Uncategorized

جوزي جاب ست مشردة لقصرنا ج1 حكايات شروق خالد

جوزي جاب ست مشردة لقصرنا وقال لي: «سارة، أنا محتاجك تساعديها.» كنت تقريبًا هرفض، لحد ما نضفت التراب من على كتفها وشوفت علامة خلتني أسيب كل حاجة من إيدي.

اسمها كان مريم.

أو على الأقل، ده الاسم اللي الناس كانوا بينادوها بيه.

ماكانش معاها بطاقة شخصية.

ولا كان معروف ليها أي أهل.

وماكانش عندها تقريبًا أي ذكريات عن حياتها قبل السنين اللي قضتها وهي بتتنقل بين دور الإيواء، ومحطات الأتوبيس، والشوارع.

لما جوزي أحمد جابها لبيتنا، كنت غاضبة جدًا.

قلت له:
«إحنا عندنا خدم.»

بص لي مباشرة وقال:
«هي ضيفة يا سارة، مش مشكلة المفروض حد تاني يتعامل معاها.»

ماحبتش كلامه.

لكن أخدت مريم للأوضة اللي فوق على أي حال.

اديت لها فوط.

وهدوم نضيفة.

وروْب.

وبصراحة، لبست حتى جوانتي للاستعمال مرة واحدة قبل ما أساعدها.

مريم لاحظت.

لكنها ماقالتش حاجة.

وده خلاني أحس بسوء أكتر.

إيديها كانت بتترعش بدرجة كبيرة لدرجة إنها ماقدرتش تخلع معطفها، فساعدتها.

ساعتها لاحظت التراب اللي كان موجود على ضهر كتفها.

بللت قطعة قماش ومسحت مرة.

ومرة تانية.

وفجأة اتجمدت مكاني.

تحت التراب ظهرت علامة ولادة صغيرة لونها بني.

منحنية.

وشكلها كان شبه الهلال بالضبط تقريبًا.

وقعت قطعة القماش من إيدي.

مريم بصت لي بخوف وقالت:
«في إيه؟»

ماقدرتش أرد.

جريت ناحية الطرقة، وفتحت الدرج السفلي في التسريحة بتاعتي، وطلعت سلسلة فضية قديمة ماكنتش لمستها من سنين.

جواها كانت فيه صورة قديمة.

ست قاعدة على العشب، وعلى حجرها بنت صغيرة.

البنت الصغيرة كانت أنا.

والست كانت أمي.

وكان ظاهر تحت حزام فستانها الصيفي نفس علامة الهلال بالضبط.

جريت تاني ناحية مريم.

إيديا كانت بتترعش بشدة لدرجة إني بالكاد قدرت أمسك السلسلة.

قلت لها وأنا بشاور على الصورة:

«الست دي… اسمها فاطمة عبد الرحيم.»

مريم بصت للصورة.

ولا أي رد فعل.

قلت لها:

«البنت الصغيرة دي أنا.»

وبرضه مافيش رد.

همست:

«دي أمي.»

مريم بصت لي ودموعها اتجمعت في عينيها.

وقالت أربع كلمات كسرت حاجة جوايا:

«أنا معرفكيش يا سارة.»

أمي كانت اختفت من خمسة وعشرين سنة.

حصل حريق رهيب في بيتنا القديم، بعد وفاة أبويا بفترة قصيرة.

عربيتها كانت موجودة بره البيت.

ولقوا بعض متعلقاتها جوه.

لكن محدش قدر يحدد هوية أي جثمان بشكل قاطع.

لسنين طويلة، عيلتي كانت بتقول إنها مفقودة.

وبعد فترة، الكل بدأ يقول إنها ماتت.

حتى أنا.

ودلوقتي، كانت فيه ست مشردة لابسة واحد من الروبات بتوعي، واقفة على بعد خطوات قليلة مني…

وعندها نفس علامة الولادة اللي كانت عند أمي.

في اللحظة دي، أحمد طلع الدور اللي فوق.

أول ما شاف وشي، وقف مكانه.

شاورِت على مريم.

وبعدين على الصورة.

وسألته:

«إنت كنت شاكك، صح؟»

أحمد سكت.

وسكوته كان كفاية.

اعترف إنه لاحظ حاجات معينة في مطبخ خيري كان بيروح له.

ندبة قديمة على رسغ مريم.

وسنها التقريبي.

وطولها.

وحاجة تانية.

قال:
«كانت بتدندن حاجة.»

سألته:
«إيه؟»

قال:
«الأغنية اللي بتشغليها كل عيد ميلاد.»

جسمي كله تلج.

كانت نفس الأغنية اللي أمي كانت بتدندنها وهي بتنضف مطبخنا وأنا صغيرة.

أحمد قال إنه ماحبش يقول لي، لأنه كان خايف يديني أمل لو كان شكه غلط.

فماكانش قدامنا غير حل واحد.

الدكاترة.

فحوصات عصبية.

سجلات قديمة.

وأخيرًا…

تحليل DNA.

ولما النتيجة ظهرت، الدكتور بص لي وأكد الحاجة اللي كنت مرعوبة أصدقها.

مريم ماكانتِش مريم.

كانت فاطمة عبد الرحيم.

أمي.

كانت عايشة.

بعد خمسة وعشرين سنة.

لكنها لسه مش قادرة تفتكرني.

والدكاترة حذرونا إنها ممكن ما تسترجعش كل ذكرياتها أبدًا.

فبدأت أوريها صور قديمة.

ووصفات أكل كانت بتحبها.

وزينة عيد الميلاد القديمة.

وأماكن من طفولتي.

لكن مافيش حاجة نفعت.

لحد ما عدّى تلات أسابيع.

كنا بنتمشى قريب من المنطقة اللي كان بيتنا القديم موجود فيها زمان.

وفجأة عربية نقل كانت بتسلّم طلبات لفت بسرعة زيادة عند التقاطع.

صوت الكاوتش صرخ على الأسفلت.

مريم مسكتني وشدتني لورا.

وبعدين صرخت:

«سارة!»

مش بالطريقة الحذرة اللي كانت اتعلمت تناديني بيها.

لأ.

بالطريقة اللي أمي كانت بيها زمان.

بصيت لها.

ملامح وشها اتغيرت.

وبعدين همست بلقب طفولي محدش كان بيناديني بيه من وأنا عندي عشر سنين.

ركبي كادت  .

همست:

«ماما؟»

لمست وشي وبدأت تعيط.

وقالت:

«يا بنتي… يا حبيبتي…»

وبعد خمسة وعشرين سنة من الصمت، أمي أخيرًا افتكرت الليلة اللي عيلتنا.

افتكرت أبويا.

وافتكرت الشارع.

اكتشفت إن القصة اللي فضلت نفسي عليها من وأنا طفلة…

ماكانتِش حقيقية أصلًا.

وأول ما سمعت الحقيقة كاملة، عرفت إن الشخص اللي تسبب في اختفاء أمي طوال الخمسة وعشرين سنة…

كان أقرب لينا مما كنت أتخيل.

#حكايات_شروق_خالد

هزت راسها ببطء.

«إيه؟»

بصت حواليها كأنها خايفة يكون حد بيسمعنا، وبعدين مسكت إيدي بقوة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى