
ياسين جري ناحيتي.
— اتوجعتي؟
هزيت راسي.
— لأ.
— طب ليه بتعيطي؟
بصيت له وقلت:
— لأني افتكرت إني رجعت زي زمان.
قعد جنبي.
— وإنتِ فاكرة إن الرجوع معناه إنك تبقي زي زمان؟
ما رديتش.
قال:
— إنتِ مش نفس الست اللي كانت قبل الحادث.
بصيت له.
— يعني أنا ضعفت؟
هز راسه.
— لأ. بقيتي أقوى، بس بطريقتك.
مد إيده لي.
— قومي.
— مش قادرة.
— مش لازم تعملي الحركة.
سكت لحظة.
— بس لازم تقومي كل مرة تقعي فيها.
مسكت إيده.
وقفت.
وقتها فهمت إن كلامه ما كانش عن التزلج.
كان عن حياتي كلها.
بعد شهر، انتهى التحقيق.
وصدر القرار.
تم سحب كل الألقاب التي حصلت عليها داليا خلال الفترة التي ثبت فيها وجود مخالفات وتلاعب.
تم إيقافها عن المشاركة في البطولات لفترة طويلة، وبدأت إجراءات قانونية ضد الأشخاص اللي ساعدوها.
أما داليا…
فقد اختفت من المشهد تمامًا.
لكنها لم تتركني.
في إحدى الليالي، كنت راجعة من التدريب، ولقيتها مستنياني عند باب البيت.
وقفت قدامي.
من غير مكياج.
من غير غرور.
من غير فريق حواليها.
كانت أول مرة أشوفها بالشكل ده.
قالت:
— ممكن نتكلم؟
بصيت لها.
— اتفضلي.
بدأت تبكي.
— أنا كنت بغير منك.
سكت.
— من أول يوم.
بصيت لها باستغراب.
كملت:
— كنتِ دايمًا أحسن مني. الناس كانت بتحبك، المدربين كانوا واثقين فيكي، وياسين كان شايف إنك موهوبة أكتر مني.
ابتسمت بسخرية.
— فقررتي تاخدي كل حاجة مني؟
هزت راسها وهي بتعيط.
— في البداية كنت عايزة أخد مكانك بس.
ثم رفعت عينيها لي.
— لكن بعد ما وقعتي… أنا خفت.
سألتها:
— خفتي من إيه؟
قالت:
— خفت إن الحقيقة تظهر.
سكتنا.
وبعدين قلت:
— إنتِ مش جاية تعتذري.
رفعت عينيها.
— إيه؟
— إنتِ جاية عشان تخففي عن نفسك.
دموعها زادت.
قلت:
— وأنا مش مسؤولة عن راحتك.
وقفت لحظة.
— أنا سامحتك.
بصت لي مصدومة.
— بجد؟
هزيت راسي.
— آه.
ثم أضفت:
— بس المسامحة مش معناها إنك ترجعي لحياتي.
تركتها ومشيت.
لأول مرة، ما حسيتش بالذنب.
كنت حرة.
بعد مرور ستة أشهر، حصل شيء لم أتوقعه.
وصلتني دعوة من اتحاد التزلج.
كانوا بيجهزوا لبطولة جديدة.
مش كبطلة.
ولا كمتسابقة.
كانوا عايزين مني أشارك في عرض افتتاحي.
قرأت الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين رحت لياسين.
— هما عايزين مني أطلع على الجليد.
ابتسم.
— وأنا شايف إنك عايزة تطلعي.
— خايفة.
— عارف.
— ممكن أقع.
— ممكن.
— ممكن الناس تضحك.
— ممكن.
بصيت له.
— إنت مش هتقول لي ما تخافيش؟
ضحك.
— لأ.
قرب مني وقال:
— الخوف مش عيب. إنك تخلي الخوف يقرر مكانك، هو اللي هيكون خسارة.
وفي يوم البطولة، دخلت الصالة.
نفس الإضاءة.
نفس الجليد.
نفس رائحة المكان.
ولثواني، رجعتلي كل ذكريات الحادث.
إيدي بدأت ترتعش.
لكنني سمعت صوت ياسين من بعيد:
— بصيلي.
رفعت عيني.
كان واقف جنب الحلبة.
— مش للجمهور.
أخذت نفسًا.
— بصيلي أنا.
دخلت الجليد.
أول خطوة كانت صعبة.
الثانية أسهل.
وبعدها بدأت الموسيقى.
تحركت.
ببطء.
ثم أسرع.
عملت دورانًا بسيطًا.
ثم حركة كنت فاكرة إنني مش هقدر أعملها تاني.
الجمهور سكت.
ثم بدأت التصفيقات.
وفي آخر العرض، وقفت في منتصف الجليد.
بصيت للجمهور.
وبعدين بصيت لرجل كان واقف بعيد، بيصفق لي ودموعه في عينه.
ياسين.
انحنيت للجمهور.
والتصفيق زاد.
في اللحظة دي، فهمت إنني ما كنتش رجعت عشان أهزم داليا.
ولا عشان أثبت إنني أفضل منها.
رجعت عشان أسترد الجزء اللي سرقته مني الحادث.
وبعد العرض، خرجت من الصالة.
ياسين كان مستنيني.
قال:
— فخورة بنفسك؟
ابتسمت.
— لأول مرة… آه.
حضنني وقال:
— يبقى خلاص.
سألته:
— خلاص إيه؟
قال:
— انتهت الحرب.
ضحكت.
— لأ.
بصيت للجليد للمرة الأخيرة.
— دي مش حرب.
ثم مسكت إيده.
— دي كانت حياتي… وأنا أخيرًا رجعت أعيشها.
وبعد سنة، كنت واقفة على نفس الجليد، لكن المرة دي قدام جمهور أكبر.
مش كضحية.
مش كزوجة مصمم مشهور.
ومش باعتباري البطلة اللي خسرت كل حاجة.
كنت واقفة باسمي أنا.
والندبة اللي داليا حاولت تخوفني منها كانت ظاهرة.
ما غطتهاش.
لأنها ما كانتش عار.
كانت الدليل على إني وقعت…
وقمت.
وفي الصفوف الأولى، كان ياسين واقف.
ابتسم لي.
وأنا ابتسمت له.
ثم بدأت الموسيقى.
وانطلقت على الجليد.
هذه المرة، لم أكن أهرب من الماضي.
كنت أتزلج فوقه.
حكايات شروق خالد
بعد العرض الأخير، نزلت من على الجليد وأنا حاسة إن كل حاجة جوايا اتغيرت.
وقفت قدام ياسين، وهو بصلي بفخر وقال:
— عارفة إيه أكتر حاجة أنا فخور بيها؟
ضحكت وقلت:
— إني ما وقعتش؟
هز راسه.
— لأ… إنك وقعتي قبل كده، ومع ذلك رجعتي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بصيت لرجلي، للندبة اللي حاولت داليا تخليها سبب لخجلي سنين طويلة، وابتسمت.
— كنت فاكرة إن الندبة دي هتفضل طول عمري تفكرني باللي خسرته.
ياسين مسك إيدي وقال:
— وهي فعلًا هتفضل تفكرك.
بصيت له.
— بإيه؟
ابتسم.
— إنك نجيتِ.



