
قلت بصوت مبحوح:
— أبويا حط ده هنا؟
آدم رفع عيني.
— أيوه.
— يبقى عمك عايزها.
— مش عمّي بس.
— مين كمان؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت سيارة تقف تحت العمارة.
آدم أعاد الشريحة للقلادة.
— لازم نمشي.
— ونروح فين؟
— مكان محدش يعرفه.
ركبنا العربية، ومريم كانت لسه مفقودة.
طول الطريق، كنت ماسكة القلادة بإيدي.
— آدم.
— نعم؟
— لو قدرنا ننقذ مريم… إنت هتاخد الشريحة؟
— لو طلبتي مني.
بصيت له.
— ولو ما طلبتش؟
— مش هاخدها.
— حتى لو فيها أسرار ممكن تدمر إمبراطوريتك؟
نظر لي.
— حتى لو فيها اسمي.
سكت.
وصلنا إلى منزل قديم في أطراف القاهرة.
كان مختلفًا تمامًا عن بيت آدم الفخم.
دخلنا.
أغلق الباب خلفنا.
— هنا محدش هيعرف يوصلك.
— ومريم؟
— هنرجعها.
وضع القلادة على طاولة.
أخرج جهازًا صغيرًا.
— لازم نعرف محتوى الشريحة.
— إنت متأكد إنها مش هتأذي الجهاز؟
ابتسم.
— أنا متأكد من أجهزة أغلى من البيت ده.
جلس أمام الكمبيوتر.
مرر الشريحة داخل الجهاز.
ظهرت ملفات كثيرة.
واحد منها كان اسمه:
“سلمى — لا يُفتح قبل الخطر.”
اتسعت عيناي.
— افتحه.
نظر لي.
— متأكدة؟
— أيوه.
فتح الملف.
ظهر تسجيل فيديو.
أبي.
كان جالسًا أمام الكاميرا، ووجهه مرهق.
وبمجرد ما ظهر، نسيت إزاي أتنفس.
— سلمى…
صوته وحده خلاني أبكي.
— لو بتشوفي التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أرجعلك.
وضعت يدي على فمي.
— أول حاجة لازم تعرفيها… أنا ما متش.
تجمدت.
آدم نظر لي.
تابع أبي:
— لكن لو إنتِ وصلتي للمرحلة دي، فمعناه إنهم وصلوا لك.
اقتربت من الشاشة.
— أنا عارف إنك هتكرهي آدم.
نظرت إليه.
— وهتفتكري إنه واحد منهم.
آدم ظل ساكتًا.
— لكن لو هو واقف جنبك دلوقتي، يبقى أنا اخترت صح.
توقف التسجيل لحظة.
ثم قال أبي:
— آدم هو الوحيد اللي أقدر أثق إنه يحميكي.
انخفض صوتي:
— ليه؟
أجاب أبي من الشاشة:
— لأنه مش ابني، لكني ربيته كأنه ابني.
نظرت لآدم.
ملامحه تغيرت.
ثم تابع أبي:
— أخوه الحقيقي مات بسبب عمّه.
سكت.
— وآدم كان عمره سبع سنين وقتها.
آدم أغمض عينيه.
كأن الذكرى رجعت له فجأة.
تابع أبي:
— عمّه قتل أخوه عشان يوصل للحكم.
ظهر ملف آخر على الشاشة.
ثم قال أبي:
— لكن فيه حاجة أخطر.
اقتربت من الشاشة.
— الدفتر مش معايا.
توقفت أنفاسي.
— الدفتر مع الشخص اللي خانني.
تغيرت ملامح آدم.
— مين؟
أبي نظر مباشرة للكاميرا.
— أم سلمى.
تجمدت.
— أمي؟
آدم التفت لي.
— والدتك كانت آخر شخص شاف الدفتر.
بدأت أهز رأسي.
— أمي ماتت.
— لأ.
جاء صوت أبي من التسجيل:
— أمك عايشة.
انهارت قدماي على الكرسي.
— مستحيل…
ثم ظهر شيء خلف أبي في التسجيل.
باب.
ورجل يقف خلفه.
الرجل رفع وجهه.
كان عم آدم.
ثم قال أبي:
— لو شفتِ عم آدم… ما تثقيش فيه.
توقف التسجيل فجأة.
ساد الصمت.
قلت:
— أمي عايشة.
آدم لم يرد.
— آدم!
نظر لي.
— أيوه.
— لازم نلاقيها.
— هنلاقيها.
— ومريم.
— هنرجع مريم.
ثم سمعنا صوتًا من الخارج.
خطوات.
آدم رفع سلاحه.
وأشار لي أن أختبئ.
انفتح الباب ببطء.
دخل رجل.
ثم رجل آخر.
ثم ثالث.
وفجأة، جاء صوت امرأة من خلفهم:
— محدش يضرب.
تجمدت.
الصوت…
كان مألوفًا.
صوت سمعته في أحلامي لسنين.
خرجت المرأة من الظلام.
وشها كان أكبر سنًا، شعرها قصير، وعينيها مليانة دموع.
وقفت أمامي.
همست:
— سلمى؟
لم أقدر أتحرك.
— ماما؟
اندفعت نحوي.
وحضنتني.
لأول مرة من سبع سنين، سمعت صوتها وهي بتبكي في أذني:
— سامحيني يا بنتي.
لكن قبل ما أقدر أسألها أي شيء، نظرت خلفي إلى آدم.
ثم قالت:
— إحنا في خطر.
آدم رفع سلاحه.
— مين اللي وراكي؟
أمي مسحت دموعها.
وقالت:
— الشخص اللي خطف مريم.
ثم نظرت لي.
— الشخص ده…
توقفت.
— هو الشخص الوحيد اللي ما كانش المفروض يعرف إنك لقيتي الشريحة.
رن هاتف آدم.
ظهرت رسالة واحدة.
“أمك وصلت عندك… لكن أختك لسه عندي.”
وتحتها عنوان.
ثم جملة أخيرة:
“تعالوا أنتم الأربعة… ولو آدم دخل، مريم هتموت.”
حكايات شروق خالد
بصيت لآدم، وبعدين لأمي.
— هنروح.
آدم هز رأسه.
— لأ.
— دي أختي.
— وأنا مش هسمحلك تدخلي فخ.
أمي قاطعته:
— هو مش فخ عادي. هم عايزين الشريحة.
رفعت القلادة.
— يبقى ياخدوها.
آدم بص لي.
— وإنتِ؟
— أنا هاخد مريم وأرجع.
سكت طويلًا، ثم قال:
— تمام.
— تمام إيه؟
— هنروح.
وصلنا للمكان قبل منتصف الليل.
كان مخزنًا مهجورًا على أطراف القاهرة.
دخلنا أنا وأمي فقط.
لكن آدم خالف الاتفاق.
كان خلفنا، ومعاه رجاله، منتشرين في المباني المحيطة.
في الداخل، كانت مريم مربوطة على كرسي.
— سلمى!
جريت ناحيتها.
لكن صوت تصفيق جاء من الظلام.
ظهر عم آدم.
— أخيرًا.
أمي وقفت قدامي.
— أنت.
ابتسم.
— كنت مستني اليوم ده من سنين.
آدم خرج من الظلام.
— وأنا كمان.
الرجل رفع سلاحه.
— قلت لك ما تدخلش.
آدم ابتسم.
— وأنا قلت لك زمان إني مش هفضل الولد اللي بتخوفه.
انطلقت رصاصة.
ثم انفجر المكان بالفوضى.
رجال آدم ظهروا من كل اتجاه.
أمي فكّت قيود مريم.
وأنا سحبتها بعيدًا.
عم آدم حاول الهرب.
لكن آدم لحقه.
وقفا وجهًا لوجه.
قال العم:
— أنا صنعتك.
رد آدم:
— وإنت قتلت كل حاجة حلوة في حياتي.
— أنا جعلتك قويًا.
— لأ.
رفع آدم سلاحه.
— أبويا هو اللي علمني القوة.
ثم خفض السلاح.
— وأنا مش هبقى زيك.
بعد دقائق، وصلت الشرطة.
كان الدفتر الحقيقي موجودًا في مكان آخر، لكن الشريحة كانت تحتوي على كل الأدلة الكافية لإسقاط الشبكة كلها.
تم القبض على عم آدم وعدد من شركائه.
أما آدم، فقد سلّم الملفات بنفسه للجهات المختصة، وأغلق كل الأعمال غير القانونية المرتبطة باسمه.
وبعد شهور، بدأت حياته تتغير.
أما أنا، فعدت للدراسة.
مريم دخلت كلية الصيدلة، وبقت بتضحك كل ما تفتكر اللي حصل.
وأمي بدأت تعوضني عن سبع سنين من الغياب.
أما آدم…
ففضل يظهر في حياتي من غير ما يفرض نفسه.
مرة يبعت ورد.
مرة يقف قدام الجامعة.
ومرة يختفي أسبوعين عشان يخليني أفتقده.
وفي ليلة هادئة، رجعنا لنفس اللاونج.
نفس المكان.
نفس الترابيزة.
الترابيزة رقم 12.
لكن المرة دي، ما كنتش لابسة زي النادلات.
كنت لابسة فستان بسيط.
آدم جلس أمامي.
وحط على الترابيزة ظرفًا صغيرًا.
فتحته.
كان فيه مفتاح.
قلت:
— مفتاح إيه؟
ابتسم.
— بيتنا.
ضحكت.
— إنت بتطلب مني الجواز ولا بتديني أمر؟
قال:
— المرة دي بطلب.
ثم أمسك إيدي.
— تتجوزيني يا سلمى؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
— بشرط.
— إيه؟
— مفيش أوامر.
ضحك.
— موافق.
— ومفيش تهديد.
— موافق.
— ومفيش رجالة سودا تراقبني.
— دي صعبة شوية.
ضربته على إيده.
— آدم!
ضحك لأول مرة من قلبه.
— خلاص. موافق.
وبعد سنة، وقفت سلمى أمام المرآة بفستان أبيض.
مريم كانت بتبكي وهي بتعدل طرحة أختها.
أمي كانت بتضحك.
وفي آخر القاعة، كان آدم واقف مستنيها.
الرجل الذي أخاف القاهرة كلها…
كان واقف أمام امرأة واحدة فقط، وعينيه مليانة خوف.
خوف من كلمة واحدة.
نعم.
مشت سلمى ناحيته.
ولما وصلت، مد إيده.
مسكتها.
همس:
— فاكرة أول مرة قابلتك؟
ابتسمت.
— لما رفضت طلبك؟
— أيوه.
— أحسن قرار خدته في حياتي.
ضغط على إيدها.
— وأنا كمان.
ثم أضاف:
— لأن تجاهلك ليا ما خلانيش أخسر البقشيش…
ابتسمت.
— أمال؟
نظر لها بحب.
— خلاني ألاقي حياتي كلها.
ومن يومها، ما بقاش اسم “سلمى” مرتبط بالترابيزة رقم 12.
بقى مرتبط بالمرأة الوحيدة اللي قدرت تدخل قلب أخطر رجل في القاهرة…
من غير ما تخاف منه.
تمت.
تجاهلت أخطر زعيم مافيا في القاهرة… فطلب إيدي بدل ما ينتقم مني
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




