
بنتي صاحبة الـ 13 سنة جابت معاها زميلتها الجعانة البيت عشان تتعشى… وبعدها ببيومين، وقعت حاجة من شنطة البنت دي — حاجة تمنيت إني مشفتهاش.
“هي هتتعشى معانا.”
نور، بنتي، ماسألتنيش.
هي قالتها كحقيقة واقعة.
كنت واقفة قدام البوتاجاز، بحاول أعمل عشا يكفي أربع أفراد.
ودلوقتي بقينا خمسة.
البنت اللي واقفة وراها كان شكلها يتمنى يختفي. لابسة هودي واسع أوي في الحر ده. جزمة دايبة. وعينيها متثبتة في الأرض.
“دي مريم،” نور قالت.
ابتسمت بالعافية. “أهلاً… هاتي أطباق.”
في سرّي، كنت بظبط النوايب والمقادير.
لحمة أقل.
رز أكتر.
يمكن محدش ياخد باله.
العشا كان هادي.
جوزي حاول يفتح كلام. مريم كانت بترد بصوت واطي، بالعافية بيتسمع.
بس أكلت.
ببطء.
وبتركيز.
وكأن كل لقمة لها قيمة كبيرة.
كانت بتشرب مية باستمرار.
وكانت بتتفزع وتتنشد من أي صوت صغير.
لما مشيت، التفتت لـ نور.
“ما ينفعش تجيب ناس البيت كده فجأة. إحنا بالعافية مكفيين نفسنا.”
“هي ما أكلتش طول اليوم.”
“ده مش…”
“كانت هتقع من طولها،” نور قالت. “باباها شغال مطحون على طول. فواتير مستشفيات. وحتى الكهربا كانت مقطوعة عندهم الأسبوع اللي فات.”
أنا سكتت.
“هي أغمى عليها في المدرسة النهاردة. وقالولها لازم تاكلي كويس. بس الوجبة الوحيدة اللي بتاكلها هي وجبة الغدا.”
قعدت على الكرسي.
أنا كنت قلقانة من حجم الأكل والنوايب.
وهي كانت مجرد بتحاول تعدي اليوم.
“هاتيها تاني،” قلت بصوت واطي.
“بكرة؟”
“أيوه.”
ورجعت تاني.
وبعدها مرة كمان.
ومرة كمان.
ولحد ما الموضوع بقى روتين.
واجبات على الترابيزة. عشا. وبعدين تمشي.
عمرها ما طلبت أي حاجة زيادة.
وعمرها ما اشتكت.
كانت بس بتاكل.
وفي ليلة من الليالي، شنطة ضهرها اتزحلقت من على كتفها ووقعت على الأرض.
في حاجة وقعت منها.
مش كتب.
ولا كشكول.
وطيت وجبتها من على الأرض.
وفي اللحظة اللي شفتها فيها…
قلبي وقف.
اللي كانت شايلاه معاها طول الوقت ده ماكانش حاجة أنا مستعدة أشوفها أبداً…
#حكايات_شروق_خالدوطيت وجبت الحجارة الصغيرة اللامعة والأكياس البلاستيك الشفافة المتطبقة بمهارة زواياها محشورة بعناية… ومعاهم ورقة صغيرة مطوية، عليها جدول مكتوب بخط إيد طفلة: أسماء أدوية وبجنبها تواريخ وساعات ومبالغ متقفلة.
اللي وقع ماكانش مجرد حاجات تخصها… كان سرها الكبير.
مسكت الورقة والأكياس الصغيرة، وبصيت لمريم. البنت كانت اتخضت، وشها جاب ألوان، وإيديها الاتنين كأنهم اتثبتوا على صدرها بتحاول تخبي الشنطة، وشفايفها بيلعثموا: “طنط… والله العظيم دي مش حاجة وحشة… والله العظيم أنا مش بعمل حاجة غلط!”
دموعها نزلت فجأة وبغزارة، صوتها كان مخنوق كأنها كانت حابسة وجع الأيام كله في حنجرتها.
نور بنتي مسكت إيدها وخافت عليها، وأنا قعدت على ركبتي قدام مريم مسكت إيديها الباردة وقلت لها بنبرة هادية جداً عشان أطمنها: “اهدي يا مريم… محدش هيزعقلك ولا هيحكم عليكِ. فهميني بالراحة، إيه الورقة دي؟ وإيه الأكياس دي؟”
مريم مسحت دموعها بكُم الهودي الواسع، وقالت بصوت يقطع القلب: “بابا… بابا عنده فشل كلوي وبيعمل غسيل تلات أيام في الأسبوع. لما الكهربا قطعت الأسبوع اللي فات الأدوية بتاعته باظت… والدكاترة قالوا لازم علاج معين بيمشي عليه كل يوم عشان جسمه يستحمل. بابا بيمشي من الفجر يشتغل سواق وساعات فاعل عشان يجمع ثمن الجلسة، وما بيبقاش فاضل فلوس للدوا.”
شورت بإيدها المترعشة على الأكياس الشفافة والورقة: “دي أكياس عينات دوا فاضية… أنا بلف بيها بعد المدرسة على الصيدليات الكبيرة، بمسح لهم الأرضيات أو أقف أساعدهم وأرتب الرفوف، والمقابل إن الصيدلي يدي لي العينات المجانية أو دوا قرب ينتهي تاريخه بس ينفع لبابا… والجدول ده أنا كاتباه عشان أعرف أوقات كل جُرعة وأعرف أجمع له باقي الدوا من الصيدليات قبل ما يخلص.”
أنا ونور كنا بنسمعها والدموع محبوسة في عينينا.
البنت دي، اللي عندها 13 سنة، اللي كنا فاكرينها مجرد بنت جعانة جاية تاكل وجبة، كانت شايلة بيت كامل على كتافها الصغيرين… كانت بتحارب العجز والفقر والمرض بعزة نفس عظيمة، بتشتغل بكرامتها عشان أباها يعيش، وبتاكل لقمة العشا عندنا بس عشان تقدر تقف على رجليها وتكمل لف على الصيدليات بعد ما تمشي من عندنا.
مسكت وشها بين إيديا وقلت لها: “يا حبيبتي… أنتِ بطلة، وأبوكي محظوظ بيكي.”
في الليلة دي، جوزي رجع من الشغل، وحكينا له كل حاجة. جوزي دبر ميعاد مع الدكتور اللي بيكشف على والده، وقدرنا مع ناس طيبين ونشطاء في الخير نوصل صوته للجمعية الطبية عشان نوفر لقصة والده علاجه وغسيله على نفقة الدولة من غير ما يحتاج يلف أو يتبهدل.
ومن اليوم ده… مريم ما بقتش مجرد زميلة نور اللي بتاكل معانا عشان جعانة. مريم بقت فرد من عيلتنا، بتاكل معانا وهي مرفوعة الراس، والشنطة التقيلة دي… أخيراً فضيت من الهم، وبقت متستفة كتب ومذاكرة بس.
#حكايات_شروق_خالد




