قصص

انكشاف المستور حكايات شروق خالد

اتفتحت أبواب الأسانسير المعدنية الساعة 11:40 بالليل، وظهر قدام نادين المنصوري وهي بتشوف يوسف المنصوري بيمسح الدم من على كم قميصه.

الدور الـ38 كان المفروض يبقى فاضي، ماعدا صوت الإضاءة الهادية وضغط المدينة المنعكس على الواجهات الزجاجية. كانت نادين واقفة جنب ماكينة التصوير، ماسكة كومة عقود لسه طالعة سخنة من الطابعة، وحواف الورق ضاغطة على صوابعها.

الجو كان ريحته تونر وخشب جوز متلمع، وتحتهم ريحة تانية حادة.

معدن.

ريحة عملات معدنية.

ريحة مطر على الحديد.

رفع يوسف عينه ببطء.

الكرافتة بتاعته كانت مفكوكة، والجاكت متدلي على كتف واحد. دبوس كم فضي لمع تحت نور المكتب الأبيض، كأن مفيش أي حاجة اتغيرت.

نادين كانت شغالة عنده بقالها سنة ونص.

وكانت عارفة الفرق بين نظرة يوسف في اجتماعات الشغل والنظرة اللي قدامها دلوقتي.

يوسف اللي بيدخل الاجتماعات كان بيتحرك بنفاد صبر محسوب.

لكن يوسف اللي واقف قدامها كان ساكن زيادة عن اللزوم.

هادي زيادة عن اللزوم.

وفي آخر الممر، باب أمان اتقفل وراه بصوت مكتوم ومحكم.

قال بهدوء:

“لسه هنا؟”

حطت نادين العقود على ماكينة التصوير، وضغطت بإيدها على الغطا البلاستيك عشان مايشوفش إيديها وهي بتترعش.

“تعديلات ملف القاهرة وصلت متأخر.”

حاولت تثبت صوتها.

“كنت ماشية.”

يوسف عبر أرضية الرخام من غير استعجال.

صوت خطواته كان مكتوم بسبب السجادة الطويلة.

وقف قريب كفاية إن نادين تشم ريحة البرفان الخشبي بتاعه، مختلطة بالريحة المعدنية اللي على كم قميصه.

كان فيه جرح صغير فوق واحدة من صوابعه.

لاحظ إنها بتبص عليه، فغطى إيده بالجاكت.

“شفتي حد؟”

مش “إيه اللي حصل؟”

ولا “ليه شكلي كده؟”

ولا حتى “إنتِ لسه هنا ليه؟”

نادين فهمت إن إجابتها أهم من صراحتها.

ورا الحيطة الزجاج، كانت أضواء القاهرة بتلمع في الليل.

ومن بعيد، صوت عربية إسعاف ظهر واختفى.

قالت:

“لأ.”

فضل يوسف باصص لها ثواني طويلة.

وبعدين مد إيده وأخذ العقود.

كم قميصه لمس رسغها.

قماش بارد على جلد بارد أصلًا.

قال:

“كويس.”

لف بعيد.

“هاتِي ملف القاهرة مكتبي.”

كان المفروض تمشي.

كل غريزة جواها كانت بتقول لها تدخل الأسانسير، تروح بيتها، وتنسى اللي شافته.

لكنها مشت وراه.

يوسف المنصوري عمره ما كان بيكرر كلامه.

الخوف في عالمه عمره ما كان عالي الصوت.

كان أنيق.

هادئ.

مستخبي ورا أبواب مقفولة.

دخل مكتبه.

نور الأباجورات الدافي انعكس على الحجر الأسود والجلد الفاخر.

وكان فيه زجاجة مشروب على البار.

وعلى مكتبه ملف رمادي غامق عمرها ما شافته قبل كده.

مفيش عليه شعار الشركة.

ولا حتى اسم.

حط يوسف عقود القاهرة على جنب.

وبعدين لاحظ ورقة واحدة ظاهرة من الملف.

إيده اتحركت بسرعة وغطتها.

لكن نادين كانت شافت سطر واحد.

“نقل شحنة من الميناء… منتصف الليل.”

رفع يوسف عينه ليها.

الجو في المكتب بقى أبرد فجأة.

“نادين.”

ماقالش اسمها كتحذير.

قاله كأنه كان بياخد قرار.

أخذت نفس ببطء.

الهواء كان فيه ريحة دخان قديم ومشروب غالي.

“أنا مش قريت كفاية عشان أفهم حاجة.”

يوسف قرب منها.

وقف على بعد خطوة تقريبًا.

ما لمسهاش.

وما هددهاش.

الغريب إن عدم التهديد كان أخوف.

قال:

“مش ده اللي مقلقني.”

لف حوالين المكتب.

“اللي مقلقني إن من اللحظة دي، أي حد يعتقد إنك شوفتي أكتر من اللازم ممكن يعتبرك مفيدة.”

ارتجفت أضواء القاهرة على الزجاج خلفه.

وفهمت نادين أخيرًا الخطر الحقيقي من تأخيرها في الشغل.

المشكلة مش إنها اكتشفت الجانب المظلم من حياة يوسف.

المشكلة إن جانبه المظلم اكتشفها هي.

اهتز تليفونه مرة فوق المكتب.

بص للشاشة.

فكه اتشد.

وبعدين لف الشاشة ناحيتها.

كانت صورة ليها وهي خارجة من الشركة الصبح.

الصورة متاخدة من الناحية التانية من الشارع.

وتحتها 6 كلمات:

“هتلعبي دورك… أو هتنزفي.”

حط يوسف الموبايل بينهم.

وقال:

“من بكرة، إنتِ خطيبتي.”

الكلام كان المفروض يبقى سخيف في مكتب مضاء بنور دافي فوق القاهرة.

لكن ملامح يوسف ماكانش فيها أي مساحة للشك.

نادين سمعت صوت التكييف.

وصوت العربيات البعيد.

ودقات قلبها في ودانها.

قالت من غير تفكير:

“لأ.”

يوسف ما اتحركش.

مد إيده جوه الجاكت وطلع صورة تانية.

المرة دي كانت مطبوعة.

ظهر فيها أخوها الأصغر، مروان، واقف قدام مركز العلاج الطبيعي في مصر الجديدة، ماسك كوب قهوة بإيد، ومش عارف إن فيه حد واقف بعيد بيراقبه بعدسة كاميرا.

نور المكان قلب أطراف الصورة للون الأزرق الباهت.

مسكت نادين الصورة بعنف لدرجة إنها اتنت.

“مروان.”

قال يوسف بهدوء:

“نفس الناس اللي بيراقبوني بيراقبوكي.”

وسكت لحظة.

“ودلوقتي خدوا بالهم منه.”

ضغطت نادين على الصورة أكتر.

اسم أخوها كان كأنه حجر وقع في صدرها.

رفعت دقنها.

“لو ده تهديد، قوله صريح.”

“مش تهديد مني.”

نزل يوسف صوته.

“دي الطريقة الوحيدة أقفل بيها تهديد جاي منهم.”

راح ناحية البار.

بدل ما يصب لنفسه مشروب، صب شوية مياه.

حط الكوباية قدام نادين، وفضل واقف الناحية التانية من المكتب.

المسافة بينهم كانت مقصودة.

قال:

“في عيلة منافسة فاكرة إن عندي خيانة من جوه.”

وكمل:

“وفاكرين إني بخبي نقاط ضعفي ورا الروتين.”

بص لنادين.

“سكرتيرتي تتحول فجأة لمراتي المستقبلية، دي قصة هم يفهموها.”

وعينيه قست.

“وهتخلي تركيزهم يروح للمكان اللي أنا عايزه.”

حطت نادين صورة مروان جنب الرسالة.

“إنت عايز تستخدمِني طُعم.”

“أنا عايزك تفضلي عايشة.”

“دي طريقة شيك جدًا عشان تقول نفس الكلام.”

لأول مرة، ظهر شيء سريع على وش يوسف.

ومضة صغيرة.

واختفت.

فتح درج مكتبه.

وحط عقد قدامها.

ورق تقيل لونه كريمي.

العقد كان فيه 6 أسابيع من الظهور مع بعض، مواصلات مشتركة، حراسة شخصية، واتفاق سرية يخلي معدتها تتقلص.

وفي آخر العقد كان فيه ملحق.

علاج مروان هيتدفع بالكامل لمدة سنة عن طريق حساب مجهول.

رفعت نادين عينيها بسرعة.

“إنت رتبت لكل ده بالفعل.”

“أنا برتب النتيجة قبل ما أطلبها.”

“ولو رفضت؟”

ثبت يوسف عينه عليها.

المكتب بدا أبرد من الأول.

“قبل الفجر، كل اللي بيراقبوني هيعرفوا إني فشلت أسيطر على الشاهدة الوحيدة المهمة.”

ما رفعش صوته.

ماكانش محتاج.

قلبت نادين صفحات العقد تاني.

صوت الورق كان واضح في الصمت.

الثلج جوه الكوباية تحرك حركة خفيفة.

الشروط كانت دقيقة وقاسية.

مفيش علاقة جسدية خاصة.

مفيش أكاذيب بينهم لو ليها علاقة بالأمان.

مفيش خروج مفاجئ من غير إبلاغ.

وممنوع أي حد من الطرفين يتواصل مع مروان من غير موافقة حراسة يوسف.

رجعت نادين الكرسي لورا.

“مستحيل.”

وقفت.

“إنت مش من حقك تتحكم في عيلتي.”

يوسف وقف ببطء.

النور انعكس على طرف كم قميصه.

قال:

“إذن عدّلي العقد.”

وقفت مكانها.

“إيه؟”

دفع قلم ناحيتها.

“إنتِ مش ضعيفة هنا.”

ثبت عينه عليها.

“لو هتعملي ده، يبقى بشروطك إنتِ كمان.”

وبعدين قال:

“لكن الساعة 8 الصبح، يا إما ندخل الشركة سوا، يا إما التهديد ده مش هيبقى مجرد كلام.”

فضلت نادين ساكتة لحظات.

وبعدين قعدت.

شطبت 3 بنود.

وأضافت بندين بخط أسود واضح.

ما وقعتش غير بعد ما يوسف وقّع الأول.

شروطها كانت بسيطة.

مروان يفضل بعيد تمامًا عن الموضوع وما يعرفش أي حاجة.

ولو الاتفاق تسبب في خطر مباشر عليه، من حق نادين تنسحب وتحصل على كل الحماية اللي يوسف قادر يوفرها.

قرأ يوسف التعديلات.

أخذ القلم.

ووقّع من غير أي نقاش.

“6 أسابيع.”

زقت نادين العقد ناحيته.

يوسف طواه وحطه جوه الملف الرمادي.

ملامحه بقت شبه مستحيلة القراءة تحت النور الدافي.

قال:

“لأ.”

قطبت نادين حاجبيها.

“هتبدأ الليلة.”

بص لساعته.

“في حفلة بعد ساعة ونص.”

وبعدين أضاف:

“ولو اترددتي قدام الشخص الغلط، إحنا الاتنين هنخسر.”

بعد ساعة ونص، كانت نادين واقفة قدام المراية في غرفة ملابس فاخرة داخل قصر يوسف، وعقد ألماسي بيتثبت عند رقبتها.

الفستان كان أسود حالك.

بسيط من أول نظرة.

لكن الحرير كان ماشي على جسمها زي الحبر السائل، وكل حركة منها كانت بتصدر همسة خفيفة.

ورا الأبواب المزدوجة، كان صوت موسيقى هادية، وكاسات بتخبط في بعض، وضحكات واطية لدرجة تخليها مش مريحة.

ريحة القماش المكوي ومثبت الشعر ودخان خفيف جاي من مدفأة في آخر الممر كانت مالية المكان.

حطت نادين نسخة العقد في شنطتها.

وبعدين خرجت.

كان يوسف واقف جنب بيانو كبير.

بدلة سوداء.

وإيد بتظبط أزرار الكم تحت نور ذهبي دافي.

لثانية، ما قالش حاجة.

عينه اتحركت ناحية وشها.

وفضلت هناك.

قال:

“لو بصيتيلي بالطريقة دي قدام الناس، هيصدقوا إن الموضوع حقيقي.”

ردت:

“ده المطلوب.”

قرب منها.

وبعدين مد دراعه.

“قاعدة واحدة الليلة.”

استنت نادين.

“لو لمست رسغك مرتين، ابتسمي.”

وكمل:

“ولو وقفت قدامك أو وراكي، ما تجادليش.”

قالت:

“بتقولها كأن ده بيحصل كتير.”

رد:

“معايا؟”

سألته:

“كتير للدرجة دي؟”

قال:

“كفاية.”

وقفت عربيتهم قدام مدخل فندق فاخر في وسط القاهرة.

الكاميرات بدأت تلمع فوق الأسفلت الأسود المبلول.

والهوا البارد دخل تحت فستان نادين وهي بتنزل من العربية.

حكايات شروق خالد

انفتحت الأبواب الزجاجية الضخمة للفندق، والدفء المصحوب بريحة العود الراقية والموسيقى الكلاسيكية ضرب وش نادين. فلاشات المصورين كانت بتلمع في كل زاوية، وكل خطوة كانت نادين بتاخدها بجانب يوسف، كانت بتحس بالعيون وهي بتترشق عليهم زي الإبر.
يوسف ماكانش يوسف بتاع المكتب؛ ملامحه كانت حادة، وابتسامته الواثقة والباردة كانت متفصلة للمناسبات دي بالظبط. حط إيده ورا ظهرها بلمسة خفيفة، بس لمسة فيها تحكم مطلق.
قرب منهم راجل في أواخر الخمسينات، شعره رمادي، وعينيه شبه عيون الصقر، ماسك كاس مشروب وبينظر ليوسف بنظرة مش مريحة أبداً.
قال الراجل بصوت متصنع الود:
“يوسف المنصوري.. افتكرتك مش هتيجي الليلة، وخصوصاً بعد الأخبار اللي سمعتها عن التأخيرات في الميناء.”
يوسف ابتسم بثبات، ورسغ إيده لمس معصم نادين مرتين.. الإشارة.
نادين ابتسمت فوراً ابتسامة ساحرة وهادية، ورسخت عينيها في عين الراجل.
يوسف رد بثقة:
“شغل الميناء ماشي تمام يا عاصم بيه، وأنا مفيش حاجة تعطلني عن تلبية دعوتك.. وخصوصاً إن معايا نادين.”
عاصم نقل نظراته لنادين، بصلها بتركيز شديد كأنه بيحاول يقرا اللي ورا الابتسامة دي.
“الآنسة نادين المنصوري؟ الشائعات اللي بتدور في السوق عن خطوبة مفاجأة طلعت صح إذاً؟ افتكرت إنك مابتخلطش الشغل بحياتك الشخصية يا يوسف.”
نادين عدلت وقفتها بثبات، وبصت لعاصم وقالت بصوت هادي وواثق:
“الشغل حجة ممتازة لما تكون عايز تخبي حاجة قيمة عن عيون الفضوليين يا عاصم بيه.. ويوسف شاطر جداً في إنه يحافظ على الحاجات الخاصة بيه.”
عاصم ضيق عينيه لثواني، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة ومكشوفة:
“واضح إنك اخترت صح يا يوسف.. ذكية وممتنعة.”
يوسف قرب خطوة، وغطى ظهر نادين بكتفه، محولاً جسمه لدراع حماية بينها وبين عاصم، وقال بصوت واطي ومحذر:
“وعلشان كده هي معايا الليلة.. عن إذنك.”
سحبها يوسف بهدوء بعيد عن عاصم باتجاه الجانب الهادي من القاعة جنب النافورة الداخلية. نادين حست بإن أطرافها متلجة رغم الدفء، ونفسها بدأ يتسارع.
قالت وهي بتبص قدامها عشان محددش يلاحظ:
“هو ده؟”
رد يوسف وهو بينزل عينه عليها بثبات:
“ده عاصم الألفي.. الراجل اللي بعت الصورة، والراجل اللي بيحاول يعرف إن كنتِ نقطة ضعفي ولا شريكتي.”
نادين بلعت ريقها:
“وهو صدق؟”
يوسف نزل راسه قريب من أذنها، كأنه بيكلمها بكلام حب قدام الناس، بس صوته كان جاد وجليدي:
“صدق إنك مهمة ليا.. وده معناه إن اللعبة بدأت فعلياً. من اللحظة دي، عينيه مش هتفارقك، ولو شاف أي ترود منك، هيستغل ده ضدنا فوراً.”
فجأة، تليفون يوسف اهتز في جيبه الداخلي. أخرجه ببطء، وبص للشاشة. نادين لمحت كلمة واحدة مكتوبة في الرسالة:
“الشحنة أتحركت.. والتسليم في الميناء الساعة 2.”
يوسف قفل الشاشة، وعينيه قست تاني بنفس النظرة اللي شافتها في المكتب.
بص لنادين وقال:
“الحفلة انتهت بالنسبة لينا.. لازم نتحرك فوراً.”
سألته نادين وهي ماشية جنبه بخطوات سريعة باتجاه الخروج:
“نروح فين؟ القصر؟”
مسك يوسف إيدها وضغط عليها بصرامة وهو بيفتح لها باب العربية اللي كانت مستنياهم قدام الفندق:
“لأ.. الميناء. مش هسيبك لوحدك، ومش هسيبهم يلعبوا في ملعبي.”

حكايات شروق خالد

انطلقت السيارة الأسود الفاخرة بسرعة شاقة ظلام طريق السخنة الممتد، وصوت المطر المتساقط على الزجاج كان يخلق إيقاعاً متوتراً داخل الصالون المغلق.
نادين كانت قاعدة جنب يوسف، عينيها مثبتة على عداد السرعة اللي كان بيتجاوز الحدود المسموحة بكثير. الحرير الأسود لفستانها كان يلمع تحت أضواء الأعمدة المتتابعة على الطريق.
سألته بصوت هادئ تحاول تسيطر بيه على توترها:
“إيه اللي موجود في الشحنة دي يا يوسف؟ وليه عاصم مستعد يغامر بكل ده عشان يوقفها؟”
يوسف ما لفش وشه، عينه كانت مركزة على الطريق، وإيديه قابضة على الطارة بتمكن حاسم:
“الشحنة فيها أجهزة تشفير حديثة ووثائق ملكية لأراضي الميناء الجديد. لو عاصم حط إيده عليها، هيقدر يثبت إن شركتي بتخترق الشروط الحكومية.. وده مش بس ينهي شغلي، ده ينهي عائلة المنصوري تماماً.”
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت واطي:
“وأهم من ده كله.. فيها الملف الأصلي اللي فيه أسطول الشركات الوهمية اللي عاصم بيستخدمها لغسيل أمواله. هو مش عايز يوقف الشحنة، هو عايز يستولى عليها عشان يحمي نفسه ويقضي عليا في ضربة واحدة.”
وصلت العربية لمشارف الميناء. الإضاءة البرتقالية العالية كانت بتعكس ظل الكرانات الضخمة والحاويات المتراصة مثل متاهة من الحديد.
نزل يوسف والأبواب اتفتحت بصوت مكتوم. شد جاكت بدلة نادين على كتفها لحمايتها من البرد، وقال بصوت حازم:
“تفضلي جوه العربية والأبواب مقفولة.. حراستي بره.”
قالت نادين وهي بتمسك إيده قبل ما ينزل:
“يوسف.. عاصم مش غبي، لو الشحنة معاده الساعة 2، فده معناه إن الكمين المترتب جاهز من دلوقتي.”
بصلها يوسف لثوانٍ، وظهرت نفس الومضة الغامضة في عينيه:
“عارف.. وعشان كده أنا ما جيتش أستلم الشحنة، أنا جيت أسبقهم للكمين.”
قبل ما تلحق تستفسر، صرخ صوت انكسار زجاج من الحاوية القريبة، وانقطعت إضاءة الميناء فجأة ليعم الظلام التام، وتبدأ أضواء سيارات مشبوهة تحاصر المكان من كل جهة.
مسك يوسف معصم نادين وسحبها بسرعة بره العربية قبل ما رصاصة تخترق الزجاج الخلفي.
في قلب الظلام:
* الموقع: بين الحاويات رقم 402 و403.
* الخطة: الوصول لغرفة التحكم المركزية قبل ما رجال عاصم يوصلوا لسيرفرات التسجيل.
* المخاطرة: كشف هوية نادين كهدف أسهل للضغط على يوسف.
همس يوسف في أذنها وهو ضاغط على كتافها تحت ظل حاوية صلبة:
“دلوقتي الموقف اتغير.. مش هتقدر تفضلي بره اللعبة، مستعدة تكمّلي للأخر؟”

حكايات شروق خالد

نادين حست برعشة مكنتش قادرة تمنعها. صوت الرصاص وصوت المطر اللي بقى أعنف دلوقتي، وحرارة جسم يوسف اللي كان محاوطها في محاولة لحمايتها خلف الحاوية الضخمة، كل ده كان بيضغط على أعصابها.
لكن صورة مروان أخوها في مصر الجديدة، وصورة العقد اللي مضته، والستة أسابيع اللي اختارتهم، رجعوا لعقلها في لحظة. هي مكنتش بس “نادين السكرتيرة”، هي دلوقتي “خطيبته” في لعبة دم وموت.
أخدت نفس عميق، ورغم رجفة صوتها، قالت بصوت مسموع وسط الدوشة:
“أنا مضيت على العقد، ومش برجع في كلمتي يا يوسف. وريّني هنعمل إيه.”
يوسف ملامحه ما اتغيرتش، لكن فيه لمسة تقدير خفية لمعت في عينيه للحظة.
قال بهدوء حازم:
“غرفة التحكم المركزية مش هينفع ندخلها دلوقتي، هما قطعوا الكهرباء بس السيرفرات لها مولدات طوارئ، وده معناه إن التسجيلات شغالة. لو عاصم حط إيده على التسجيلات دي، هيثبت وجودنا هنا قبل وصول الشحنة، وده هيبان كإنه اتفاق جنائي.”
بص حواليه، عيونه الخبيرة كانت بتقرأ الميناء في الظلام زي الخريطة.
“عشان نوصل للحاوية الأساسية، محتاجين نعدّي الممر المفتوح ده. الكشافات اللي في إيديهم هتلمحنا لو اتحركنا مع بعض.”
بص لعينيها، وكلماته الجاية كانت حجر تقيل وقع على صدرها:
“عاصم مش عايز يقتلك دلوقتي، هو عايزك رهينة عشان يكسرني. وده معناه إنه لو شافك لوحدك، هيحاول يقبض عليكِ مش يضرب نار.. على الأقل في الأول.”
نادين حست إن قلبها هيقف.
“أنا محتاج أقل من دقيقة عشان أوصل للوحة التوزيع الجانبية وأرجّع الكهرباء. وده هيشغل إنذار الحريق تلقائياً، والرشاشات هتشتغل، وده هيلبطهم وهيعطل فلاشات الكاميرات.”
وكمل خطته المجنونة:
“محتاجك تتحركي لاتجاه معاكس، ناحية المخزن رقم 7. اجري بأسرع ما عندك. هما هيلمحوكي وهيلفوا وراكي. ده هيديني الوقت اللي محتاجه.”
نادين صرخت بصوت مكتوم:
“إنت بتهزر! عايزني أبقى طُعم بجد؟”
يوسف مسك كتافها بقوة، ورغم الضلمة، عيونه كانت بتلمع بقوة غريبة:
“نادين.. إنتي خطيبة يوسف المنصوري، وده معناه إنك مبقيتيش هدف سهل. هما مش عارفين إنك هادية بالشكل ده. أول ما يلمحوكي بتجري، تفكيرهم هيروح إنك بتحاولي تهربي.”
وكمل بنبرة مخيفة:
“وعشان تكوني طُعم ناجح.. لازم يصدقوا إنك خايفة بجد.”
رفع إيده وشاور على كم قميصه اللي كان لسه عليه أثر الدم البسيط من أول الليل.
“شفتي النظرة دي في المكتب؟ النظرة الساكنة الزيادة عن اللزوم؟ أنا مش ساكن لأني خايف، أنا ساكن لأني بـرتّـب.”
وكمل وهو بيزقها بخفة بره حمايتها:
“دلوقتي ترتيبك إنتي. الساعة 2:05.. الشحنة هتكون على الرصيف. لازم نكون مستعدين لها.”
نادين ما لقتش وقت للتردد. الهوا البارد ضرب وشها، وصوت خطوات رجال عاصم كان بيقرب. غمضت عينيها لثانية، وفتحتهم، وجريت.
جريت بأقصى سرعة، حذاءها العالي كان بيزحلقها على الأرض المبلولة، فستانها الأسود الحريري كان بيطير وراها زي شبح، وعينيها كانت مدمعة من الخوف الحقيقي، مش التمثيل.
وفي لحظة، لمع كشاف قوي عليها.
صوت صرخة عالية هزت المكان:
“البنت هناك! اقبضوا عليها! يوسف لوحده هنا!”
الحركة لفت فجأة، وسمعت صوت خطوات كتيرة بتتحرك في اتجاهها. نادين مكنتش قادرة تبص وراها، كانت بس بتجري ناحية المخزن، وكل شبر في جسمها كان بيرتعش.
وفي نفس الوقت، وسط الدوشة اللي عملتها نادين، اتحرك يوسف زي الظل، بأقصى سرعة وهدوء، ناحية لوحة التوزيع الجانبية. مكنش فيه أي مجال للخطأ.
نادين كانت على بعد أمتار من باب المخزن، وحست بظلالهم بتقرب، وواحد منهم كان قريب كفاية إنه يلمس طرف فستانها..
وفي اللحظة دي..
انطلقت صفارة إنذار الحريق بصوت يصم الآذان، واشتغلت الرشاشات تلقائياً، وغرقت الميناء في سيول من المياه المندفعة، وانارت الأضواء الطوارئ الحمراء المكان.
المشهد اتغير في ثانية من مطاردة صامتة لملحمة فوضوية تحت المطر والماء. نادين بصت وراها من هول الصدمة، لقت الرجال اللي وراها بيتعثروا في المياه، والكشافات اللي في إيديهم بتضرب فلاشات عشوائية ومابقتش قادرة تشوفها.
وفي قلب الفوضى دي، ظهر يوسف من بين الحاويات، وهوم شال نادين بسرعة قبل ما رجال عاصم يقدروا يعيدوا ترتيب نفسهم.
سحبها خلف حاوية تانية، المية كانت بتغرقهم، وبدلة يوسف وفستان نادين بقوا كتلة مبلولة واحدة.
قال يوسف وهو بينهج بس بنبرة انتصار:
“عملتيها يا نادين.. صدقوا الخوف اللي فيكي.”
بصتله وهي بتترعش، مش قادرة تصدق اللي حصل.
“والشحنة؟”
يوسف بص لساعته.
“وصلت.. وعلى الرصيف رقم 4. عاصم الألفي دلوقتي في غرفة التحكم بيحاول يوقف الإنذار، ورجاله ملهيين في المطر. إحنا الاتنين بس اللي عارفين مكان الشحنة الحقيقية.”
مسك إيدها تالت مرة في الليلة دي، بس المرة دي مكنش فيها أي إشارة ولا أي تزييف. كانت لمسة حقيقية، قماش بارد على جلد بارد، بس فيه حاجة اتغيرت بينهم.
“دلوقتي، هنروح نستلم ملكيتنا.”

حكايات شروق خالد

تحت الأضواء الحمراء المتقطعة لإنذار الطوارئ، وفي مواجهة سيول المياه المندفعة من رشاشات الحريق التي اختلطت بمياه المطر الباردة، تحرك يوسف ونادين كأنهما شبحان في مقبرة من الحديد. الفستان الأسود الحريري لنادين، الذي كان منذ ساعات رمزاً للأناقة في الحفلة، أصبح الآن ثقيلاً ومبللاً، يلتصق بجسدها ويعيق حركتها، لكنها لم تتوقف.
كان يوسف يقودها عبر ممرات ضيقة بين الحاويات، مستغلاً حفظه الدقيق لتخطيط الميناء. كان صوته، رغم الفوضى العارمة حولهما، هادئاً وقاطعاً:
“عاصم الألفي فاكر إن الشحنة في الحاوية رقم 109، الحاوية المميزة بعلامة الشركة. وده اللي رجاله بيحاولوا يوصلوا له دلوقتي.”
توقف فجأة خلف زاوية حاوية ضخمة، وسحب نادين لتصبح ملاصقة له، ليحميها من رذاذ المياه القوي. كانت أنفاسهما مسموعة، مختلطة بصوت الإنذار البعيد.
أكمل بصوت واطي:
“لكن الشحنة الحقيقية، الملفات والأجهزة، موجودة في الحاوية رقم 112. حاوية قديمة، مصدية، ومكتوب عليها بالروسي. مفيش حد هيفكر يبص فيها.”
أشار بيده نحو رصيف الشحن رقم 4، حيث كانت ترسو سفينة شحن ضخمة، وتحتها مباشرة، كانت تقف الحاوية رقم 112، تبدو مهملة تماماً وسط الفوضى.
“الخطة دلوقتي: أنا هوصل للحاوية، وأفتح التشفير الإلكتروني للقفل. محتاج دقيقتين بس. في الوقت ده، أنتي هتفضلي هنا، مستخبية في الظل ده. لو شفتي أي حركة، أي كشاف بيقرب، اضربي على جدار الحاوية دي ثلاث مرات بقوة. ده الإنذار بتاعي.”
بصت له نادين، عينيها كانت بتلمع تحت الأضواء الحمراء، مش بس من الخوف، لكن من الإصرار.
“يوسف.. لو عاصم عرف الخدعة، أول مكان هييجي فيه هو هنا. الحاوية دي قريبة جداً من الرصيف.”
يوسف قرب وشه منها، لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه رغم البرد.
“وعشان كده أنتي هنا. أنتي مش بس طُعم، أنتي دلوقتي عيوني اللي في ضهري. تقدري تعملي ده؟”
هزت راسها بالموافقة، وضغطت على إيده اللي كانت ماسكة كتفها.
تحرك يوسف بسرعة الظل نحو الحاوية رقم 112. نادين فضلت مكانها، قلبها بيدق بعنف، عينيها بتراقب كل حركة، وأذنيها بتحاول تميز صوت خطوات رجال عاصم وسط صوت الإنذار والمطر.
في غرفة التحكم، كان عاصم الألفي بيصرخ في رجاله، وبيحاول يوقف نظام إنذار الحريق اللي قلّب الميناء لفوضى. نجح أخيراً في فصل النظام، وفجأة، ساد الصمت الميناء، وانطفأت الأضواء الحمراء، وحلّ الظلام التام مرة تانية، ما عدا أضواء الكشافات اليدوية اللي بدأت تتحرك بعصبية.
نادين حست إن نفسها انقطع. الصمت كان أخوف من الإزعاج. بدأت تسمع صوت خطوات قريبة، وصوت همسات غاضبة.
“يوسف المنصوري مش غبي.. تلاقيه بيضحك علينا.”
الخطوات كانت بتقرب من مكانها. نادين رفعت إيدها، وبكل قوتها، ضربت على جدار الحاوية المعدنية.
طخ.. طخ.. طخ.
الصوت كان عالي جداً في الصمت اللي حلّ. نادين كتمت أنفاسها، واستعدت للأسوأ.
في الجهة التانية، سمع يوسف الإنذار. كان لسه بيحاول يفتح قفل الحاوية. صوابعه كانت مبلولة وبتترعش من البرد، لكنه مكنش ينفع يغلط. الإنذار معناه إن نادين في خطر، وإن وقته انتهى.
بصعوبة، نجح في إدخال الرمز الأخير. القفل الإلكتروني أصدر صوت تكّـة خفيفة، وانفتح باب الحاوية المصدي بصرير مزعج.
يوسف مد إيده جوه، وسحب ملف رمادي غامق، وصندوق معدني صغير. ده كان كل اللي محتاجه.
في نفس الوقت، رجال عاصم وصلوا لمكان نادين. واحد منهم لمح طرف فستانها الأسود في الظل.
“لقيتها! البنت هنا!”
نادين مكنتش قادرة تجري المرة دي. كانت محاصرة.
لكن قبل ما يلمسوها، ظهر يوسف من خلفهم. مكنش معاه سلاح، لكن كان معاه الملف والصندوق.
بصوت جليدي، وقاطع، قال:
“عاصم الألفي فاكر إنه بيلعب معايا.. لكنه في الحقيقة بيلعب بالنار.”
رفع الملف الرمادي الغامق في الهوا.
“اللي في إيدي ده، ينهي عاصم الألفي للأبد. مش بس شغله، لكن حياته. قولو له إن يوسف المنصوري مابيهددش.. هو بس بينفذ.”
الرجال اترددوا. هيبة يوسف، والملف اللي في إيده، كانوا كفيلين بإنهم يقفوا مكانهم.
في اللحظة دي، انطلقت أضواء سيارات الشرطة في الميناء، وصوت السارينات ملأ المكان. إنذار الحريق، والفوضى اللي حصلت، لفتت انتباه السلطات.
يوسف استغل اللحظة، وسحب نادين بسرعة، وتحركوا ناحية مخرج جانبي للميناء، تاركين رجال عاصم في حيرة وخوف.
بعد ساعة ونص:
* الموقع: شقة نادين البسيطة في مصر الجديدة.
* الجو: هادئ، دافئ، وريحة القهوة بتملا المكان.
* المشهد: نادين قاعدة على الكنبة، لافة نفسها ببطانية دافية، ويوسف واقف جنب الشباك، باصص لظلام الليل.
نادين كسرت الصمت بصوت هادي:
“إيه اللي في الملف ده بجد؟”
يوسف لف وبصلها. كان شكله مجهد، لكن عينيه كانت لسه محتفظة بحدتها.
“في الملف ده، فيه أسماء كل الشركات الوهمية اللي عاصم بيستخدمها لغسيل الأموال، وفيه كمان تسجيلات محادثات بينه وبين قيادات سياسية فاسدة. الملف ده مش بس يحميني، ده يخلي عاصم الألفي ملوش وجود في السوق.”
سكت لحظة، وقرب منها، وقعد على الكرسي المقابل لها.
“عملتي شغل كويس الليلة دي يا نادين. مكنتش متخيل إنك هتقدري تواجدي كل ده.”
نادين ابتسمت ابتسامة صغيرة، وتابعت:
“أنا قولتلك، أنا مضيت على العقد، ومش برجع في كلمتي. وكمان.. إنت قولت إننا الاتنين هنخسر لو اترددنا قدام الشخص الغلط.”
بصت لعينه، وسألته السؤال اللي كان بيدور في عقلها من أول ما ركبوا العربية:
“ودلوقتي؟ الستة أسابيع هيبدأوا بجد؟”
يوسف بص لها نظرة طويلة، مكنش فيها أي أثر للبرود أو التحكم. كانت نظرة حقيقية، ومليانة بأسئلة كتيرة.
“الستة أسابيع بدأوا من اللحظة اللي وافقتي فيها تكوني خطيبتي في المكتب. الليلة دي، أثبتي إنك مش بس سكرتيرة، أنتي شريكة حقيقية.”
مد إيده وفتح الصندوق المعدني الصغير اللي أخده من الحاوية. جواه، كان فيه خاتم ألماسي بسيط، لكنه بيخطف العين بتصميمه الراقي.
“الخاتم ده، مكنش مجرد تمثيلية للحفلة. ده خاتم عائلة المنصوري، بيتقدم بس للشخص اللي بنثق فيه بجد.”
مسك إيد نادين، ولبّسها الخاتم.
“الستة أسابيع دول، مش بس عشان نحمي نفسنا من عاصم. دول عشان نشوف إن كنا نقدر نكون مع بعض بجد، مش بس في العقد.”
نادين حست بدفء غريب بيملا قلبها. الخاتم في إيدها، ويوسف المنصوري قاعد قدامها، وبيتكلم معاها بكل الصدق ده.
“أنا موافقة يا يوسف.”
قالتها بصوت واثق، وعينيها بتلمع بالأمل.
في اللحظة دي، تليفون يوسف اهتز مرة تانية. بص للشاشة، وابتسم ابتسامة صغيرة.
“عاصم الألفي اتمسك في الميناء. الملف اللي في إيدينا، هو الدليل القاطع.”
بص لنادين، وكمل:
“اللعبة انتهت يا نادين.. وإحنا اللي كسبنا.”

انكشاف المستور

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى