منوعات

من الخادمة البدينة حتى أجبرت ابنتها الصغيرة على الأكل… حكايات شروق خالد

افتح بوقك.

المعلقة فضلت معلقة على بُعد سنتيمترات من وش مراد المنصوري.

تلات ثواني كاملين، محدش في المكتب قدر ياخد نفسه.

لا كبير الخدم اللي كان واقف عند الباب ماسك صينية فضية.

ولا رجالة الأمن اللي واقفين في الممر.

وبالتأكيد، مش البنت الصغيرة اللي عندها تلات سنين، واللي كانت واقفة قدام واحد من أخطر رجال الأعمال في مصر، بشراب أحمر واقع من على رجلها، وأرنبها المحشو محشور تحت دراعها.

كررت ملك عبدالسلام بإصرار:

“افتح.”

مراد المنصوري محدش أمره بحاجة من سبعتاشر سنة.

في التاسعة والتلاتين من عمره، كان مسيطر على شركات شحن ومطاعم ومقاولات وعقارات في القاهرة والإسكندرية، وفيه أعمال كتير كان المحاسبين المحترمين بيفضلوا ما يسألوش عنها بالتفصيل.

رجالة أكبر منه بسنين كانوا بيخفضوا صوتهم أول ما يدخل مكان.

ورجال أعمال ومسؤولين كانوا بيردوا على مكالماته مهما كان الوقت.

مراد عمره ما كان محتاج يزعق.

نظرة واحدة منه كانت كفاية.

لكن ملك ما كانتش تعرف أي حاجة من دي.

هي كل اللي كانت تعرفه إن طبق الشوفان اللي قدامه بدأ يبرد.

قالت وهي بتمد له المعلقة:

“لازم تاكل.”

واحد من الحراس بص لها بدهشة.

ملك لفت له وقالت:

“ماما بتقول إن التحديق في الناس عيب.”

الحارس بص في الأرض فورًا.

حاجة شبه الابتسامة ظهرت عند طرف شفايف مراد.

ملك رجعت بصت له.

“إنت كمان.”

الحارس رفع عينه باستغراب.

“أنا؟”

“إنت بتبص.”

مراد بص للطفلة.

والطفلة فضلت باصة له بثقة غريبة.

ولسبب محدش في البيت قدر يفهمه، مراد المنصوري، الرجل اللي كل الناس بتخاف منه، فتح بقه.

ملك حطت المعلقة جواه.

المكتب كله سكت.

مراد بلع.

مدت له معلقة تانية.

أكلها برضه.

وبحلول المعلقة الخامسة، واحد من رجال الأمن اللي واقف عند الباب لف وشه الناحية التانية، لأن كتافه كانت بتتهز وهو بيحاول يكتم ضحكته.

مراد لاحظ.

والراجل ده كان هيفتكر الموقف ده بعدين كويس جدًا.

ملك كشطت آخر معلقة من الطبق وحطتها في بقه.

وبعدين حطت إيديها على وسطها وقالت:

“خلاص.”

مراد بص للطبق الفاضي.

دي كانت أول مرة يخلص فطوره من سنين.

ملك مالت راسها وسألته:

“إنت ليه مبتضحكش؟”

نظرة مراد راحت ناحية جدران مكتبه.

صور عائلية قديمة.

خرائط.

خزائن مقفولة.

مكتب ضخم من الخشب.

نفوذ وفلوس وسلطة في كل حتة.

لكن مفيش أي حاجة فيها دفء.

قال بصوت هادي:

“نسيت إزاي.”

ملك فكرت في كلامه بجدية.

وبعدين قالت:

“ماما نسيت هي كمان.”

مراد رفع عينه لها.

“مامتك نسيت إيه؟”

“الضحك.”

سكت لحظة.

ملك كملت ببساطة:

“من بعد ما بابا راح السما.”

اتغيرت ملامح مراد.

ولأول مرة من سنين، ظهر شيء يشبه الألم في عينيه.

سألها بهدوء:

“وإنتِ عملتي إيه؟”

ابتسمت ملك بفخر.

“أنا صلحتها.”

“إزاي؟”

رفعت أرنبها المحشو وقالت:

“بضحكها.”

المرة دي، مراد ابتسم فعلًا.

ابتسامة صغيرة جدًا.

بالكاد ظهرت على وشه.

لكن ملك شهقت بسعادة.

“عملتها!”

وفجأة، باب المكتب اتفتح بعنف.

“ملك!”

مراد رفع عينه.

كان عارف الخادمة كويس.

