
«أنا ما بقولش حاجة إلا وأنا متأكد.»
«بس ليه؟»
آدم بص لي طويلاً.
«لأن اللي كان جوه الشقة وقت الحريق ما كانش المفروض يخرج منها.»
توقفت أنفاسي.
«مين؟»
آدم قال بهدوء:
«إنتِ.»
اتسعت عيناي.
«أنا؟»
«أيوه، يا سلمى.»
قرب منها.
«ياسين ما كانش الهدف الحقيقي.»
حسيت ببرودة في أطرافي.
«يبقى مين؟»
نظر مباشرة إلى عيني.
«إنتِ.»
سكتُّ.
ثم ضحكت، لكن ضحكتي خرجت مكسورة.
«أنا كنت ممرضة.»
«كنتِ.»
«ومليش أي علاقة بالموضوع.»
«كان عندك.»
«إيه؟»
آدم أخرج ورقة أخرى من الظرف.
«من تلات سنين، في الليلة اللي ساعدتيني فيها… حصلت سرقة من المستشفى.»
تجمدت.
«سرقة إيه؟»
«ملف.»
«ملف مين؟»
«ملف مريض.»
نظرت إليه.
«إنت؟»
هز رأسه.
«لأ.»
ووضع الورقة أمامي.
«ملف راجل اسمه محمود الشناوي.»
الاسم وقع على قلبي كالصاعقة.
لأني كنت أعرفه.
كان آخر مريض استلمت ملفه في تلك الليلة.
وكان قبل رحيله بدقائق، همس لي بكلمة واحدة لم أفهم معناها وقتها.
المنصوري.
رفعت رأسي ببطء.
آدم كان يراقبني.
«دلوقتي بدأتي تفتكري؟»
حكايات شروق خالد
«المنصوري…»
همست بالاسم، وأنا بحاول أفتكر.
صورة الراجل العجوز رجعت قدامي.
محمود الشناوي.
كان جسمه ضعيف، وشعره أبيض، وأنفاسه متقطعة.
قبل ما يفارق الحياة بدقايق، مسك إيدي وقال:
«المنصوري… ما تثقيش في…»
وبعدين صوته اختفى.
ساعتها افتكرت إني كتبت ملاحظة في ملفه.
لكن بعد ما خلصت النوبة، الملف اختفى.
والدكتور قال لي إن حد أخده بالغلط.
بصيت لآدم.
«إنت كنت عارف محمود الشناوي؟»
«كان أبويا.»
اتجمدت.
«أبوك؟»
هز رأسه.
«أيوه.»
«بس… أنا كنت فاكرة إن والدك مات من سنين.»
«دي كانت الرواية اللي اتنشرت.»
سكت لحظة.
«أبويا رحل في المستشفى، لكن قبلها كان بيحاول يكشف شبكة كاملة من الناس اللي بتغسل فلوس وتبيع معلومات لشخصيات كبيرة.»
بصيت للصور الملقاة على السفرة.
«وياسين كان واحد منهم؟»
آدم ما جاوبش.
وده كان كفاية.
حسيت بالغثيان.
«إنت بتقول إن الشخص اللي كنت عايشة معاه كان متورط في كل ده؟»
«أنا بقول إن ياسين كان جزء من حاجة أكبر.»
«وليه أنا؟»
آدم مد إيده ناحية الورقة.
«لأن والدك…»
اتجمدت.
«أبويا؟»
«أيوه.»
بصيت له وأنا مش فاهمة.
أبويا اختفى وأنا عندي عشر سنين.
على الأقل ده اللي اتقال لي.
أمي كانت دايمًا بتقول إنه اختفى في حادث عربية.
«أبويا ماله؟»
آدم قال:
«أبوك ما اختفاش في .»
الكوباية من إيدي على الأرض.
«إنت بتكدب.»
«نفسي أكون بكدب.»
«أبويا اختفى من سبعتاشر سنة.»
«لا.»
قرب خطوة.
«أبوك اختفى من سبعتاشر سنة.»
حطيت إيدي على فمي.
«إنت عرفت ده إزاي؟»
«لأن محمود الشناوي كان بيدور عليه.»
سكت.
«ومحمود كان عنده دليل إن أبوك كان عايش.»
دموعي نزلت من غير ما أحس.
«فين؟»
آدم بص ناحية الباب.
«المشكلة إن الدليل كان عندك.»
«عندي؟»
«أيوه.»
«فين؟»
نظر إلى الضمادات على رقبتي.
«في الحاجة اللي أخدتيها من المستشفى ليلة ما ساعدتيني.»
حاولت أفتكر.
الليلة دي كانت ضباب.
الدخان.
الدم.
صوت أجهزة المراقبة.
محمود الشناوي.
و…
فجأة، لمعت صورة في دماغي.
سوار صغير.
كنت حطيته في جيب الجاكت من غير ما أعرف ليه.
قمت بسرعة واتجهت ناحية دولاب صغير.
فتحت الدرج الأخير.
بدأت أقلب في الأشياء القديمة.
فواتير.
صور.
أوراق.
وبعدين لقيته.
علبة معدنية صغيرة.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحتها.
جواها كان فيه مفتاح صغير جدًا، وقطعة ورق مطوية.
آدم وقف خلفي.
«ما تفتحيش الورقة.»
بصيت له.
«ليه؟»
«لأن لو اللي مكتوب فيها هو اللي أنا متوقعه، فإحنا الاتنين بقينا في خطر.»
ضحكت بمرارة.
«أنا أصلًا حياتي بقت جحيم.»
مد إيده.
«سلميهالي.»
ضممت الورقة لصدرى.
«لأ.»
نظر لي بثبات.
«مش هأذيكي.»
«مش خايفة منك.»
«يبقى ليه بتبعدي؟»
بصيت له.
«لأني اتعلمت إن كل راجل وعدني إنه هيحميني… كان أول واحد يوجعني.»
ساد الصمت.
ولأول مرة، شفت شيئًا في عيني آدم غير البرود.
وجع.
قال بهدوء:
«أنا مش ياسين.»
«لسه ما أعرفكش.»
«وهتعرفيني.»
في اللحظة نفسها، دوّى صوت قوي من الخارج.
صوت شديد.
الزجاج اهتز.
صرخت من الخضة.
آدم اندفع ناحيتي فورًا، وضمّني خلفه.
ثم سمعنا صوت خطوات في السلم.
أكتر من شخص.
بص لي وقال:
«خدي الورقة.»
«إيه؟»
«وخبيها.»
«وإنت؟»
رفع عينيه للباب.
«أنا هتعامل معاهم.»
«آدم…»
بص لي للمرة الأخيرة.
«من اللحظة دي، يا سلمى، أي حد يقول لك إنه جاي ينقذك… ما تثقيش فيه.»
ثم انطفأت أنوار الشقة.
وبدأ المقبض يتحرك ببطء.
مرة.
واتنين.
وبعدين الباب اتفتح.
«أنقذته من النهاية
حكايات شروق خالد»




