
وخلال دقائق، بدأت الحقيقة اللي داليا أخفتها سنين تظهر قدام الجميع.
واللي حصل بعدها خلّى داليا تنهار تمامًا، لأن ياسين ما اكتفاش بكشف كلامها.
هو كشف الحقيقة كاملة، بالحجج والتسجيلات والمستندات، قدام كل شخص كان مصدق إنها بطلة صنعت نفسها بنفسها.
وفي النهاية، لم تعد داليا هي النجمة التي يصفق لها الجميع.
أصبحت هي الشخص الذي يطالب الجميع بمحاسبته.
حكايات شروق خالد
داليا فضلت واقفة قدام الشاشات، وشها أبيض كأن الدم انسحب منه كله.
واحد من المسؤولين قرب منها وقال بحدة:
— داليا… إيه اللي بيحصل هنا؟
هي بصتله، وبعدها بصت لياسين، وبعدين عليّ.
— هو اللي عمل كده! هو عايز يضيع مستقبلي عشان خلاف عائلي!
ياسين رد بهدوء:
— أنا ما ضيعتش مستقبلك يا داليا. أنا بس بطلت أخبي الحقيقة اللي إنتِ حاولتي تدفنيها.
طلع موبايله، وشغل التسجيل.
وفجأة، صوت داليا ملأ المكان:
«مستحيل تكشف رجلها… عايزاها تقع قدام الناس كلها.»
الوجوه اتغيرت.
المسؤولين بصوا لبعض.
داليا اندفعت ناحية ياسين:
— اقفل التسجيل ده!
لكنه رفع إيده يمنعها.
— ليه؟ خايفة الناس تسمع كلامك الحقيقي؟
صرخت:
— دي كانت هزار!
ضحكت بمرارة:
— هزار؟ وإنتِ كنتِ بتخططي من أسابيع عشان تخليني أظهر قدام الناس بشكل مهين!
داليا قربت مني وقالت:
— إنتِ السبب! من يوم ما وقعتي وإنتِ بتخلي الناس تشفق عليكِ!
الجملة دي كانت أقسى من أي حاجة قالتها قبل كده.
لكن المرة دي ما انهرتش.
بصيت لها بثبات وقلت:
— أنا مش محتاجة شفقة حد.
سكت المكان كله.
رفعت طرف الفستان شوية، وظهرت الندبة القديمة على رجلي.
وقلت:
— دي مش حاجة أخجل منها. دي العلامة اللي بتفكرني إني نجيت.
ياسين ابتسم لأول مرة.
وقال:
— ودي مش كل المفاجأة.
فتح الشنطة اللي كان جايبها.
الكل قرب يشوف.
طلع منها بدلة تزلج قديمة، محفوظة بعناية، عليها رقم مشاركتي في آخر بطولة قبل الحادث.
وبعدها طلع ملف كبير.
مده لمسؤول الاتحاد.
— دي تقارير البطولة الأخيرة قبل إصابة مراتي.
الرجل بدأ يقلب في الأوراق.
— إيه علاقة ده بداليا؟
ياسين قال:
— بص على التواريخ.
بدأ الرجل يقرأ.
وفجأة تغيرت ملامحه.
— مستحيل…
داليا بدأت تتراجع.
— إيه؟
ياسين رد:
— يوم إصابتها، داليا كانت موجودة في غرفة التحكم.
بصيت له وأنا عارفة إن اللحظة دي وصلت.
قال:
— واللي محدش يعرفه إن الكاميرات سجلت كل حاجة.
داليا صرخت:
— إنت بتكدب!
ياسين شغل فيديو على الشاشة الكبيرة.
ظهر تسجيل قديم من يوم الحادث.
كنت أنا على الجليد.
وبعيد عن الكاميرات الرئيسية، ظهرت داليا وهي بتتكلم مع أحد أفراد الفريق.
ثم ظهرت لحظة تغيير صغيرة في ترتيب معدات التدريب قبل دخولي مباشرة.
أنا ما كنتش عارفة وقتها إيه اللي حصل.
لكن الفيديو كان واضح.
المسؤول وقف مذهولًا.
— مين الشخص ده؟
ياسين قال:
— ده عامل الصيانة اللي شهد بعد كده إن حد طلب منه يغيّر ترتيب الحواجز.
داليا بدأت تبكي.
— أنا ما عملتش حاجة!
ياسين رد:
— محدش قال إنك لمستي المعدات بإيدك.
ثم نظر إليها مباشرة.
— لكن عندنا تسجيل للمكالمة اللي بعدها.
وشغل تسجيل آخر.
صوت داليا كان واضحًا وهي بتقول:
«لو وقعت، أنا هاخد مكانها.»
ساد صمت مرعب.
حسيت برجلي بتترعش.
طوال تلات سنين كنت فاكرة إن الحادث مجرد حادث.
طوال تلات سنين كنت بلوم نفسي.
كنت بقول لنفسي إني أخطأت، وإن جسمي ما بقاش قوي، وإن مستقبلي انتهى بسبب غلطة مني.
لكن الحقيقة كانت قدامي.
أنا ما كنتش السبب.
داليا كانت بتخطط تاخد مكاني.
وبمجرد ما بدأ المسؤولون يستوعبوا اللي شافوه، اتفتح باب غرفة التحكم ودخلت لجنة التحقيق.
داليا انهارت على الكرسي.
