
كانت الساعة اتنين وربع بعد نص الليل، والمطر نازل على القاهرة كأنه مش ناوي يهدى.
نور كانت واقفة ورا كاونتر كافيه صغير في شارع جانبي، بتلم الكوبايات وبتحاول تفضل صاحية، رغم إنها بقالها تقريبًا تسعتاشر ساعة ما نامتش.
إيجار الشقة متأخر.
قسط الكلية متراكم.
والجزمة اللي في رجليها كانت بدأت تتقطع من تحت.
ماكانش ناقصها غير مصيبة جديدة.
وفجأة باب الكافيه اتفتح.
دخلت ست كبيرة في السن وهي بتترنح، ووشها شاحب، وهدومها غالية بشكل واضح، لكن عليها آثار مطر ودم.
نور جريت عليها قبل ما تقع.
“يا طنط! استني!”
مسكتها من دراعها وسندتها لحد ما قعدتها على كرسي.
بصت على الجاكيت الصوف الغالي اللي لابساه.
بقعة دم كبيرة كانت مغطية جنبه.
نور اتخضت.
“إنتِ متعورة؟”
الست هزت راسها بسرعة.
“الدم مش دمي.”
نور سكتت.
“يعني إيه مش دمك؟”
الست بصت ناحية الباب.
وبصوت واطي قالت:
“اقفلي الباب.”
نور بصت لها باستغراب.
“أقفله ليه؟”
“عشان لو حد دخل ورايا، ما يلاقينيش.”
نور كانت المفروض تتصل بالشرطة.
دي أول حاجة أي حد عاقل كان هيعملها.
لكن الست قدامها ماكانش شكلها مجرمة.
كانت مرعوبة.
بس مش خوف عادي.
الخوف اللي يخلي الواحد يحاول يفضل متماسك عشان لو انهار، كل حاجة هتنهار معاه.
نور قفلت الباب.
نزلت الستارة.
وبعدين عملت لها كباية شاي تقيل.
جابت بطانية صغيرة من المخزن ولفتها حواليها.
“إنتِ محتاجة مستشفى.”
“مش هروح.”
“الشرطة؟”
“برضه لأ.”
نور قعدت قدامها.
“طب قوليلي على الأقل إنتِ في خطر ولا لأ؟”
الست رفعت عينيها.
“دلوقتي… لأ.”
نور بلعت ريقها.
“أنا اسمي نور.”
الست ردت بعد لحظة:
“أنا فاطمة.”
“فاطمة إيه؟”
ابتسمت الست ابتسامة ضعيفة.
“فاطمة كفاية دلوقتي.”
أخذت رشفة من الشاي.
إيديها بدأت تهدى.
وبعدين قالت:
“ممكن أستخدم التليفون؟”
نور أشارت للتليفون الأرضي اللي جنب الحمام.
“هناك.”
قامت فاطمة، واتصلت بحد.
نور رجعت تنظف المكان، لكن ودانها كانت مركزة مع كل كلمة.
“أنا بخير.”
صمت.
“أيوه… وصلت.”
صمت تاني.
“لا، ما تجيش هنا.”
ثم قالت بصوت أخفض:
“ابني يعرف يتصرف.”
قفلت المكالمة.
وبعد حوالي عشر دقايق، ظهر نور عربيات من خلف الستارة.
عربية سوداء فخمة وقفت قدام الكافيه.
فاطمة قامت.
وقبل ما تمشي، حطت ألف جنيه تحت علبة السكر.
نور شالت الفلوس ورجعتها لها.
“لا يا طنط.”
“خديهم.”
“أنا مش باخد فلوس على كباية شاي.”
“دي مش تمن الشاي.”
“أمال إيه؟”
فاطمة بصت للبقعة اللي على الأرض.
“عشان الدم اللي نزل هنا.”
نور ردت بهدوء:
“الدم مش دمك.”
ابتسمت فاطمة.
“عشان كده إنتِ أخطر مما شكلك يقول.”
نور ضحكت بسخرية.
“أنا شغالة وردية ليلية. أخطر حاجة عندي إن ماكينة القهوة تتعطل.”
فاطمة ضحكت لأول مرة.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب.
“خلي بالك من نفسك يا نور.”
“ليه؟”
“عشان اللي ساعدتيه النهارده… ممكن ما يعرفش يعيش من غير ما يحميكي.”
نور ما فهمتش الجملة.
خرجت فاطمة تحت مظلة رجل ضخم لابس بدلة سودة.
واختفت العربيات في الشارع.
نور خلصت ورديتها.
رجعت شقتها.
نامت نوم متقطع.
وصحيت وهي مقتنعة إن اللي حصل مجرد ليلة غريبة وهتعدي.
لكن الساعة اتنين الظهر، الدنيا كلها اتغيرت.
أربع عربيات دفع رباعي سودة وقفت قدام الكافيه.
كل اللي جوه سكت.
الناس بدأت تبص لبعض.
صاحب المكان، عم حسين، شاف العربيات من الشباك، ووشه اتغير.
“يا ساتر…”
نور بصت له.
“في إيه؟”
“دول مش ناس عادية.”
نزل أربعة رجال من العربيات.
بدل غالية.
حركات هادية.
ووشوش مفيهاش أي تعبير.
دخل أكبرهم.
كان طويل، عنده ندبة فوق حاجبه، وعينيه ثابتة بشكل يخوف.
وقف قدام نور.
“نور عبدالرحمن؟”
نور عقدت دراعها.
“حسب مين بيسأل.”
قال:
“أنا مازن.”
“وأنا المفروض أعرفك؟”
“أنا جاي من عند عيلة المنصوري.”
قلب نور وقع.
“فاطمة؟”
“والدة محمود المنصوري.”
نور بصت حواليها.
الزبائن بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني.
قال مازن:
“محمود عايز يقابلك.”
نور ضحكت بتوتر.
“قول له أنا مش فاضية.”
مد إيده لجيب بدلته.
نور رجعت خطوة.
لكنه طلع كارت وحطه قدامها.
“اتصلي بالرقم ده.”
نور فضلت باصة له.
“ولو مش عايزة؟”
“يبقى محدش هيجبرك.”
الكلمة فاجأتها.
مسكت التليفون واتصلت.
رد صوت ست كبيرة.
“نور؟”
“فاطمة؟”
“أيوه.”
“ابنك باعتلي أربع عربيات ورجالة شكلهم يفتحوا فيلم أكشن.”
ضحكت فاطمة.
“محمود بيقلق بطريقة مبالغ فيها.”
“هو ناوي يقتلني؟”
سكتت فاطمة لحظة.
“لأ.”
“كويس. عشان أنا عندي وردية بليل.”
“نور، تعالي قابلية. محمود لازم يشرحلك ليه اللي حصل امبارح ممكن يخلي حياتك في خطر.”
نور سكتت.
“يعني إيه حياتي في خطر؟”
“تعالي وأنا هقولك.”
قفلت نور المكالمة.
خلعت مريلتها.
وبصت لمازن.
“لو ركبت معاكم، أنا اللي أحدد أرجع إمتى.”
هز رأسه.
“تمام.”
بعد حوالي ساعة، كانت نور واقفة قدام فيلا ضخمة في القاهرة الجديدة.
دخلت.
البيت كان هادي بشكل غريب.
وفي آخر طرقة طويلة، اتفتح باب مكتب.
كان محمود المنصوري واقف عند الشباك.
شاب في أوائل التلاتينات.
قميص أسود.
ساعة غالية.
ملامح جامدة.
لكن أكتر حاجة لفتت نظر نور كانت عينيه.
كان واضح إنه متعود الناس تسمع كلامه من غير نقاش.
لف ناحيتها.
“نور عبدالرحمن.”
ردت:
“واضح إنك عارفني كويس.”
حط ملف على المكتب.
“أربعة وعشرين سنة. كنتِ بتدرسي تمريض وسِبتي الكلية. بتشتغلي في الكافيه بالليل، وبتشتغلي ساعات في أماكن تانية عشان تسدي مصاريفك.”
نور اتعصبت.
“إنت عملت تحريات عني؟”
“أيوه.”
“ومن غير إذني؟”
“أمي اتعرضت لمحاولة قتل.”
“وأنا عملت لها شاي.”
“إنتِ خبيتيها.”
“هي طلبت مني.”
“ليه صدقتيها؟”
نور بصت له بثبات.
“عشان اللي بيكون مرعوب بالشكل ده، غالبًا بيكون عنده سبب.”
محمود فضل ساكت.
ثم قال:
“اتنين من رجالي اتقتلوا قبل ما أمي توصل للكافيه.”
نور حسّت بقشعريرة.
“واللي حاولوا يقتلوها ممكن يعرفوا إنها كانت عندي.”
“أيوه.”
“يعني أنا دخلت في الموضوع غصب عني.”
“بالضبط.”
محمود فتح درج مكتبه وطلع ظرف.
حطه قدامها.
“مئة ألف جنيه.”
نور بصت للظرف.
“دول إيه؟”
“تعويض.”
ضحكت بسخرية.
“تعويض عن إيه؟”
“عن الخطر اللي دخل حياتك بسبب عيلتي.”
“إنت فاكر الفلوس هتخليني أنسى؟”
“لأ.”
رفع عينيه لها.
“بس الفلوس هتساعدك في حاجة أقدر أصلحها.”
نور فتحت الظرف، وبصت للفلوس.
كانت محتاجاها.
بشدة.
لكنها قفلت الظرف.
“أنا هاخدهم.”
ظهر الاستغراب على وش محمود.
قالت:
“مش عشان خايفة منك. عشان أنا فعلًا محتاجة الفلوس.”
ثم أضافت:
“بس ده مش معناه إنك اشتريتني.”
محمود لأول مرة ابتسم ابتسامة صغيرة.
“واضح إنك مش سهلة.”
“وأنت واضح إنك متعود الناس تخاف منك.”
“غالبًا.”
“أنا مش منهم.”
اختفت الابتسامة.
قال محمود:
“لو حد سألك عن أمي، ما تعرفيش حاجة.”
“تمام.”
“ولو حد حاول يقرب منك…”
قاطعته:
“أتصل بالشرطة.”
وشه اتغير.
“لأ.”
نور رفعت حاجبها.
“نعم؟”
“اتصلي بمازن الأول.”
“إنت مش هتحددلي أنا أعمل إيه.”
سكت محمود.
وبعدين قال:
“عندك حق.”
نور اتفاجأت.
قال:
“اتصلي بالشرطة لو ده قرارك. بس لو كلمتي مازن الأول، ممكن ينقذك قبل ما الشرطة توصل.”
نور اتجهت للباب.
وقبل ما تخرج، سمعت صوته.
“نور.”
بصت له.
قال:
“الفلوس دي مش هتسد الدين اللي عيلتي مدينة بيه ليكي.”
“أنا مش طالبة دين.”
“لو طلبتي حاجة في يوم…”
قاطعته:
“هقولك.”
خرجت.
لكن اللي ما كانتش تعرفه إن الأيام الجاية هتخليها ترجع للمكتب ده بنفسها.
بعد حوالي أسبوعين، دخل راجل غريب الكافيه.
جاكت قديم.
إيديه مليانة جروح.
وقعد في الركن.
طلب قهوة.
وبعد دقيقة سأل:
“فاطمة المنصوري كانت هنا؟”
نور قلبها اتقبض.
عملت نفسها مش فاهمة.
“مين؟”
الراجل ابتسم.
“نور عبدالرحمن.”
سكتت.
“إنتِ.”
حط الفلوس على الترابيزة.
وقام.
خرج من غير ما يشرب القهوة.
نور فضلت مكانها ثواني.
وبعدين فهمت.
الخطر لحقها.
مسكت شنطتها وخرجت من الباب الخلفي.
مشت بسرعة.
لكن بعد تلات شوارع سمعت خطوات وراها.
خطوة.
خطوة تانية.
بعدين صوتين.
أسرعت.
والخطوات أسرعت.
دخلت ممر ضيق جنب مغسلة قديمة مقفولة.
فجأة إيد مسكت كتفها.
لفت نور وغرزت مفاتيحها في رقبة الراجل.
صرخ.
لكن الراجل التاني هجم عليها.
حاولت تجري.
رجلها زحلقت على الميه.
وقعت على الأرض.
ضربة قوية في ضلوعها خلت نفسها يختفي.
مسكها الرجل من هدومها.
“كان المفروض تجاوبينا.”
رفع إيده.
لكن قبل ما يضربها…
طلع صوت قوي من آخر الممر.
وقع الرجل على الأرض.
نور كانت بتتنفس بصعوبة.
رفعت عينيها.
مازن كان واقف هناك.
سلاحه في إيده، وعينيه عليها.
قرب منها من غير ما يلمسها.
“تقدري تقفي؟”
نور حاولت تتحرك.
“مش عارفة.”
انحنى قليلًا.
“شقتك اتفتشت من عشرين دقيقة.”
نور اتجمدت.
“إيه؟”
“الناس دي وصلوا لبيتك.”
“أختي…”
“أختك عند خالتك من امبارح؟”
نور بصت له.
“أيوه.”
“كويس.”
مد إيده ناحية العربية اللي كانت واقفة عند أول الشارع.
“تعالي.”
نور ما اتحركتش.
“على فين؟”
“مكان آمن.”
“فين محمود؟”
“مستنيك.”
نور ضحكت رغم الألم.
“طبعًا.”
مشت خطوتين، وبعدين وقفت.
بصت لمازن.
“أنا لو ركبت العربية دي، محدش هيجبرني أعمل حاجة؟”
“لأ.”
“ومحمود؟”
“هيحاول.”
نور ابتسمت رغم خوفها.
“يبقى هنختلف.”
فتحت باب العربية بنفسها وركبت.
وهي ما كانتش تعرف إن اللحظة دي كانت بداية الحكاية الحقيقية.
لأن محمود المنصوري، أخطر رجل في عالم الجريمة بالقاهرة، كان لأول مرة يقابل امرأة لا تطلب حمايته…
بل ستطلب منه أن يدفع ثمن كل شيء بطريقتها هي.
حكايات شروق خالد
أول ما العربية وقفت قدام الفيلا، نور نزلت وهي حاطة إيدها على جنبها.
كانت الضربة لسه بتوجعها، لكن أكتر حاجة كانت مضايقاها إن محمود واقف عند مدخل البيت مستنيها.
كان لابس قميص أبيض، وأكمامه مرفوعة لحد كوعه، وملامحه جامدة بشكل يخلي أي حد يتوتر.
لكن نور ما اهتمتش.
دخلت وهي بتقول:
“فين أختي؟”
محمود رد فورًا:
“عند خالتك، زي ما قال مازن.”
“إنت متأكد؟”
“أيوه.”
“طيب كويس.”
كانت هتمشي، لكنه وقف قدامها.
“استني.”
نور رفعت عينيها.
“أنا تعبانة.”
“الدكتور مستني.”
“أنا مش محتاجة دكتور.”
محمود بص على إيدها اللي كانت ضاغطة على ضلوعها.
“إنتِ واقعة على الأرض واتضربتي، وبتقولي مش محتاجة دكتور؟”
“أيوه.”
“نور.”
“محمود.”
سكتوا الاتنين.
مازن كان واقف بعيد، وحاول يخفي ابتسامة صغيرة.
نور بصت له.
“إنت بتضحك على إيه؟”
“ولا حاجة.”
محمود قال بحدة:
“مازن.”
اختفت الابتسامة فورًا.
نور بصت لمحمود.
“إنت دايمًا بتخوف الناس كده؟”
“غالبًا.”
“غلط.”
“إزاي؟”
“عشان الناس اللي بتخاف منك بتقول لك اللي إنت عايز تسمعه.”
اقترب محمود خطوة.
“وإنتِ؟”
“أنا بقول اللي أنا شايفاه.”
ثبت عينيه عليها.
“وده سبب إنك لسه عايشة.”
نور ضحكت بسخرية.
“ولا يمكن عشان أنا بعرف أدافع عن نفسي.”
“إنتِ استخدمتي مفاتيحك.”
“وكانوا شغالين.”
لأول مرة، ظهر شيء يشبه الإعجاب في عينيه.
لكن نور ما أخدتش بالها.
دخل الدكتور.
فحص ضلوعها، وطلب منها تعمل أشعة.
وبعد أقل من ساعة، كانت قاعدة في غرفة صغيرة، والطبيب بيقول:
“مفيش كسر، بس في كدمة قوية. لازم ترتاح يومين.”
نور تنفست براحة.
“تمام. أقدر أرجع شغلي بكرة.”
محمود كان واقف عند الباب.
قال:
“لأ.”
نور بصت له.
“هو أنا سألتك؟”
الدكتور حاول يخفي ضحكته.
“هي محتاجة راحة فعلًا.”
نور أشارت لمحمود.
“أنا هسمع كلام الدكتور، مش كلامك.”
قال محمود:
“براحتك.”
خرج.
بعد دقيقة، دخل مازن.
“محمود عايزك تفضلي هنا الليلة.”
نور بصت له.
“بلغه إني مش هفضل.”
“هو متوقع ده.”
“أمال قال ليه؟”
“عشان يشوف هتوافقي ولا لأ.”
نور قامت.
“أنا همشي.”
مازن وقف قدامها.
“نور، برا الفيلا في ناس بتحرس المكان. لكن اللي حصل النهارده معناه إنهم قربوا منك أكتر مما توقعنا.”
سكتت.
“مين دول؟”
“ناس عندها ثأر قديم مع عيلة المنصوري.”
“وفاطمة؟”
“فاطمة كانت جزء من سبب الثأر.”
نور اتوترت.
“إزاي؟”
مازن بص ناحية الباب.
“ده سؤال محمود هو اللي لازم يجاوبك عليه.”
في اللحظة نفسها، دخل محمود.
قال:
“لأن أمي كانت السبب في موت شخص مهم بالنسبة لهم.”
نور قامت.
“قتلت؟”
“لا.”
“أمال؟”
“اتخذت قرارًا تسبب في موته.”
“يعني إيه؟”
محمود سكت للحظة.
ثم قال:
“من عشرين سنة، أبويا كان داخل في صفقة كبيرة. الصفقة فشلت. واحد من شركائه اتقتل. عيلته اتدمرت.”
“وإيه علاقة أمك؟”
“هي كانت تعرف إن الصفقة فيها خيانة.”
“وسكتت؟”
“حاولت تمنع أبويا.”
“وفشلت.”
“أيوه.”
نور فضلت ساكتة.
ثم قالت:
“يعني كل ده بسبب حاجة حصلت من عشرين سنة؟”
“الثأر مبيكبرش بالعمر.”
“بس أنا مالي؟”
محمود قرب منها.
“إنتِ مالكيش ذنب.”
“أمال ليه أنا؟”
“لأن أمي اختارتك.”
نور عقدت حاجبيها.
“اختارتني ليه؟”
“مش عارف.”
“إنت ابنها ومش عارف؟”
“هي مش بتقول كل حاجة.”
سكتت نور.
وبعدين قالت:
“أنا عايزة أكلمها.”
محمود هز رأسه.
“مش دلوقتي.”
“ليه؟”
“لأنها مش هنا.”
“فين؟”
“مكان آمن.”
“أنا مش هنام هنا وأنا معرفش الحقيقة.”
محمود نظر لها طويلًا.
ثم قال:
“تعالي.”
مشى قدامها لحد مكتبه.
فتح درج سري، وطلع ظرف قديم.
حطه قدامها.
“ده وصلني من أمي قبل ما تختفي.”
نور فتحته.
جواه صورة قديمة.
كانت فاطمة واقفة جنب رجل في منتصف العمر، ورجل تاني شاب.
قلبت الصورة.
على ضهرها كان مكتوب:
“لو حصل لي حاجة، ابحثوا عن البنت اللي اسمها نور.”
نور رفعت عينيها بسرعة.
“أنا؟”
محمود ما ردش.
“ليه اسم نور مكتوب هنا؟”
“ده اللي أنا بحاول أعرفه.”
قلبها بدأ يدق بسرعة.
“إنت عارف حاجة عن أبويا؟”
لأول مرة تغيرت ملامح محمود.
“أبوك كان اسمه إيه؟”
“عبدالرحمن.”
“اسمه بالكامل؟”
قالت:
“عبدالرحمن سالم.”
محمود اتجمد.
نور لاحظت.
“إنت تعرفه.”
لم يرد.
صرخت:
“محمود!”
رفع عينيه إليها.
“أبوكي كان شريك لأبويا.”
نور حسّت إن الأرض اتحركت تحت رجليها.
“إيه؟”
“وكان موجود يوم الصفقة اللي دمرت العيلتين.”
“بس أبويا مات وأنا صغيرة.”
“أنا عارف.”
“إنت عارف منين؟”
محمود أخذ نفسًا طويلًا.
“لأن أبويا هو اللي قال لي.”
نور تراجعت خطوة.
“يعني عيلتك كانت تعرف أبويا؟”
“أيوه.”
“وفاطمة كانت تعرفه؟”
“أيوه.”
“وهي عارفة أنا مين؟”
سكت.
صرخت:
“جاوبني!”
قال بهدوء:
“أيوه.”
دموع الغضب لمعت في عينيها.
“طب ليه محدش قالي؟”
“لأننا ما كناش نعرف إنك لسه عايشة.”
نور شهقت.
“يعني إيه؟”
محمود قرب منها.
“الملفات القديمة كانت بتقول إن بنت عبدالرحمن ماتت معاه.”
“وأنا؟”
“إنتِ كنتِ الطفلة اللي اختفت.”
سكتت نور.
كل حاجة بدأت تدور في دماغها.
أبوها.
فاطمة.
عيلة المنصوري.
الدم.
والرجال اللي حاولوا يقتلوها.
قالت بصوت ضعيف:
“أنا مش فاهمة.”
محمود مد إيده للصورة.
“ولا أنا.”
ثم أضاف:
“لكن في شخص واحد ممكن يعرف الحقيقة كاملة.”
“مين؟”
نظر إليها.
“عمك.”
نور عقدت حاجبيها.
“أنا معنديش أعمام.”
“عندك.”
“إنت متأكد؟”
“أيوه.”
“مين؟”
محمود سكت للحظة.
ثم قال:
“الراجل اللي بيحاول يقتلك من أسبوعين.”
نور تجمدت.
“إنت بتقول إيه؟”
“اسمه سامح.”
“سامح مين؟”
“سامح سالم.”
نور وضعت يدها على فمها.
“أخو أبويا؟”
“أيوه.”
سقط الصمت بينهما.
وفجأة رن هاتف محمود.
نظر للشاشة.
تغير وجهه.
رد:
“اتكلم.”
جاء صوت مازن من الطرف الآخر:
“محمود، عندنا مشكلة.”
“إيه؟”
“الفيلا اتضربت من الناحية الشرقية.”
محمود وقف فورًا.
“الست فاطمة؟”
“مش هنا.”
“نور؟”
مازن سكت.
محمود بص ناحية نور.
“فين نور؟”
جاء صوت مازن:
“كانت معاك من شوية.”
محمود لف.
المكان كان فاضي.
باب المكتب مفتوح.
نور اختفت.
وعلى المكتب، كان فيه ورق صغير.
محمود أخده.
فتح الورقة.
وكان مكتوب بخط نور:
“لو عايز تعرف ليه عيلتك وعيلتي اتدمروا… متدورش عليا.”
وتحت الجملة كلمة واحدة:
“سامح.”
شد محمود الورقة في إيده.
لأول مرة من سنين، ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
وقال:
“اقفلوا كل مداخل القاهرة.”
مازن رد:
“حاضر.”
محمود بص للباب.
“أنا هجيبها بنفسي.”
لأنه فهم حاجة واحدة.
نور ما اختفتش.
نور راحت تواجه الحقيقة.
ولو سامح وصل لها قبله…
فالمرة دي، مش هيكون فيه وقت ينقذها.
حكايات شروق خالد
في نفس اللحظة، كانت نور قاعدة في عربية قديمة ماشية على طريق الزراعي، وإيديها متكتفة قدامها.
الراجل اللي سايق كان ساكت.
ونور كانت بتبص من الشباك، بتحاول تفتكر إزاي وصلت هنا.
آخر حاجة فاكرها إنها خرجت من مكتب محمود عشان تشرب مية.
بعدها سمعت صوت من وراها.
وبعدين إيد اتحطت على بوقها.
ولما فتحت عينيها، كانت في العربية.
نور حاولت تبين إنها مش خايفة.
قالت:
“إنت سامح؟”
الراجل اللي جنبها ضحك.
“سمعتي عني كتير.”
“عمي؟”
سكت.
وبعدين قال:
“أيوه.”
نور بلعت ريقها.
“أبويا كان يعرفك؟”
“أبوك كان أخويا.”
“ليه عمري ما سمعت عنك؟”
“لأن أبوكي كان عايز يبعدك عن كل ده.”
“عن إيه؟”
سامح شد على الدركسيون.
“عن عيلة المنصوري.”
نور بصت له.
“محمود قال إن أبويا كان شريك لأبوه.”
“كان شريكه.”
“وكان فيه خيانة.”
سامح ضحك بمرارة.
“محمود قال لك نص الحقيقة.”
“قول الباقي.”
“أبوك ما خانش حد.”
نور سكتت.
“اللي خان كان أبو محمود.”
“إنت متأكد؟”
“أنا كنت هناك.”
نور قربت منه.
“إيه اللي حصل؟”
سامح أخذ نفسًا طويلًا.
“أبو محمود كان داخل صفقة مع ناس كبار. الفلوس كانت ضخمة. لكن الصفقة اتسرقت.”
“مين سرقها؟”
“أبو محمود.”
نور اتصدمت.
“وبعدين؟”
“اتقتل واحد من شركائه، وأبوك حاول يفضح الحقيقة.”
“فقتلوه؟”
سامح ما ردش.
دموع نور نزلت رغمًا عنها.
“أبويا مات بسببهم.”
“أيوه.”
“وإنت؟”
“كنت جبان.”
بصت له.
“جبان؟”
“هربت.”
“وسبت أخوك؟”
“كنت عارف إن لو فضلت، هتموت عيلتي كلها.”
نور مسحت دموعها.
“طب ليه بتحاول تقتلني؟”
سامح بص لها في المراية.
“أنا ما حاولتش أقتلك.”
“إيه؟”
“الناس اللي هاجموكي مش رجالي.”
نور اتجمدت.
“أمال مين؟”
قبل ما يرد، سمعوا صوت عربيات وراهم.
سامح بص في المراية.
أربع عربيات سوداء ظهرت من بعيد.
قال:
“محمود.”
نور قلبها دق بسرعة.
“إنت كنت متوقع إنه هيلحقنا؟”
سامح ابتسم.
“أنا كنت مستنيه.”
“ليه؟”
“لأن الحقيقة مش هتظهر غير لما هو يسمعها.”
العربيات قربت.
وفجأة عربية سوداء عدت من جنبهم وقطعت عليهم الطريق.
سامح فرمل بعنف.
نور اتخبطت في الكرسي.
الأبواب اتفتحت.
رجال محمود نزلوا بسرعة.
لكن محمود نفسه كان أول واحد وصل للعربية.
فتح الباب الخلفي.
ولما شاف نور، عينيه ارتاحت للحظة.
“نور.”
صرخت:
“محمود، استنى!”
كان سامح لسه جوه العربية.
خرج ببطء.
محمود رفع سلاحه.
“إبعد عنها.”
سامح رفع إيده.
“لو كنت عايز أقتلها، كانت ماتت من ساعة.”
محمود بص لنور.
“إنتِ كويسة؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“لمسك؟”
“لأ.”
محمود بص لسامح.
“اتكلم.”
سامح ضحك.
“أخيرًا عايز تسمع.”
محمود شد فكه.
“قول.”
سامح أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
“ده كان مع عبدالرحمن يوم موته.”
محمود أخده.
فتحه.
كانت جواه أوراق وحسابات بنكية وأسماء.
نور قربت.
“إيه ده؟”
سامح قال:
“دليل إن أبو محمود هو اللي سرق الفلوس.”
محمود قلب الأوراق بسرعة.
ملامحه تغيرت.
“ده مستحيل.”
“ليه؟”
“أبويا مات قبل ما الملف ده يظهر.”
“مات قبل ما الناس تعرف الحقيقة.”
سامح أشار لآخر ورقة.
“بص على التوقيع.”
محمود نظر.
وبعدين اتجمد.
التوقيع كان توقيع والده.
نور قالت:
“يعني أبويا كان بريء.”
سامح رد:
“أبوك حاول يرجع الفلوس لأصحابها.”
“وفاطمة؟”
سامح سكت.
نور بصت له.
“فاطمة كانت تعرف؟”
“أيوه.”
“ليه سابتني؟”
سامح هز رأسه.
“هي ما سابتكيش.”
نور بصت له بعدم تصديق.
“أمال إيه اللي حصل؟”
قال:
“فاطمة هي اللي أنقذتك.”
محمود رفع عينيه.
“إيه؟”
“لما أبوكي مات، الناس اللي كانوا ورا الصفقة كانوا بيدوروا عليكي عشان يخلصوا من أي وريث ليه.”
سامح بص لنور.
“فاطمة خبتك عند عيلة تانية.”
نور شهقت.
“يعني…”
“أيوه. الست اللي ربتك كانت بتاخد فلوس من فاطمة عشان تحميكي.”
نور بدأت تبكي.
“طب ليه محدش قال لي؟”
سامح قال:
“لأن فاطمة كانت خايفة لو عرفتي الحقيقة، ترجعي تدوري على حق أبوكي.”
محمود كان ساكت.
نور بصت له.
“إنت كنت تعرف؟”
“لأ.”
“أمك عارفة أنا مين من زمان.”
“أيوه.”
“وأنا كنت فاكرة إنها مجرد ست قابلتها صدفة.”
محمود قرب منها.
“أنا آسف.”
نور رفعت عينيها له.
“إنت مالكش ذنب.”
“بس عيلتي…”
قاطعته:
“أنا مش هحاسبك على ذنب أبوك.”
محمود بص لها طويلًا.
سامح قال:
“لسه في حاجة.”
التفتوا له.
“مين؟”
قال:
“الراجل اللي قتل أبوكي مش أبو محمود.”
محمود شد أعصابه.
“مين؟”
سامح أخرج صورة.
كانت صورة قديمة لرجل يقف بجانب أبو نور.
نور أخذتها.
وشها شحب.
“ده…”
محمود بص للصورة.
“مين؟”
نور همست:
“الراجل اللي كان بييجي عند بيتنا وأنا صغيرة.”
سامح قال:
“اسمه شريف العشماوي.”
محمود عرف الاسم فورًا.
“هو اللي ماسك الشبكة اللي بتحاول تقتل أمي.”
سامح هز رأسه.
“وهو اللي قتل عبدالرحمن.”
نور سكتت.
ثم قالت:
“أنا عايزة أواجهه.”
محمود رد فورًا:
“لأ.”
نور بصت له.
“مش هطلب إذنك.”
“الموضوع خطر.”
“وأنا عشت عمري كله من غير ما أعرف الحقيقة.”
“نور…”
“المرة دي هعرف.”
محمود قرب منها.
“لو دخلتي الحرب دي، مفيش رجوع.”
نور رفعت رأسها.
“أنا أصلًا دخلتها من يوم ما فتحت باب الكافيه لفاطمة.”
سكت محمود.
ثم قال:
“يبقى مش هتدخليها لوحدك.”
نور بصت له.
“إنت هتساعدني؟”
“هحميكي.”
“أنا مش عايزة حراسة.”
“مش بس حراسة.”
اقترب أكثر.
“هقف جنبك.”
كانت أول مرة نور تشوف في عينيه حاجة غير السيطرة.
كان فيها خوف عليها.
وخوف من فقدانها.
لكن قبل ما ترد، رن هاتف محمود.
رد.
“أيوه؟”
جاء صوت مازن:
“محمود… فاطمة رجعت.”
محمود تنفس براحة.
ثم تغير صوته.
“فين؟”
“في البيت.”
“متأكد؟”
“أيوه.”
محمود قفل المكالمة.
نور سألت:
“أمي…”
ثم توقفت.
“فاطمة.”
محمود ابتسم لأول مرة بصدق.
“تعالي.”
لكنهم لم يعرفوا أن فاطمة لم تكن وحدها.
في نفس الوقت، كانت فاطمة جالسة في الفيلا، أمامها رجل غريب.
وضعت يدها على الطاولة وقالت:
“أنت تأخرت يا شريف.”
ابتسم الرجل.
“كنت مستني نور تكبر.”
فاطمة نظرت إليه بغضب.
“إنت وعدتني إنك هتسيبها.”
ضحك.
“وعدتك.”
ثم أضاف:
“بس أنا غيرت رأيي.”
رفعت فاطمة رأسها.
“لو قربت منها، محمود مش هيسيبك.”
ابتسم شريف.
“أنا مش خايف من محمود.”
ثم أخرج هاتفه.
ووضعه أمامها.
على الشاشة كانت صورة نور ومحمود معًا.
وقال:
“أنا خايف من حاجة واحدة.”
“إيه؟”
“إن نور تعرف مين أبوها الحقيقي.”
اتسعت عينا فاطمة.
لأنها كانت تعرف الحقيقة.
نور لم تكن ابنة عبدالرحمن وحده.
وكان سر نسبها أخطر من كل الأسرار التي أخفتها العائلة لمدة خمسة وعشرين عامًا.
حكايات شروق خالد
بعد ساعات قليلة، وصلت نور مع محمود إلى الفيلا.
كانت فاطمة قاعدة في الصالة، ووشها شاحب.
أول ما شافت نور، قامت.
“نور.”
نور جريت عليها.
“إنتِ كويسة؟”
حضنتها فاطمة بقوة، ودموعها نزلت.
“أنا آسفة.”
نور بعدت عنها.
“على إيه؟”
فاطمة بصت لمحمود، ثم رجعت بصت لنور.
“على كل حاجة.”
قالت نور:
“أنا عرفت إنك كنتِ تعرفي أبويا.”
“كنت أعرفه.”
“وإنك أنقذتيني بعد موته.”
هزت فاطمة رأسها.
“أيوه.”
“طب ليه ما قولتيليش؟”
“كنت خايفة عليكي.”
“من مين؟”
فاطمة سكتت.
ثم قالت:
“من شريف.”
دخل محمود في اللحظة دي.
“شريف العشماوي.”
فاطمة أغمضت عينيها.
“أيوه.”
قال محمود:
“هو هنا؟”
هزت رأسها.
“كان هنا.”
“فين؟”
“هرب.”
ثم أضافت بصوت مرتعش:
“بس قبل ما يمشي، قال لنور إنها مش بنت عبدالرحمن.”
نور تجمدت.
“إيه؟”
محمود قرب منها.
“ما تسمعيش له.”
فاطمة أمسكت يد نور.
“نور… أبوكي الحقيقي هو عبدالرحمن.”
تنفست نور براحة.
لكن فاطمة أكملت:
“وشريف كان بيحاول يخليكي تشكي في نسبك عشان يدمرك نفسيًا.”
نور بدأت تبكي.
“يعني كل اللي قاله كذب؟”
“أيوه.”
دخل مازن بسرعة.
“محمود، لقينا مكان شريف.”
محمود بص لنور.
“خليكي هنا.”
هزت رأسها.
“لأ.”
“نور.”
“أنا جاية.”
“ده مش مكان ليكي.”
“أنا تعبت من الناس اللي بتقرر مصيري.”
محمود سكت.
ثم قال:
“تمام. بس هتفضلي ورايا.”
بعد ساعة، وصلوا إلى مخزن قديم على أطراف القاهرة.
دخل محمود ورجاله.
لكن المكان كان فاضي.
إلا من شريف.
كان واقف في آخر المخزن، مبتسمًا.
“أخيرًا.”
محمود رفع سلاحه.
“انتهى كل شيء يا شريف.”
ضحك.
“إنت فاكر؟”
ثم نظر إلى نور.
“اسألي محمود عن أبوه.”
نور قالت:
“أنا عرفت الحقيقة.”
ابتسامته اختفت.
“إيه؟”
“عرفت إن أبويا كان بريء.”
“وعرفت إنك قتلت عبدالرحمن.”
تغير وجهه.
محمود قال:
“انتهت اللعبة.”
شريف رفع سلاحه.
لكن قبل ما يضغط الزناد، انطلقت رصاصة من جانب آخر.
سقط سلاحه.
دخلت الشرطة من الباب.
كان مازن قد أبلغهم بكل الأدلة التي وجدها.
تم القبض على شريف، ومعه مستندات تثبت جرائمه، والصفقة القديمة، ومحاولات قتل فاطمة ونور.
بعد شهور، ظهرت الحقيقة كاملة.
تمت تبرئة اسم عبدالرحمن رسميًا.
وفاطمة اعترفت بكل شيء.
أما محمود، فبدأ يبعد نفسه تدريجيًا عن عالم الجريمة الذي ورثه عن أبيه.
باع بعض ممتلكاته، وسلّم ملفات قديمة للشرطة، وأنهى أعمالًا كثيرة كانت مرتبطة بالفساد.
نور رجعت تكمل دراستها.
وبعد سنة، فتحت عيادة تمريض صغيرة في منطقتها.
وفي أول يوم، دخل محمود يحمل باقة ورد.
قالت نور:
“إنت جاي تعمل إيه؟”
“أزور المريضة.”
“مين المريضة؟”
ابتسم.
“أنا.”
ضحكت.
“إنت مفيكش حاجة.”
“عندي مشكلة.”
“إيه؟”
اقترب منها.
“كل ما بشوفك، قلبي بيدق بسرعة.”
نور هزت رأسها.
“دي مش مشكلة. دي عقوبة.”
ضحك.
ثم أخرج من جيبه ورقة.
كانت قديمة، لكنها محفوظة بعناية.
قال:
“فاكرة الدين اللي قلتي هتطالبي بيه وقت ما تحبي؟”
نور أخذت الورقة.
“أيوه.”
“قولي عايزة إيه.”
نظرت له.
ثم ابتسمت.
“عايزة حياة عادية.”
سكت محمود.
“وأنا؟”
“إنت جزء من الحياة دي.”
اقترب منها.
“يعني ده طلبك؟”
“لأ.”
“أمال؟”
مدت يدها.
“عايزة منك وعد.”
أمسك يدها.
“وعد بإيه؟”
“إنك عمرك ما تستخدم قوتك ضدي، وإنك لو خفت عليا، تتكلم معايا بدل ما تقرر عني.”
ضغط على يدها.
“وعد.”
بعدها بعام، اتجوز محمود ونور في حفل بسيط حضرته فاطمة ومازن وأقرب الناس إليهم.
ولما انتهى الحفل، وقفت نور للحظة أمام باب الكافيه القديم.
نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
نفس الطاولة.
نفس علبة السكر.
لكن حياتها كانت مختلفة تمامًا.
دخل محمود من خلفها.
“بتفكري في إيه؟”
ابتسمت.
“في ست غريبة دخلت هنا الساعة اتنين الصبح، وأنا كنت فاكرة إني بساعدها بخمس دقايق شاي.”
“وطلعوا أغلى خمس دقايق في حياتك.”
ضحكت.
“وأخطرهم.”
ضم يدها بين يديه.
“بس لو رجع بيكي الزمن…”
نظرت إليه.
“هساعدها برضه.”
ابتسم محمود.
“وأنا كنت هقابل الست دي وأطلب منها تبعد عنك.”
“ليه؟”
“عشان من أول يوم شوفتك فيه، عرفت إنك أخطر من كل الناس اللي أنا قضيت عمري بخاف منهم.”
ضحكت نور.
“وأنت؟”
“أنا إيه؟”
“ندمت إنك قابلتني؟”
هز رأسه.
“أبدًا.”
ثم قبل جبينها.
وخارج الكافيه، كانت القاهرة مستمرة في ضجيجها المعتاد.
لكن بالنسبة لنور، كل شيء أصبح هادئًا أخيرًا.
لأنها لم تعد البنت اللي كانت بتشتغل وردية ليلية وتخاف من الغد.
ولم يعد محمود الرجل الذي يعتقد أن المال والقوة يقدروا يحلوا كل شيء.
هي وجدت عيلتها.
وهو وجد الإنسانة الوحيدة التي جعلته يفهم أن الحب مش امتلاك…
الحب إنك تختار الشخص كل يوم، وتسيبه يختارك من غير خوف.
أما الدين الذي كانت نور قد وعدته أنها ستجمعه يومًا، فقد سدد محمود آخر جنيه منه بالطريقة الوحيدة التي قبلتها.
لم يشترِ حريتها.
ولم يشترِ حبها.
بل أعطاها قلبه، وترك لها كامل الحق في أن تقرر إن كانت ستحتفظ به.
واحتفظت به.
لآخر العمر.
“أنقذت ست غريبة من الموت…
حكايات شروق خالد




