
القهوة.
— إنت بتعمل كل ده ليه؟
— الناس ما بتتبعش أرقام غلط، وتجيب دوا لناس غرباء، وتيجي بفطار.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— يمكن أنا مش زي أغلب الناس.
— إنت مين بالظبط يا ياسين؟
سكت.
ثم مال للأمام.
— خلينا نقول إن رسالة غلط وصلت للشخص الصح.
— وأنا مش فاهمة.
— هتفهمي.
عيناه ثبتت في عيني.
— لكن قبل ما تفهمي، لازم تعرفي حاجة.
— إيه؟
اقترب قليلًا.
— من اللحظة اللي بعتِ فيها الرسالة دي…
توقف.
ثم قال:
— إنتِ بقيتي تحت حمايتي.
بصيت له بصدمة.
— وأنا ما طلبتش حمايتك.
ابتسم بهدوء.
— عارف.
ثم نظر إلى ليلى.
— بس في ناس تانية كانت مستنية الرسالة دي توصل.
اتجمدت.
— ناس مين؟
ياسين لم يجب.
فقط نظر من خلال زجاج العربية إلى رجل يقف بعيدًا في آخر الشارع.
ثم قال بصوت منخفض:
— الناس اللي كانت بتدور عليكي من 5 سنين.
— حكيمة.
قالها بهدوء، لكن عينيه فضلوا ثابتين عليّ.
ضمّيت صوابعي حوالين فنجان القهوة.
— الحكمة دي اسمها إني اتعلمت ما أثقش في حد بسهولة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— وأنا ما طلبتش منك تثقي فيّ.
— أمال إيه اللي بتعمله؟
لأول مرة، سكت ياسين المنصوري كام ثانية.
وبعدين قال:
— بحاول أتأكد إنك وإنتِ بنتك هتفضلوا بأمان.
ضحكت بسخرية خفيفة.
— من إيه؟
ملامحه اتغيرت.
رجع بظهره للكرسي، وبص من الشباك على الشارع.
— من ناس ما ينفعش تعرفي عنهم حاجة.
قلبي دق أسرع.
— يعني إيه؟
ياسين ما ردش.
بص على السواق اللي كان مركز في الطريق، وبعدين رجع بص لي.
— إمبارح، الرسالة اللي وصلتك بالغلط ما كانتش هي الحاجة الوحيدة اللي حصلت بالغلط.
اتجمدت.
— مش فاهمة.
— الرقم اللي بعتيله كان المفروض يوصل لحد تاني.
— مين؟
— شخص كان بيدور على وسيلة يتواصل معايا من غير ما حد يعرف.
عبست.
— وإنت شايف إن ده له علاقة بيا؟
— دلوقتي؟ آه.
شدّيت ليلى ناحيتي.
— أنا مش عايزة مشاكل.
— وأنا مش عايزك تدخلي في مشاكل.
— طب ليه جيت لحد باب بيتي؟
بص لي مباشرة.
— لأن بعد ما قريت رسالتك، عرفت إنك مش مجرد واحدة غلطت في رقم.
— أومال أنا إيه؟
صوته بقى أوطى.
— إنتِ واحدة حد كان بيدور عليها من غير ما تعرف.
سكتُّ.
حسيت إن العربية بقت أضيق فجأة.
ليلى كانت مشغولة بالكرواسون، ولا عندها أي فكرة إن الدنيا حوالينا بدأت تتغير.
قلت بصوت مرتعش:
— مين بيدور عليّ؟
ياسين ما جاوبش فورًا.
وبعدين مد إيده ناحية جيبه وطلع صورة صغيرة.
حطها على الطاولة.
— تعرفي الراجل ده؟
بصيت للصورة.
راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة غامقة، واقف قدام مبنى قديم.
هزيت راسي.
— لأ.
ياسين قلب الصورة.
كان مكتوب وراها اسم واحد.
حمدي الشناوي.
— مين ده؟
— واحد من أخطر الناس اللي قابلتهم في حياتي.
رفعت عيني له.
— وإيه علاقته بيا؟
— دي المشكلة.
سحب الصورة ناحيته.
— لسه مش عارف.
وفجأة موبايله رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتبدلت في ثانية.
— أيوه.
سكت يسمع.
ثم قال:
— متأكد؟
الصوت اللي جاي من الناحية التانية كان عالي كفاية إني أسمع نبرته من غير ما أفهم الكلام.
ياسين وقف.
— اقفل كل المخارج.
سكت لحظة.
— ولا حد يدخل المبنى.
ثم أنهى المكالمة.
بصيت له.
— حصل إيه؟
— لازم ترجعي البيت.
— ليه؟
— دلوقتي.
— بس—
— مريم…
قال اسمي بطريقة خلتني أسكت.
— لو قلت لكِ إن حياتك في خطر، هتصدقي؟
بلعت ريقي.
— مش عارفة.
— يبقى صدقي خوفك.
مد إيده وفتح باب العربية.
— هتنزلي معايا.
نزلت وأنا ماسكة إيد ليلى.
أول ما وصلنا قدام العمارة، لاحظت حاجة.
باب العمارة كان مفتوح.
والبواب مش موجود.
قلبي وقع.
ياسين وقف جنبي.
ما قالش حاجة.
بس رفع إيده إشارة لرجاله.
اتحركوا فورًا.
واحد دخل من المدخل.
التاني طلع على السلم.
أما ياسين، فوقف قدامي هو وليلى.
— خليكي ورايا.
— أنا خايفة.
— عارف.
كانت أول مرة يقولها من غير ما يحاول يبان قوي.
دخلنا.
العمارة كانت هادية بشكل غريب.
طلعنا الدور الأول.
التاني.
التالت.
كل خطوة كانت بتزود الرعب جوايا.
لما وصلنا الدور الخامس، شفت باب شقتي.
كان مقفول.
لكن القفل الخارجي كان مكسور.
شهقت.
— ليلى كانت جوه هنا إمبارح.
ياسين بص لي.
— لا.
صوته كان حاسم.
— إنتِ وليلى هتباتوا في مكان تاني من النهارده.
— بس دي شقتي.
— مش آمنة.
— وإنت عايز تاخدني فين؟
اقترب مني خطوة.
— عندي.
ضحكت من التوتر.
— مستحيل.
— مش بطلب منك تتجوزيني.
— أنا ما قلتش كده.
— بس وشك قال.
بصيت له بغضب.
ولأول مرة من الصبح، ظهر شيء يشبه الضحكة في عينيه.
لكنها اختفت بسرعة لما أحد رجاله خرج من الشقة.
— باشا.
ياسين بص له.
— اتكلم.
— الشقة متفتشة.
اتجمدت.
— حاجة ناقصة؟
الرجل هز رأسه.
— لأ.
ياسين عبس.
— يبقى كانوا بيدوروا على حاجة.
ثم التفت لي.
— عندك أي حاجة غريبة في البيت؟
فكرت.
— لأ.
— صور قديمة؟ أوراق؟ حاجات تخص والدك أو والدتك؟
وقفت.
والدتي.
بصيت له فجأة.
— ماما.
— مالها؟
— قبل ما تموت، ادتني صندوق صغير.
ياسين اقترب.
— فين؟
— في الدولاب.
دخلنا الشقة.
الدولاب كان مفتوح.
فتشت وسط الهدوم بسرعة.
ثم وقعت عيني على صندوق خشبي صغير.
مسكته.
كان مقفول بمفتاح.
ياسين بص له.
— عندك مفتاحه؟
هززت رأسي.
— لأ.
ابتسم ابتسامة غريبة.
— أنا عندي إحساس إن والدتك كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
فتحت الصندوق باستخدام أداة صغيرة أعطاها له أحد رجاله.
جواه كانت صور قديمة، ورق مطوي، وميدالية فضية.
وأول ما شاف ياسين الميدالية…
اتغير وشه تمامًا.
مد إيده ببطء.
— دي كانت بتاعت أمي.
بصيت له.
— إيه؟
رفع الميدالية قدامي.
كان محفور عليها اسم واحد.
سلمى المنصوري.
ياسين فضل ساكت.
وبعدين قلب الميدالية.
كان مكتوب من الخلف:
“إلى ابني يونس… لو حصل لي أي حاجة، ابحث عن الحقيقة عند البنت التي أنقذتها.”
بص لي.
ولأول مرة منذ قابلته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
— أمك كانت تعرف أمي.
أنا ما قدرتش أتكلم.
فتح الورقة الأخيرة.
كانت مكتوبة بخط أمي.
وفي أول سطر فقط، كان اسمي.
“إلى بنتي مريم… لو وصل ياسين المنصوري إليكِ يومًا، لا تثقي به فورًا… لكن اسمعي الحقيقة قبل أن تحكمي عليه.”
رفعت عيني ببطء.
ياسين كان بيقرأ نفس السطر.
وبعدين قال بصوت منخفض:
— الظاهر إن أمك كانت مستنياني من سنين.
وفي اللحظة دي، رن هاتف أحد رجاله.
رد بسرعة.
ثواني قليلة، ثم رفع عينيه لياسين.
— لقينا العربية اللي كانت واقفة تحت العمارة.
— مين صاحبها؟
الرجل ابتلع ريقه.
— حمدي الشناوي.
ياسين شد فكه.
ثم بص لي.
— من اللحظة دي، مفيش خروج من غيري.
— وإنت؟
اقترب مني، وأخذ الصندوق من إيدي.
— وأنا هعرف ليه الراجل ده كان بيدور عليكِ.
ثم نظر إلى ليلى، التي كانت تمسك بأرنبها القماشي وتراقبنا بخوف.
صوته هدأ.
— ومهما كان السبب…
مد يده ليحمل حقيبتها الصغيرة.
— محدش هيقرب من بنتك.
بصيت له للحظات.
وأدركت إن الرسالة اللي بعتها بالغلط قبل ساعات…
ما كانتش غلطة.
كانت أول خطوة في سر هزّ حياة أمي، وحياة ياسين المنصوري…
وحياتي أنا كمان.
بعد 3 أيام، عرفت الحقيقة.
حمدي الشناوي لم يكن يبحث عن مريم بسببها هي، بل بسبب والدتها.
قبل عشرين سنة، كانت أم مريم تعمل ممرضة في مستشفى صغير بالقاهرة. في ليلة واحدة، شهدت جريمة راح ضحيتها رجل رفض تسليم ملفات تثبت تورط الشناوي في عمليات تهريب وغسيل أموال.
لكن أم مريم لم تسكت.
أخفت الملفات، وساعدت امرأة مصابة على الهرب.
تلك المرأة كانت سلمى المنصوري… والدة ياسين.
قبل وفاتها، سلمت سلمى مريم الصغيرة لأمها، وتركت لها الميدالية والصندوق، على أمل أن تظهر الحقيقة يومًا.
أما ياسين، فكان طوال حياته يعتقد أن والدته ماتت بسبب خيانة شخص قريب منها.
لم يعرف أن والد مريم هو الذي أنقذها في آخر ليلة من حياتها.
ولهذا كان حمدي يريد الصندوق.
كان بداخله الدليل الوحيد القادر على إسقاطه.
وفي الليلة الأخيرة، دخل حمدي بنفسه إلى مخزن مهجور في أطراف القاهرة، حيث كان ياسين ينتظره.
وقف الرجل العجوز أمامه مبتسمًا.
— فاكر إنك هتقدر تهدمني يا ياسين؟
ياسين لم يرد.
وضع الصندوق على الطاولة.
— مش أنا اللي ههدمك.
ثم أشار إلى مريم الواقفة خلف الزجاج.
— الحقيقة هي اللي هتعمل كده.
ابتسم حمدي بسخرية.
— بنت ممرضة؟
رفعت مريم رأسها.
— بنت الممرضة اللي فضحتك.
تغير وجهه.
وفي اللحظة نفسها، دخلت قوات الشرطة المكان.
كل الملفات، التسجيلات، والتحويلات المالية كانت قد وصلت إليهم.
انتهى كل شيء.
بعد أشهر، لم يعد اسم ياسين المنصوري مرتبطًا بالخوف كما كان من قبل.
ترك جزءًا كبيرًا من أعماله المشبوهة، وحوّل شركاته القانونية إلى مؤسسة تحمل اسم والدته.
أما مريم، فافتتحت أخيرًا عيادة صغيرة للعلاج الطبيعي، بعدما ظلت سنوات تعمل في أكثر من وظيفة لتطعم ابنتها.
وفي صباح يوم افتتاح العيادة، وقفت ليلى أمام الباب وهي تحمل باقة ورد صغيرة.
— ماما، بصي!
ضحكت مريم.
— حلوة أوي يا روحي.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
— وأنا جبت حاجة أحلى.
استدارت.
كان ياسين واقفًا أمامها، يحمل صندوقًا صغيرًا.
فتحت مريم الصندوق.
وجدت بداخله سلسلة فضية جديدة، يتوسطها نجمة صغيرة.
نظرت إليه.
— دي إيه؟
— بداية جديدة.
ابتسمت.
— وإنت شايف إننا محتاجين بداية جديدة؟
اقترب منها وقال:
— أنا محتاجها.
ثم نظر إلى ليلى.
— وهي كمان.
ضحكت ليلى.
— ياسين، إنت هتتجوز ماما؟
شهقت مريم.
— ليلى!
أما ياسين فضحك لأول مرة من قلبه.
ثم انحنى أمام الطفلة وقال:
— لو ماما وافقت.
ليلى وضعت يديها على خصرها.
— أنا موافقة.
مريم ضحكت رغم دموعها.
رفعت عينيها إلى ياسين.
— وإنت متأكد؟
اقترب خطوة.
— أنا قضيت عمري كله بدور على الحقيقة.
ثم أمسك يدها برفق.
— ولما لقيتها، اكتشفت إن أجمل حاجة حصلت لي بدأت برسالة اتبعتت للرقم الغلط.
مريم ابتسمت.
— يعني لسه شايف إن دي كانت غلطة؟
هز رأسه.
— لأ.
نظر إلى ليلى، ثم إليها.
— دي كانت أحسن غلطة في حياتي.
وفي اليوم الذي ظنت فيه مريم أن رسالة واحدة بالخطأ ستغير ليلتها فقط…
اكتشفت أنها غيرت حياتها كلها.
لأنها لم تجد رجلًا أنقذها من الخطر فحسب.
بل وجدت رجلًا اختارها هي وابنتها…
وجعل من حمايتهما وعدًا لا ينكسر.
بعتت رسالة بالخطأ لرقم غريب…