سلمى عبدالسلام وقفت عند الباب بزيها الرمادي، وشعرها الأسود كان مفكوك منه خصلات بسبب الجري، ووشها كان محمر من الخوف.

بصت لبنتها.

وبعدين بصت لطبق الشوفان الفاضي.

وبعدين رفعت عينيها ناحية مراد المنصوري.

وفجأة، وشها شحب.

“يا نهار أبيض…”

ملك جريت عليها.

“ماما!”

سلمى نزلت لمستواها وحضنتها بسرعة.

وبعدين قامت وهي بتبص لمراد بتوتر.

“أنا آسفة جدًا يا فندم.”

الكلام خرج منها بسرعة.

“والله ما كنت أقصد إنها تدخل هنا. الحضانة قفلت فجأة، والست اللي بتقعد معاها اعتذرت في آخر لحظة، وأنا كنت فاكرة إني هسيبها تحت خمس دقايق بس لحد ما أخلص شغلي…”

ملك رفعت الأرنب المحشو وقالت ببراءة:

“الأرنب كان بيراقبني.”

سلمى غمضت عينيها بإحراج.

كانت عارفة كويس هي بتشتغل في بيت مين.

وعارفة إن بيت المنصوري مش مكان حد يتصرف فيه على راحته.

لكن اللي ما كانتش تعرفه إن بنتها الصغيرة، في أقل من عشر دقايق، عملت حاجة محدش قدر يعملها من سنين…

خلّت مراد المنصوري يبتسم.

وخلّته ياكل فطوره كامل.

وخلّت قلب الرجل اللي ما كانش بيثق في حد، يبدأ لأول مرة يسأل نفسه سؤالًا خطيرًا:

مين الست اللي قدرت تربي طفلة بالشجاعة دي؟

حكايات شروق خالد

مراد فضل ساكت وهو باصص لسلمى.

سلمى كانت حاسة إن الصمت ده أخطر من أي زعيق.

شدت ملك من إيدها وقالت بسرعة:

“يلا يا ملك، هننزل.”

لكن صوت مراد وقفها.

“استني.”

سلمى اتجمدت مكانها.

لفت ببطء.

“أيوه يا فندم؟”

مراد أشار للطبق الفاضي.

“بنتك عملت إيه بالظبط؟”

سلمى بصت للطبق، وبعدها لبنتها.

“هي… كانت بتحاول تخليك تاكل.”

“ليه؟”

ملك جاوبت بدل أمها:

“عشان إنت كنت جعان.”

مراد بص لها.

“عرفتي منين؟”

ملك رفعت كتافها.

“وشك كان بيقول.”

واحد من الحراس عض شفايفه عشان ما يضحكش.

مراد رمقه بنظرة واحدة، فسكت فورًا.

بعدها رجع بصره لملك.

“وشي بيقول إيه كمان؟”

ملك قربت منه أكتر، وحطت إيدها الصغيرة على خده.

“إنك زعلان.”

سلمى شهقت.

“ملك! عيب.”

لكن مراد ما اتحركش.

لأول مرة، حد لمس وشه بالطريقة دي من غير خوف.

ملك كملت:

“ومحتاج حد يقعد معاك.”

مراد سألها بصوت أهدى:

“ومين هيقعد معايا؟”

ملك أشارت لأمها.

“ماما.”

سلمى اتوترت.

“ملك، خلاص.”

لكن مراد ما كانش بيبص للطفلة دلوقتي.

كان بيبص لسلمى.

ست بسيطة.

هدومها قديمة لكن نظيفة.

وشها مرهق.

إيديها فيها آثار شغل البيت.

ومع ذلك، عينيها كانت ثابتة.

مش عيني واحدة بتجري ورا فلوس.

ولا واحدة بتحاول تستغل اسمه.

كانت عيني واحدة بتحاول تحمي بنتها وبس.

قال مراد:

“بقالك قد إيه بتشتغلي هنا؟”

“تلات شهور.”

“وليه مخبيّة بنتك؟”

سلمى بلعت ريقها.

“مش مخبياها يا فندم. بس حضرتك قلت إن العمال ممنوع يدخلوا أطفالهم البيت.”

مراد سكت.

هو فعلًا قال كده.

من سنين.

بعد حادثة حصلت لأحد العمال، قرر إن أي طفل ممنوع يدخل القصر.

لكنه ما كانش متوقع إن أول طفل يخالف القاعدة هيكون السبب في تغييرها.

ملك شدت إيد أمها.

“ماما هتمشي؟”

سلمى همست:

“لا، هننزل.”

مراد قال:

“مش هتمشي.”

سلمى رفعت عينيها بسرعة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى