روايات وقصص

تجاهلت مكالماته الخمسه

لو في يوم احتجتيني هتلاقيني.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
وأنا كمان.
بعد سنة كاملة
كان البيت مليان ناس.
سليم كان بيجري في الصالة.
والضحك مالي المكان.
مريم كانت واقفة في المطبخ، ولما خرجت
وجدت آدم واقفًا أمام صورة جلال المعلقة على الحائط.
كان ينظر إليها بصمت.
اقتربت منه.
بتبص على إيه؟
قال
بحاول أتخيل لو كنت قابلته.
مريم وقفت بجانبه.
كان هيسألك سؤال واحد.
إيه؟
هتحب مريم إزاي؟
آدم ابتسم.
وإنتي كنتي هتجاوبي بدالي؟
لأ.
أمال؟
كنت هسيبه يشوف بنفسه.
نظر إليها.
ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة.
مريم اتفاجئت.
إيه دي؟
فتحها.
كان بداخلها خاتم بسيط.
لم يمده إليها.
فقط وضع العلبة في يدها.
مش طلب جواز.
مريم رفعت حاجبها.
أمال إيه؟
وعد.
وعد بإيه؟
إن المرة دي، لو اخترتيني، مش هخلي شغلي ياخد مكاني منك.
سكت.
ومش هطلب منك تنسي اللي حصل.
ومش هحاول أشتري ثقتك.
ومش هقول لك إني اتغيرت عشان أسمع منك كلمة سامحتك.
مريم نظرت إلى الخاتم.
وإيه المطلوب مني؟
آدم ابتسم.
ولا حاجة دلوقتي.
ثم أضاف
خدي وقتك.
مريم ضحكت وسط دموعها.
إنت اتعلمت فعلًا.
اتعلمت بالطريقة الصعبة.
نظرت إلى صورة أبيها.
ثم إلى آدم.
وقالت
بابا كان دايمًا بيقول إن الإنسان بيتعرف وقت الشدة.
وأنا فشلت أول مرة.
أيوه.
سكتت.
ثم مدت يدها.
أخذت الخاتم.
لكنها لم تلبسه.
وضعت العلبة في جيبها.
لما أبقى جاهزة هلبسه.
آدم ابتسم.
هستنى.
مريم هزت رأسها.
بس متتأخرش.
نظر لها.
مش هتأخر.
وفي الخلف
كان سليم واقفًا يراقبهما.
ثم قال بصوت عالٍ
يعني إيه؟ هتتجوزوا ولا لأ؟!
انفجر الاثنان بالضحك.
ومريم بصت لآدم.
لأول مرة
لم تشعر أنها تنتظر شيئًا مجهولًا.
كانت ببساطة
تعيش اللحظة.
وكان ذلك بالضبط هو الشيء الذي حاول أبوها أن يعلمها إياه قبل رحيله.
أن الحياة لا تمنحنا فرصة لإعادة اللحظات الضائعة
لكنها أحيانًا تمنحنا فرصة ثانية
لنعيش اللحظات القادمة بشكل أفضل مرت ثلاثة شهور
ومريم كانت لسه محتفظة بالخاتم في العلبة.
آدم ما سألهاش عنه ولا مرة.
وده بالذات كان أكتر شيء خلّاها تفكر فيه.
في يوم، رجعت من الشغل متأخرة، ولقت سليم واقف عند باب البيت ومعاه شنطة صغيرة.
ماما!
نعم يا حبيبي؟
آدم قال لي عنده مفاجأة.
مريم بصت له باستغراب.
مفاجأة إيه؟
سليم ضحك
مش هقول!
بعد دقائق، وصل آدم.
جاهزة؟
رايحين فين؟
مكان لازم تشوفيه.
ركبوا العربية، وسليم قعد ورا.
بعد حوالي ساعة، وصلوا لمنطقة هادئة خارج المدينة.
مريم بصت من الشباك.
إحنا فين؟
آدم ركن العربية قدام مبنى صغير.
نزلوا.
كان المكان عبارة عن مركز مجتمعي لتعليم الأطفال وصيانة المنازل للأسر المحتاجة.
وعلى الباب كانت هناك لوحة
مركز جلال الشافعي للخدمات المجتمعية
مريم وقفت مكانها.
بصت لآدم.
إيه ده؟
قال بهدوء
فاكرة لما أبوكي كان بيصلح التدفئة للناس اللي مش قادرين يدفعوا؟
دموعها بدأت تظهر.
أيوه.
اكتشفت إنه كان بيعمل حاجات أكتر بكتير من اللي كنتي تعرفيها.
فتح لها الباب.
في الداخل كان هناك قسم صغير لتعليم الأطفال، وورشة بها أدوات صيانة.
أنا اشتريت المكان ده من فترة.
مريم هزت رأسها.
ليه؟
عشان اسمه يفضل موجود في حاجة شبهه.
سكت لحظة.
بس المكان مش بتاعي.
مريم بصت له.
أمال؟
باسم المؤسسة.
وإنت؟
أنا بس موّلته.
مريم اقتربت منه.
ليه ما قلتليش؟
ابتسم.
عشان ماكنتش عايز أستخدم أبوكي عشان أكسب رضاكي.
الجملة دي كسرت آخر حاجز داخلها.
مريم بكت.
آدم
نعم؟
أنت اتغيرت.
حاولت.
لأ.
مسحت دموعها.
أنت فعلًا اتغيرت.
سليم جري ناحية الورشة.
ماما! بصي!
كان ماسك مفكًا صغيرًا.
أنا هتعلم زي جدو!
مريم ضحكت وهي بتبكي.
ثم نظرت لصورة جلال المعلقة على الحائط.
كان نفسه يسيب حاجة بعده.
آدم قال
هو ساب.
إيه؟
إنتي.
مريم سكتت.
ثم قالت
وسليم.
آدم ابتسم.

وأهو أنا كمان بدأت أتعلم منه.
في المساء، بعد ما رجعوا البيت، جلست مريم وحدها.
فتحت الدرج.
أخرجت علبة الخاتم.
فضلت تبص إليها طويلًا.
ثم قامت.
دخلت غرفة سليم.
وجدته نائمًا.
قبلته على جبينه.
ثم رجعت للصالة.
كان آدم يستعد للمغادرة.
أنا همشي.
مريم قالت
آدم.
التفت.
أيوه؟
مدت يدها.
وفي إصبعها
كان الخاتم.
آدم اتجمد.
لبستيه؟
مريم ابتسمت.
أيوه.
اقترب خطوة.
متأكدة؟
لأ.
ضحك بخفة.
لأ؟
متأكدة إني بحبك.
ثم قالت
لكن مش عايزة نرجع للعلاقة القديمة.
وأنا كمان.
عايزة علاقة جديدة.
من الأول؟
من الأول.
آدم مد يده.
مريم أمسكتها.
وفي اللحظة دي
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
ردت.
ألو؟
جاءها صوت رجل مسن
حضرتك مريم الشافعي؟
أيوه.
أنا كنت صديق والدك.
مريم عقدت حاجبيها.
بابا؟
أيوه.
حضرتك تعرفه منين؟
الرجل سكت لحظة، ثم قال
في حاجة والدك طلب مني أسلمها لك بعد وفاته.
مريم شعرت بقلبها يخفق.
حاجة إيه؟
ملف.
ملف؟
أيوه.
موجود فين؟
عندي.
ثم أضاف
ووالدك قال لي ما أسلمهوش غير لما أتأكد إنك بقيتي مستعدة تعرفي الحقيقة.
مريم بصت لآدم.
حقيقة إيه؟
الرجل قال
الحقيقة عن البيت القديم وعن سبب بيع والدك له قبل سنين.
مريم تجمدت.
آدم اقترب منها.
مين؟
غطت مريم سماعة الهاتف بإيدها.
واحد كان يعرف بابا.
ثم عادت للمكالمة.
حضرتك ممكن تقابلني إمتى؟
الرجل رد
بكرة الصبح.
فين؟
في الورشة القديمة بتاعة والدك.
سكت لحظة.
ثم قال
وفي حاجة تانية
إيه؟
أبوكي كان محتفظ برسالة من سنين.
رسالة من مين؟
الرجل قال
من أمك.
مريم فتحت عينيها على آخرهما.
أمها ماتت وهي طفلة.
ولأول مرة منذ عشرين سنة
ظهر شيء من الماضي كانت تظن أنه دُفن إلى الأبد.
نظرت إلى آدم.
وقالت بصوت مرتعش
آدم
أنا معاكي.
أمي كانت سايبة لي رسالة.
وهنا أدرك الاثنان
أن قصة جلال الشافعي لم تنتهِ بوفاته.
بل كانت هناك صفحة أخيرة أخفاها عن ابنته طوال حياتها
وآن أوان فتحها في صباح اليوم التالي، مريم ما نامتش تقريبًا.
فضلت طول الليل تفكر في الجملة الأخيرة
رسالة من أمك.
كانت عندها صور قليلة لوالدتها، وشال قديم، وذكريات متقطعة لطفلة عمرها 11 سنة.
لكن رسالة؟
دي أول مرة تعرف إنها موجودة.
الساعة 9 الصبح، آدم وصل.
مريم كانت مستنياه تحت البيت.
أول ما شافها قال
جاهزة؟
هزت رأسها.
مش عارفة.
ولا أنا.
ابتسمت رغم توترها.
كويس إننا متفقين على حاجة.
ركبوا العربية، واتجهوا إلى الورشة القديمة التي كان يعمل فيها جلال.
المكان كان مقفولًا من سنين.
باب حديد صدئ، وشعار قديم فوقه بالكاد يُقرأ.
عندما دخلوا، شعرت مريم كأنها رجعت طفلة.
رائحة الزيت.
صوت الأدوات القديمة.
المكتب الخشبي.
حتى الكرسي الذي كان أبوها يجلس عليه.
الرجل الذي اتصل بها كان ينتظرهم.
كان اسمه عم صبحي.
أول ما شاف مريم، قال
شبه أمك.
مريم تجمدت.
حضرتك تعرف أمي؟
صبحي أومأ.
كنت أعرفها كويس.
ليه بابا عمره ما حكالي عنك؟
الرجل تنهد.
لأن أبوكي كان بيحاول يحميكي.
أخرج من حقيبته ملفًا بنيًا قديمًا.
ووضعه أمامها.
ده كل اللي سابهولي.
مريم لم تمد يدها.
الرسالة فين؟
صبحي أخرج ظرفًا أبيض.
كان أصفر من الزمن.
وعليه اسمها بخط أنثوي
إلى مريم عندما تكبر.
بدأت أصابعها ترتعش.
دي خط أمي؟
أيوه.
أخذت الظرف.
لكنها لم تفتحه.
سألت
ليه ما وصلنيش من زمان؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى