
ثم نظر إلى فهد.
— وإنت هتفضل هنا.
فهد ابتسم بخوف.
— ولو رفضت؟
آدم رد:
— مش هتقدر ترفض.
خرج آدم من القاعة.
ليان جريت وراه.
— آدم!
وقف.
استدار.
كانت بتجري ناحيته.
— مش هسيب ابني.
نظر إليها لحظة.
ثم مد يده.
— تعالي.
مسكت إيده.
ولأول مرة منذ خمس سنين، خرجت ليان من المبنى وهي ماشية جنب آدم.
لكنها ما كانتش تعرف إن الطريق لابنها هيكشف سر أخطر من كل اللي عرفوه.
لأن أم آدم لم تخطف الطفل لمجرد الانتقام.
كانت محتاجة الطفل لسبب واحد.
كان الطفل يحمل نفس فصيلة دم والد آدم.
والدليل الذي تركه الأب قبل موته لم يكن تسجيلًا فقط.
كان تحليلًا وراثيًا.
وكان يثبت أن آدم…
ليس ابن الرجل الذي عاش عمره يناديه “أبي”.
حكايات شروق خالد
وصلت العربيات لبيت الدمنهوري القديم بعد منتصف الليل.
المكان كان مهجور من سنين، سور عالي، بوابة حديد صدية، ونور واحد بس طالع من الدور التاني.
آدم نزل من العربية قبل ما الحارس يفتح له الباب.
ليان نزلت وراه.
محمود كان في العربية التانية.
قال آدم:
— خليكي ورايا.
ليان هزت رأسها.
— مش هبعد عنك.
بص لها لحظة، وبعدين مسك إيدها.
دخلوا البيت.
الصمت كان مرعب.
ثم سمعوا صوت طفل بيضحك من فوق.
ليان جريت.
— ابني!
آدم لحقها.
وصلوا للصالة الكبيرة.
وهناك كانت والدة آدم واقفة أمام النافذة، والطفل الصغير نايم على الكنبة جنبها.
أول ما شافته ليان، جريت عليه وضمتّه لصدرها.
الطفل فتح عينه وقال:
— ماما؟
— أنا هنا يا حبيبي.
آدم وقف مكانه.
الطفل بص له.
وبعدين قال:
— هو ده بابا؟
الكلمة هزت آدم من جواه.
قرب ببطء.
قعد على ركبته قدام الطفل.
— أيوه.
الطفل ابتسم.
— كنت عارف إنك هتيجي.
آدم رفع عينه لوالدته.
— ليه؟
قالت بهدوء:
— لأنك مهما كنت قوي، هتفضل ضعيف قدام ابنك.
آدم وقف.
— خلصي.
ضحكت.
— أبوك كان فاكر إنه يقدر يهرب مني.
— إنتِ قتلتيه.
— هو اختار يموت.
— إنتِ قتلتيه!
صرخته هزت البيت.
الطفل خاف.
ليان ضمته.
آدم أخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال:
— كل اللي عملتيه انتهى.
هزت رأسها.
— لأ.
وأخرجت سلاحًا.
في نفس اللحظة، ظهر محمود من خلف الباب.
— كفاية يا أختي.
التفتت له.
— إنت خنتني.
قال محمود:
— لا.
ثم رفع سلاحه.
— أنا اخترت ولادنا.
تجمدت.
آدم بص لأخوه.
ثم لوالدته.
ثواني مرت.
وفجأة سُمع صوت الشرطة في الخارج.
صرخت:
— إنت اتصلت بيهم؟
محمود قال:
— أيوه.
بصت لآدم.
— ابنك هيتسجن معاهم.
آدم رد:
— لأ.
ثم أضاف:
— هو هيتربى بعيد عن كل ده.
دخلت الشرطة.
وانتهى كل شيء.
بعد شهور، ظهرت الحقيقة كاملة.
تم القبض على والدة آدم، وفهد، وكل الأشخاص المتورطين في شبكة تحويل الأموال.
أما محمود، فشهد بكل اللي يعرفه.
ولأول مرة منذ سنوات، بدأت عائلة المنصوري تتفكك من الداخل.
لكن آدم اختار طريقًا مختلفًا.
ترك عالم الجريمة تدريجيًا.
وسلّم إدارة الشركات لمحامين ومجموعة من المديرين الموثوقين.
أما ليان، فلم تعد سكرتيرته.
بعد ستة أشهر، وقف آدم أمامها في نفس قاعة الاجتماعات التي بدأت فيها كل الحكاية.
لكن المرة دي ما كانش فيه مديرين.
ولا ملفات.
ولا خوف.
كان فيه صندوق صغير في إيده.
قال:
— فاكرة أول مرة سألتك مين أذاكي؟
ابتسمت.
— مستحيل أنساها.
— وقتها كنت فاكر إني لازم أحميكي من العالم.
فتح الصندوق.
كان فيه خاتم بسيط.
— بعدين فهمت إنك مش محتاجة حد ينقذك.
مد يده.
— إنتِ بس محتاجة حد يقف جنبك.
دموعها نزلت.
— آدم…
قال:
— ليان، تتجوزيني؟
ضحكت وسط دموعها.
— بعد كل اللي حصل، لسه بتسأل؟
ابتسم.
— عايز أسمعها منك.
وضعت يدها في يده.
— أيوه.
ضمها إليه.
ومن بعيد، كان ابنهما واقفًا عند الباب، ماسك لعبة صغيرة، ويبتسم.
قال آدم:
— تعالى يا بطل.
جري الطفل عليه.
حمله آدم، بينما ليان وقفت بجانبه.
نظر إليها آدم.
— فاكرة إنك كنتي خايفة إن السكوت يضيعك؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— سكوتك أنقذ حياتك.
ثم قبل جبينها.
— وأنا هقضي عمري كله أتأكد إنك عمرك ما تضطري تسكتي تاني.
ابتسمت ليان.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الرجل اللي فقد أعصابه يوم شاف بصمات أصابع على معصمها…
لم يكن قد وجد امرأة يحتاج إلى إنقاذها.
بل وجد المرأة التي جعلته يختار، لأول مرة في حياته، أن يترك عالمًا كاملًا خلفه.
وكانت تلك هي بداية حياتهم الحقيقية.
لما سألها زعيم المافيا: «مين اللي أذاكي؟»…
حكايات شروق خالد



