
دخل آدم من ورايا.
«جاهزة؟»
«أيوه.»
وقف جنبي.
«فاكرة أول مرة شوفتك فيها هنا؟»
ضحكت.
«وأنا راكعة على الأرض؟»
ملامحه اتغيرت.
«نفسي أنسى اليوم ده.»
بصيت له.
«أنا لأ.»
استغرب.
«ليه؟»
«لأنه كان اليوم اللي عرفت فيه إن قوتي مش في شعري، ولا في اسمك، ولا في فلوسك.»
مسكت إيده.
«قوتي كانت جوايا طول الوقت.»
ابتسم.
«وعشان كده حبيتك.»
رفعت حاجبي.
«عشاني قوية؟»
«لأ.»
قرب مني وقال:
«عشان حتى لما الدنيا كلها حاولت تقلل منك… إنتِ فضلتي مريم.»
ابتسمت.
وبعدين نزلنا سوا.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن اللي حصل في ليلة عيد ميلاد فريد، ما كنتش بحكي عن الإهانة.
كنت بحكي عن اللحظة اللي وقفت فيها قدام ستة رجال بيضحكوا…
وقلت لهم:
«ورديتي خلصت.»
لأنهم كانوا فاكرين إنهم خلصوا مني.
لكن الحقيقة؟
هم كانوا لسه بيبدأوا يعرفوا أنا مين.
حكايات شروق خالد
بعد سنة كاملة، كنت قاعدة في مكتبي لما دخلت منة، زميلتي القديمة في المطعم.
كانت ماسكة ظرف أبيض.
قالت بتردد:
«مدام مريم… الظرف ده جه باسمك.»
أخدته منها.
ما كانش عليه اسم مرسل.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة ليا وأنا صغيرة، واقفة جنب أبويا قدام بيتنا القديم.
قلبي اتقبض.
لأن أبويا مات من سنين، والصورة دي ما كانتش موجودة عندنا.
قلبت الصورة.
كان مكتوب على ظهرها:
«أبوك ما ماتش زي ما قالوا لك.»
رفعت عيني لمنة.
«مين جاب الظرف؟»
«راجل.»
«شكله؟»
«ما شفتش وشه كويس.»
وقفت.
اتصلت بآدم فورًا.
ما ردش.
اتصلت تاني.
مفيش رد.
بعد عشر دقايق، وصلني منه رسالة واحدة:
«مريم، اقفلي المكتب وما تخرجيش.»
قلبي دق بسرعة.
رديت:
«إيه اللي حصل؟»
ما جاش رد.
وبعدها وصلت رسالة تانية.
«أنا جاي لك.»
لكن قبل ما أقدر أستوعب، سمعت صوت خبط قوي على باب المكتب.
منة انتفضت.
«مين؟»
مفيش رد.
الخبط اتكرر.
قربت من الباب، لكن صوت آدم جه من الممر:
«مريم! افتحي!»
جريت وفتحت.
دخل آدم بسرعة، وقفل الباب وراه.
كان وشه متوتر بطريقة عمري ما شفتها عليه.
قلت:
«إيه اللي حصل؟»
مسك إيدي.
«فين الصورة؟»
ناولتهاله.
أول ما شافها، وشه اتغير.
«كنت خايف اليوم ده ييجي.»
«يعني إيه؟»
قعد على الكرسي.
«أبوك ما ماتش.»
حسيت إن الكلام بيتكرر في حياتي بطريقة مستحيلة.
«إنت كمان عارف؟»
هز رأسه.
«عرفت من فترة قصيرة.»
«وسكت؟»
«كنت بحاول أحميكي.»
صرخت:
«أنا مش محتاجة حد يقرر إيه اللي أعرفه وإيه اللي ما أعرفوش!»
سكت.
وبعدين قال:
«أبوك كان شريكي الأول.»
اتجمدت.
«إيه؟»
«قبل ما أبني أي حاجة، كنت شغال معاه.»
بدأ يحكي.
أبويا كان رجل أعمال، لكنه اكتشف شبكة فساد كبيرة.
ولما حاول يكشفها، اضطر يختفي.
لكن قبل ما يختفي، سلّم آدم نسخة من كل الأدلة.
قال آدم:
«كان فيه سبب واحد خلاه يثق فيا.»
«إيه؟»
«قال لي: لو حصل لي حاجة، احمي بنتي.»
دموعي نزلت.
«طول السنين دي… كنت بتقرب مني عشانه؟»
آدم هز رأسه.
«في البداية… أيوه.»
قلبي اتكسر.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، مسك وشي بين إيديه.
«بس بعدين بقيتي حياتي.»
سكت.
«حبيتك قبل ما أعرف إنك هتبقي أقوى ست قابلتها في حياتي.»
بصيت له وأنا مش عارفة أصدقه.
فجأة تليفونه رن.
رد.
ثواني.
ثم قال:
«فين؟»
سكت.
«أنا جاي.»
قفل.
سألته:
«مين؟»
نظر لي.
«أبوك.»
شهقت.
«هو عايز يقابلك.»
بعد ساعتين، كنت واقفة قدام رجل أكبر سنًا، شعره أبيض، وملامحه مرهقة.
لكن أول ما عيناه وقعتا عليّ…
بدأ يبكي.
قال:
«مريم…»
ما قدرتش أتحرك.
هو قرب خطوة.
«سامحيني يا بنتي.»
انهرت في حضنه.
كل الغضب.
كل الوحدة.
كل السنوات اللي كنت فاكرة فيها إني فقدته…
خرجت في لحظة واحدة.
وبعد ما هدأت، سألته:
«ليه سبتني؟»
قال:
«عشان كنت خايف إنهم يوصلوا لك بسببي.»
«وأنت عايش فين كل السنين دي؟»
«في مكان ما حدش يعرفه.»
بص لآدم.
«هو الوحيد اللي كنت واثق فيه.»
ثم أعطاني مفتاحًا صغيرًا.
«ده مفتاح الخزنة.»
«خزنة إيه؟»
«الحقيقة كلها.»
فتحت الخزنة بعد أيام.
وكان جواها ملفات، صور، تسجيلات، وأسماء.
لكن آخر ورقة كانت هي الأخطر.
كان عليها اسم الرجل اللي بدأ كل شيء.
ورجل واحد فقط كان فوق كل الأسماء.
اسم شخص من أقرب الناس لآدم.
رفعت عيني له.
«آدم… إحنا اتضحك علينا.»
بص للورقة.
ثم قال بهدوء:
«لأ.»
مسك الملف.
«إحنا أخيرًا عرفنا مين المسؤول الحقيقي.»
ومن اللحظة دي، بدأت المواجهة الأخيرة.
لكن المرة دي…
ما كنتش النادلة اللي اتعرضت للإهانة.
ولا الزوجة اللي محتاجة تتخبى خلف اسم جوزها.
كنت مريم المنصوري.
والرجل اللي حاول يقلل مني مرة…
كان على وشك يكتشف إن أكبر غلطة عملها في حياته، إنه اختار الست الغلط يحاول يكسرها.
حكايات شروق خالد
بعد ثلاثة شهور، انتهت المواجهة.
الأدلة اللي جمعها أبويا، والملفات اللي احتفظ بيها آدم، والتسجيلات اللي كنت أنا سبب في اكتشافها، كانت كفاية لكشف الشبكة كلها.
الرجل اللي كان واقف فوق كل الأسماء تم القبض عليه.
وفريد ووالده اتحاكموا على التجاوزات اللي ارتكبوها.
أما أبويا، فأخيرًا رجع بيته.
البيت اللي فضل عشرين سنة مستنيه.
وفي أول ليلة رجع فيها، قعدنا سوا على السفرة.
بص لي وقال:
«كبرتي يا مريم.»
ابتسمت وسط دموعي.
«كبرت لوحدي.»
مد إيده ومسح دموعي.
«أنا آسف.»
هزيت رأسي.
«المهم إنك رجعت.»
آدم كان واقف بعيد، بيتفرج علينا بابتسامة.
بعدها بأيام، خرجت من المطعم بعد انتهاء يوم طويل.
آدم كان مستنيني بالعربية.
ركبت جنبه.
بص لي وقال:
«فاكرة الليلة اللي بدأ فيها كل ده؟»
ضحكت.
«ليلة ما قصوا شعري؟»
«أيوه.»
لمست شعري القصير.
«الشعر طلع تاني.»
ابتسم.
«وأنتِ بقيتي أقوى.»
بصيت له.
«إنت كمان اتغيرت.»
«إزاي؟»
«بقيت تعرف إن مراتك مش محتاجة حد ينقذها.»
ضحك.
«بس بحب أكون جنبك.»
مسكت إيده.
«وده الفرق.»
العربية اتحركت في شوارع القاهرة.
كنت ببص من الشباك، وبفكر في البنت اللي كانت راكعة على أرض المطعم، والناس بتصورها وبتضحك عليها.
لو كنت قابلتها دلوقتي، كنت هقول لها:
«ارفعي راسك… اللي بيحاول يهينك النهارده، هيكون هو نفسه اللي يحترم اسمك بكرة.»
أنا ما بقيتش النادلة اللي الناس فاكرين إنها ضعيفة.
وما بقيتش الست اللي بتستخبى خلف نفوذ جوزها.
أنا مريم.
الست اللي فقدت شعرها، لكنها اكتسبت نفسها.
واللي بدأت قصتها بإهانة قدام ستة رجال…
وانتهت وهي واقفة أقوى من كل اللي حاولوا يقللوا منها.
أما آدم، ففضل جنبي.
مش لأنه أقوى مني.
لكن لأنه أخيرًا فهم إن الحب الحقيقي مش إنك تحمي الشخص من كل شيء…
الحب الحقيقي إنك تمشي جنبه، وتسيبه يكتشف قوته بنفسه.
ومن يومها، كل ما حد يسألني إيه أصعب لحظة عدت عليّ في حياتي، ما بقولش ليلة الإهانة.
بقول:
اللحظة اللي صدقت فيها إن إهانتهم كانت نهايتي.
لأنها ما كانتش النهاية.
كانت البداية.
«قصوا شعرها وسخروا منها
حكايات شروق خالد»


