
«كان مصاب، وقال لي إنه خايف منصور يقتله.»
«ليه؟»
«عشان كان اكتشف إن منصور بيزوّر أوراق الأراضي وبيطرد الفلاحين من أرضهم.»
أحمد حس بقشعريرة.
«وأبويا؟»
«ساعدته يهرب.»
«هرب فين؟»
«ما أعرفش.»
عم إبراهيم أخرج ورقة تانية من جيبه.
«بس قبل ما يختفي، سلّمني دي.»
أحمد فتح الورقة.
كان فيها اسم ومكان.
وتحت الاسم جملة واحدة:
«لو رجعت يومًا، هتلاقي الحقيقة تحت شجرة التوت.»
أحمد بص له.
«شجرة التوت؟»
عم إبراهيم هز راسه.
«في الحقل.»
في اليوم التالي، راح أحمد للمكان.
نفس الحقل.
نفس الأشجار.
نفس كومة القش اللي ماتت عندها مريم.
وقف قدام شجرة توت كبيرة.
حفر.
مرة.
واتنين.
لحد ما خبطت إيده في صندوق حديد صغير.
طلعه.
فتحه.
جواه أوراق قديمة وصورة.
أحمد مسك الصورة.
وكان فيها أبوه.
واقف جنب مريم…
ومعاه رجل تاني.
أحمد اتعرف عليه فورًا.
منصور.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في ظهر الصورة.
كان مكتوب:
«مريم تعرف الحقيقة كلها.»
أحمد رجع خطوة.
«يعني مريم كانت عارفة؟»
وفي اللحظة دي، سمع صوت خطوات وراه.
لف.
كان رجل عجوز واقف بعيد.
بص له وقال:
«أبوك ما ماتش.»
أحمد قرب منه.
«إنت مين؟»
«أنا اللي ساعدته يهرب.»
«فينه؟»
الرجل أشار ناحية الطريق.
«لسه عايش.»
قلب أحمد بدأ يدق بعنف.
«فين؟»
قال الرجل:
«في قرية على بعد ساعات من هنا.»
أحمد ما استناش.
رجع البيت.
حط ياسين عند أمينة، وقال:
«خلي بالك منه لحد ما أرجع.»
أمينة سألته:
«رايح فين؟»
بص ناحية ابنه.
«أدور على أبويا.»
وبعد ساعات من السفر، وصل لقرية صغيرة.
سأل عن الاسم.
لحد ما وصل لبيت قديم في آخر البلد.
خبط.
الباب اتفتح.
وظهر رجل عجوز.
شعره أبيض.
وشه مليان تجاعيد.
لكن عينيه…
أحمد عرفهم فورًا.
اتسمر مكانه.
الرجل قال:
«أحمد؟»
أحمد ما قدرش يتكلم.
قرب منه.
«بابا؟»
الرجل دمعت عينه.
«ابني.»
أحمد حضنه.
لكن الحضن ما كانش فيه فرحة كاملة.
كان فيه سنين من الغياب.
وغضب.
وأسئلة.
«إنت سبتنا ليه؟»
أبوه نزل عينه.
«كنت بحميكم.»
«ماما ماتت وهي فاكرة إنك ميت.»
«عارف.»
«ومريم ماتت وهي لوحدها.»
الرجل رفع عينه.
«مريم ماتت؟»
أحمد أومأ.
«وخلّتلي ابن.»
دموع الرجل نزلت.
«ياسين؟»
أحمد اتفاجئ.
«إنت عرفت اسمه إزاي؟»
ابتسم الرجل بحزن.
«لأن أمك كانت قالتلي قبل ما أمشي إن لو رزقت بولد، هتسميه ياسين.»
سكت أحمد طويلًا.
وبعدين قال:
«تعالى معايا.»
رجعوا القرية بعد يومين.
أول ما شاف ياسين، أبو أحمد أخده بين إيديه.
قعد يبص له.
وقال:
«أمك ماتت وهي بتحاول توصلك للحياة.»
أحمد رد:
«وعشان كده أنا مش هخليه يعيش يوم واحد يحس إنه لوحده.»
مرت السنين.
ياسين كبر.
كبر وسط عم إبراهيم وأمينة وأبوه وجدّه.
وكان كل سنة في نفس اليوم، أحمد ياخده للحقل.
يقف قدام المكان اللي ماتت فيه مريم.
ويحط وردة على الأرض.
ولما ياسين كبر وبقى شاب، سأله:
«بابا، ليه كل سنة بتجيبني هنا؟»
أحمد بص للحقل.
وقال:
«عشان تعرف إن أول نفس أخدته كان تمنه غالي جدًا.»
«مين دفع التمن؟»
أحمد حط إيده على كتفه.
«أمك.»
سكت ياسين.
وبص للأرض.
«أنا مش فاكرها.»
أحمد ابتسم بحزن.
«مش لازم تفتكرها عشان تحبها.»
وبعد لحظات، قال:
«هي قضت آخر لحظة في حياتها وهي حاضناك.»
ياسين نزل على ركبته.
لمس التراب.
وقال:
«وعد مني يا أمي… عمري ما هنسى.»
هبت نسمة خفيفة بين الأشجار.
وتحركت أغصان التوت فوقهم.
كأن الحقل نفسه كان بيرد.
ومن يومها، بقى ياسين كل ما يرجع للمكان، يفتكر إن بعض الأمهات بيمشوا من الدنيا…
لكن حبهم بيفضل عايش في أول نفس أخده طفلهم.
مريم ماتت في حقل بعيد، تحت المطر، من غير ما حد يسمع صرختها.
لكنها ما ماتتش من الحكاية.
لأنها تركت خلفها طفلًا عاش…
وكبر…
وحمل اسمها في قلبه طول عمره.
أما أحمد، ففضل كل ليلة قبل ما ينام يبص لصورة مريم ويقول:
«وعدتك إني مش هسيب ابننا لوحده.»
وكان كل ما يسمع المطر يخبط على السقف، يفتكر آخر مكان شافها فيه…
ويهمس:
«سامحيني يا مريم.»
وفي كل مرة كان ياسين يسمع الجملة دي، كان يقرب من أبوه ويحط إيده على كتفه.
من غير كلام.
لأن بعض الوجع…
مش محتاج شرح.
ومع مرور السنين، فضل الحقل موجود.
والشجرة موجودة.
والحكاية موجودة.
كل ما حد من أهل القرية يعدي من هناك، كان يفتكر الست اللي ماتت وهي حاضنة ابنها.
والناس بقت تقول:
«مريم ما راحتش لوحدها… مريم سابت وراها حياة كاملة.»
ودي كانت الحقيقة.
لأن الموت قدر ياخد جسمها…
لكن ما قدرش ياخد حبها.
ولا ابنها.
ولا الوعد اللي قطعه أحمد.
ولا الحكاية اللي فضل أهل البلد يحكوها لكل طفل يولد في القرية:
إن الأم ممكن تدي آخر نفس عندها…
عشان تمنح طفلها أول نفس.
«الولادة الأخيرة في قلب المطر»
حكايات شروق خالد



