كان هيحبك.
آدم انخفضت عيناه.
كنت أتمنى أقابله.
وأنا كمان.
سكتت.
ثم مدت له يدها.
كان فيها شيء صغير.
ساعة جلال.
آدم بص لها بدهشة.
ليه بتديهالي؟
مش هديهالك.
ثم ابتسمت لأول مرة أمامه منذ شهور.
هخليك تصلحها.
آدم فهم.
الساعة؟
أيوه.
وإنتِ؟
مريم سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا كمان محتاجة وقت.
آدم ابتسم.
هاستنى.
مريم هزت رأسها.
بس المرة دي
رفعت عينيها له.
مش انتظار فارغ.
أمال؟
نبني حاجة جديدة.
ابتسم آدم.
من الأول؟
من الأول.
ثم مشيا جنب بعض.
لم تعد مريم تنتظر الرجل الذي سيأتي يومًا.
ولم يعد آدم يحاول تعويض يوم واحد بكلام كثير.
لقد فهم أخيرًا أن بعض الخسارات لا يمكن إصلاحها
لكن يمكن أن تجعل الإنسان شخصًا أفضل.
ومن يومها
كلما رن هاتف آدم وهو في وسط أي اجتماع، كان أول شيء يفعله
ينظر إلى الشاشة.
لأن اسم مريم لم يعد بالنسبة له مجرد مكالمة يمكن تأجيلها.
كان تذكيرًا دائمًا بأغلى درس في حياته
المستقبل يمكن بناؤه في أي وقت
لكن اللحظة التي تحتاج فيها إنسانًا تحبه، لو ضاعت، عمرها ما بترجع أكيد، نكمل من لحظة إن مريم وآدم قرروا يبدأوا من جديد، لكن من غير ما يكون الطريق سهل أو سريع.
مرت أسابيع بعد اليوم اللي مريم سلمت فيه ساعة أبوها لآدم.
العلاقة بينهم ما رجعتش زي الأول.
بالعكس
كانت أهدى.
أبطأ.
وأصدق.
آدم بقى يظهر في حياة مريم من غير ما يفرض نفسه.
لو سليم عنده تدريب، كان يوصله.
لو مريم عندها وردية طويلة، كان يبعت لها رسالة واحدة
خلصي شغلك براحتك. سليم معايا.
ولو احتاجت حاجة
كان موجود.
لكن عمره ما قال
أنا عملت كل ده عشانك.
كان فاهم إن اللي حصل مش صفقة.
وإنه مش ممكن يشتري مسامحتها بالأفعال.
في أحد الأيام، كانت مريم راجعة من المستشفى، ولقيت سليم قاعد في الصالة ومعاه آدم.
قدامهم صندوق أدوات.
مريم ابتسمت.
بتعملوا إيه؟
سليم رفع مفك صغير.
بنصلح الساعة.
مريم قربت.
كانت ساعة جلال.
آدم فك الغطاء الخلفي بحذر.
باباكي كان محافظ عليها جدًا.
مريم جلست بجانبه.
دي كانت أهم حاجة عنده.
سليم سأل
هي غالية؟
مريم ابتسمت.
مش عشان تمنها.
أمال ليه؟
بصت للساعة وقالت
عشان كانت مع جدو في كل حاجة.
سليم سكت.
ثم قال
يبقى لازم نصلحها.
آدم بص له.
لازم.
بعد ساعة تقريبًا
بدأت عقارب الساعة تتحرك.
تك.
تك.
تك.
مريم وضعت يدها على فمها.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
آدم لم يقل شيئًا.
فقط مد يده ووضع الساعة في كفها.
اشتغلت.
مريم ضمتها إلى صدرها.
شكرًا.
ثم رفعت عينيها له.
بابا كان هيحب اللحظة دي.
آدم ابتسم.
وأنا كنت أتمنى أشوفه فيها.
بعد أسبوع
حدث شيء لم تتوقعه مريم.
كانت في المستشفى عندما جاءها اتصال من مكتب آدم.
مدام مريم؟
أيوه.
أستاذ آدم حصل له حادث بسيط.
تجمدت.
حادث؟!
عربية، لكنه بخير. مجرد إصابة في ذراعه.
لم تفكر.
تركت كل شيء وخرجت.
وصلت إلى المستشفى التي نُقل إليها آدم.
دخلت الغرفة بسرعة.
وجدته جالسًا على السرير وذراعه في جبيرة.
أول ما شافها
ابتسم.
إنتي جيتي؟
مريم اقتربت منه بعصبية.
إنت كنت هتفضل ساكت؟!
كنت هكلمك.
إمتى؟ بعد ما أسمع من حد تاني؟
آدم سكت.
ثم قال
مريم، أنا بخير.
مش مهم.
إيه اللي مش مهم؟
إنك بخير.
سكتت.
ثم قالت بصوت منخفض
المهم إني لما سمعت كلمة حادث قلبي وقف.
آدم نظر لها طويلًا.
ولأول مرة، لم يحاول يخفي ابتسامته.
يعني لسه فارق معاكي؟
مريم بصت له بحدة.
ما تستغلش اللحظة.
ضحك.
ثم توقف فجأة عندما شعر بالألم.
مريم قربت منه.
بتوجعك؟
شوية.
الدكتور قال إيه؟
أسبوعين وهبقى كويس.
مريم جلست بجانبه.
وأنا هتابع معاك.
آدم نظر لها.
لازم؟
أيوه.
ليه؟
مريم أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
عشان أنا كمان مش عايزة أعيش طول عمري خايفة من إن حد أحبه يختفي فجأة.
سكت آدم.
وفهم.
هي لم تكن تتحدث عن الحادث فقط.
كانت تتحدث عن أبيها.
عن الخوف.
عن تلك الليلة.
وعن كل شيء لم تستطع تجاوزه.
فقال بهدوء
مش هقدر أوعدك إن الدنيا مش هتوجعنا تاني.
مريم بصت له.
عارف.
لكن أقدر أوعدك بحاجة.
إيه؟