— بابا مش هيخلّيكم تعملوا فيا كده!
ياسين رد:
— أبوكي مش هنا النهارده.
ثم بص لي.
— والنهارده لأول مرة، مفيش حد هيقدر يسكت الحقيقة.
بدأ التحقيق في نفس الليلة.
تم إيقاف العرض.
واتمنعت داليا من الظهور في أي فعالية تابعة للاتحاد لحين انتهاء التحقيق.
أما أنا، فخرجت من المبنى وأنا مش مصدقة إن الحمل اللي كان فوق صدري من تلات سنين بدأ يخف.
وقفت قدام باب الساحة.
الهواء كان بارد.
بصيت للجليد من بعيد.
ياسين وقف جنبي.
— خايفة؟
هززت رأسي.
— جدًا.
ابتسم.
— يبقى عندنا خطوة واحدة.
بصيت له.
— إيه؟
قال:
— ترجعي للجليد.
ضحكت وأنا بعيط.
— بعد كل ده؟ أنا حتى مش عارفة أقدر أقف عليه ولا لأ.
مد إيده لي.
— مش لازم ترجعي عشان تثبتي حاجة لداليا.
سكت لحظة.
— ارجعي عشان تثبتي لنفسك إن الحادث أخد منك سنين… بس ما أخدش منك إنتِ.
بصيت لإيده.
وبعد لحظات، مسكتها.
وفي اليوم التالي، انتشر الخبر في كل مكان.
الحقيقة ظهرت.
داليا خسرت لقبها، وتم فتح تحقيق رسمي في كل نتائجها السابقة.
والأهم من كل ده…
أنا ما بقيتش «البنت اللي اتصابت».
بقيت البنت اللي نجت.
وبعد أسابيع، دخلت صالة التدريب لأول مرة من تلات سنين.
وقفت قدام الجليد.
رجلي كانت بتوجعني.
إيدي كانت بتترعش.
لكنني دخلت.
خطوة واحدة.
ثم خطوة ثانية.
وياسين كان واقف بعيد، ساكت.
لحد ما عملت أول لفة كاملة من غير ما أقع.
وقتها سمعت تصفيقه.
رفعت عيني له.
وكان بيبتسم.
وقال:
— رجعتي.
ابتسمت وأنا بعيط.
— لأ.
وبصيت للجليد.
— أنا عمري ما مشيت أصلًا. أنا بس كنت بحاول أفتكر الطريق.
حكايات شروق خالد
بعدها بأسبوعين، بدأت التحقيقات الرسمية تاخد منحنى أخطر مما كنت متخيلة.
كل يوم كان بيظهر دليل جديد.
عامل الصيانة اعترف إن داليا كانت ضغطت عليه قبل الحادث بأيام، وطلبت منه يغيّر ترتيب الحواجز في توقيت محدد، ووعدته بمبلغ كبير مقابل إنه ما يتكلمش.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن العامل ما كانش لوحده.
كان فيه شخص تاني شاف كل حاجة.
مدربة قديمة كانت موجودة في الصالة يوم الحادث.
ولما سمعت إن التحقيق اتفتح، قررت أخيرًا تتكلم.
دخلت مكتب اللجنة، وحطت قدامهم ظرف قديم.
قالت:
— أنا سكت تلات سنين… لأني كنت خايفة.
سألها المحقق:
— خايفة من مين؟
بصت ناحية الباب، وبعدها قالت:
— من عيلة داليا.
فتحوا الظرف.
جواه نسخة من رسالة كانت داليا باعتاها لها قبل الحادث بيوم.
الرسالة كانت قصيرة، لكن معناها كان واضح.
«بعد بكرة كل حاجة هتتغير. خليكي بعيدة عن الموضوع.»
لما شفت الرسالة، إيدي تلجت.
أنا كنت فاكرة إنني عرفت كل الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت أكبر.
والأخطر إن التحقيق بدأ يكشف إن داليا ما كانتش بتتصرف لوحدها.
كان فيه ناس ساعدوها.
ناس كانوا عارفين إنني هتعرض للخطر، ومع ذلك سكتوا.
في نفس الوقت، بدأت الصحافة تتكلم عن القضية.
ناس كتير دافعوا عني.
وناس تانية حاولوا يشوهوا صورتي.
لكن ياسين كان ساكت.
لحد ما صحفي سأله قدام الكاميرات:
— إنت ليه استنيت تلات سنين عشان تكشف الحقيقة؟
ياسين رد:
— لأن مراتي كانت محتاجة وقت تتعافى، مش محتاجة تتحول لقضية في الإعلام.
ثم أضاف:
— أنا ما كنتش عايز أنتقم من داليا. كنت عايز أضمن إن مراتي ما تعيشش باقي عمرها وهي فاكرة إنها السبب في اللي حصل لها.
الكلام ده وصلني وأنا في التدريب.
ولأول مرة من سنين، حسيت إني مش لوحدي.
لكن رغم كل اللي حصل، كان عندي مشكلة أكبر.
رجلي.
كنت قادرة أقف على الجليد، لكن الحركات الصعبة كانت لسه مستحيلة.
كل ما أحاول أعمل دوران، جسمي يتجمد.
الخوف كان بيرجع.
وفي يوم، وقعت.
وقعت جامد.
فضلت قاعدة على الجليد وأنا بلهث.




