روايات وقصص

زوجة زعيم المافيا الهادية ج1 حكايات شروق خالد

«خلي الماس يا سلمى» — زعيم المافيا رجع البيت من سرير عشيقته، واكتشف إن مراته الهادية كانت بالفعل اشترت نهايته. الساعة كانت 2:19 بعد نص الليل، وآدم المنصوري ساق عربيته راجع البيت وهو لسه شايل ريحة برفان ست تانية، ومقتنع إن أسوأ حاجة حصلت له الليلة دي خلاص عدّت.

 

لكنه كان غلطان.

العاصفة اللي ضربت شيكاغو كانت محولة الشوارع لمرايات سودا. المطر كان بينزلق على إزاز عربيته البنتلي الزرقا الغامقة في خطوط طويلة ومرتجفة، وبيحوّل نور أعمدة الشوارع لندوب ذهبية ممتدة.

قعد آدم في مدخل قصره في ليك فورست، والموتور لسه شغال، وإيد واحدة على عجلة القيادة الجلد.

للحظة، ما اتحركش.

سمع صوت المطر.

وشاف البخار طالع من كبوت العربية.

وبعدين بص لوشه في مراية العربية بنفس الانضباط اللي كان بيستخدمه قبل ما يدخل اجتماعات سرية، أو حفلات خيرية، أو مواجهات مع عائلات منافسة.

مفيش أثر روج على ياقة قميصه.

ولا خدش جنب فكه.

ولا أي أثر للست اللي سابها نايمة في شقة فاخرة في وسط المدينة، غير ريحة برفان عنبر خفيفة لسه متعلقة في قميصه، والابتسامة الراضية اللي على شفايفه.

ابتسم لنفسه.

وهو عنده ستة وأربعين سنة، كان آدم المنصوري لسه راجل وسيم بالطريقة الغالية والمتعمدة اللي بتتميز بيها الرجالة اللي بيدفعوا لناس تانية عشان يخبوا نقاط ضعفهم.

شعره كان أسود، وفيه خيوط فضية مرتبة بعناية عند الصدغين.

فكه حاد.

وقمصانه متفصلة مخصوص في أرقى الأماكن.

الصحف كانت بتوصفه كرجل أعمال قوي، لكن ورا الأبواب المقفولة، كان آدم المنصوري معروف كواحد من أخطر زعماء المافيا.

كان مسيطر على نوادي ليلية، ومخازن، وشركات مقاولات، وشركات أمن خاصة، وعدد كافي من الشركات القانونية يخلي المحققين محتارين فين انتهت إمبراطوريته الشرعية وبدأت إمبراطوريته الإجرامية.

كان عنده بيتين على البحيرة، وطائرة خاصة بالكاد بيستخدمها، وزوجة كان بيعتبر سكوتها دليل على ولائها.

ظهر على تليفونه إشعار برسالة من ليان الشناوي.

«لسه بفكر فيك. قول لسلمى إن عندك اجتماع طويل.»

مسح آدم الرسالة، وبعدها المحادثة، وبعدها سجل المكالمات.

فتح تطبيق مشفر متخفي في شكل تطبيق للطقس، ومسح صورتين كانت ليان بعتتهم له في نص الليل، وهي بتضحك وهي لابسة قميصه.

آدم اتعلم من سنين إن الرغبة ما بتبقاش خطيرة إلا لما تسيب وراها دليل.

طَفّى العربية.

القصر ارتفع قدامه، حجر أبيض وحديد أسود وسط العاصفة، وكل الشبابيك مظلمة.

المكان كان اتصور قبل كده في مجلات فاخرة، كأنه متحف قرر صاحبه يحوله لبيت.

آدم هو اللي صممه بنفسه بعد ما ثبت سيطرته على عالم الجريمة.

ست غرف نوم.

مطبخين.

وقبو للنبيذ محفور تحت الجناح الشرقي.

وسلم عائم.

وتراس حديقة كانت سلمى طلبته منه بإلحاح، ووافق عليه آدم فقط بعد ما وعده مهندس تنسيق الحدائق إنه مش هيبوظ تناسق الواجهة الخلفية.

عادةً، كانت سلمى بتسيب أنوار الشرفة منورة.

لكن الليلة، القصر كان غارق في الظلام.

قطّب آدم جبينه.

أخذ حقيبته، وعدّى المدخل وسط المطر البارد، وفتح الباب الأمامي ببصمة إصبعه.

نظام الأمان قبله بصوت رنين خافت.

انفتح البهو قدامه، واسع وشاحب، وأرضية الرخام بتلمع بشكل خفيف تحت نور الشارع.

— سلمى؟

ناداها.

مفيش رد.

لا صوت الموسيقى الهادية اللي عادةً كان بيسمعها من غرفة جلوسها.

ولا صوت فنجان الشاي وهي بتحطه على الطاولة.

ولا صوتها الهادي الصبور اللي كان بيطلع عادةً من مكان ما في البيت، حتى وهي بتحاول تمثل إنها مش مستنياه.

قفل آدم الباب وراه.

الصمت كان غريب.

مش الصمت الهادئ بتاع البيوت الغنية، ولا النوع اللي دفع فلوس للمهندسين وعمال العزل عشان يصنعوه.

ده كان أتقل.

كان ضاغط على ودانه.

وكأنه متجهز مسبقًا.

خلع حذاءه لأن سلمى كانت بتكره إن مية المطر تلمس الرخام.

حتى دلوقتي، وبرفان ليان لسه على جلده، عمل العادة الصغيرة دي تلقائيًا.

وده خلاه يحس بذنب أقل.

هو مش وحش، كان دايمًا بيقول لنفسه.

هو مجرد راجل تحت ضغط استثنائي.

هو بيوفر لهم كل حاجة.

وبيحمي عيلته.

وبيبعد الأعداء عن بوابات البيت.

وإدى سلمى حياة أغلب الستات ممكن تتمنى تحصل عليها.

ولو أحيانًا لقى راحته بعيد عنها، فده مش قسوة.

ده توازن.

مشى عبر البهو ناحية السلم الرئيسي، وفك رابطة عنقه.

وبعدين لاحظ درجة الحرارة.

البيت كان ساقع.

مش بارد شوية.

مش التدفئة ضعيفة.

ساقع.

الجو كان فيه البرودة النظيفة والفارغة بتاعة بيت متساب ومهجور في عز الشتاء.

سلمى كانت دايمًا بتسقع.

كانت بتلبس كارديجان كشمير في الصيف، وبتحط بطاطين صغيرة مطوية فوق كل كنبة.

كانت بتحب درجة حرارة البيت تكون 23 درجة مئوية تقريبًا.

آدم كان دايمًا بيهزر معاها ويقول لها إنها ممكن تفلسه من فاتورة التدفئة قبل أي عيلة منافسة.

بص على شاشة الترموستات جنب السلم.

كانت بتعرض:

13 درجة.

وضع الغياب.

— إيه اللي بيحصل؟

لمس الشاشة.

ما استجابتش.

بدأ ضيقه يتحول لقلق.

— سلمى؟

نادا بصوت أعلى:

— إنتِ غيرتي درجة الحرارة؟

مفيش رد.

الراجل العاقل كان هيراجع كاميرات المراقبة.

لكن آدم ما كانش راجل عاقل جوه بيته.

كان ملك راجع لقصره.

والملوك ما بيطلبوش إذن من الغرف الفاضية.

بيطلعوا السلم وهم متوقعين إن العالم كله هيرتب نفسه حواليهم.

باب جناح النوم الرئيسي كان مفتوح.

ودي كانت أول علامة تحذير حقيقية.

سلمى عمرها ما كانت بتسيبه مفتوح بالليل.

كانت بتقول إن الأبواب المفتوحة بتخلي البيت يحس بالقلق.

آدم كان ضحك عليها مرة وقال لها إن البيوت معندهاش مشاعر.

لكن دلوقتي، وهو واقف عند أعلى السلم والمطر بيخبط على الشبابيك الطويلة وراه، آدم ما بقاش متأكد.

دخل غرفة النوم.

السرير كان مترتب.

وقف مكانه.

حبس نفسه.

مش مترتب بسرعة.

ولا متعدل بواسطة عمال النظافة.

كان مترتب بشكل مثالي ومخيف، بالشكل اللي يخص الفنادق وغرف الجنازات.

اللحاف مفرود ومستوي.

الوسايد متحطوطة في مجموعتين متطابقتين.

مفيش كتاب على جانب سلمى.

ولا كوباية مية نص مليانة.

ولا قناع نوم.

ولا شاحن تليفون منور في الضلمة.

شبشبها اختفى.

لف آدم ناحية الحمام، وبدأ يتحرك أسرع.

— سلمى؟

حكايات شروق خالد

— سلمى؟

فتح باب الحمام بسرعة.

فاضي.

الفوطة اللي كانت معلقة بعناية اختفت.

عطرها اختفى.

حتى فرشاة شعرها، اللي كانت دايمًا بتسيبها على الرخامة، مش موجودة.

آدم رجع خطوة.

بص ناحية الدولاب.

فتح الباب.

الهدوم موجودة.

لكن حاجة واحدة كانت ناقصة.

الجزء اللي كانت سلمى بتحتفظ فيه بملابسها المهمة كان شبه فاضي.

فتح الأدراج واحد ورا التاني.

مجوهراتها اختفت.

ساعتها قلبه نزل في صدره.

مش لأنها هربت.

لكن لأنها كانت مخططة.

سلمى ما كانتش من النوع اللي يعمل حاجة فجأة.

كانت بتفكر.

تستنى.

تسجل.

وبعدين تتحرك.

آدم اتجه ناحية مكتبها الصغير الموجود بجوار الشباك.

كان المكان الوحيد في البيت اللي عمره ما اهتم بيه.

بالنسبة له، كان مجرد مكتب لزوجة هادئة بتقرأ كتب كتير وتكتب ملاحظات عن النباتات والحديقة.

لكن الليلة، كان المكتب مرتب بشكل مختلف.

فوقه ظرف أبيض.

وعليه اسمه بخط سلمى.

آدم.

وقف قدامه ثواني.

مد إيده.

لكنه قبل ما يفتحه، سمع صوتًا من خلفه.

— اتأخرت.

استدار بعنف.

سلمى كانت واقفة عند باب الغرفة.

لابسة فستان أسود بسيط، وشعرها مربوط للخلف.

وشها كان هادي بشكل يخوف.

مفيش دموع.

مفيش صراخ.

مفيش حتى غضب.

كانت ماسكة كوب شاي في إيدها، كأنها كانت مستنياه يرجع من اجتماع عادي.

آدم بص لها.

— إنتِ كنتِ فين؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— في البيت.

— البيت فاضي.

— مش فاضي.

سكت.

بص حوالين نفسه.

— فين حاجتك؟

رفعت الكوب لشفتها وأخذت رشفة.

— الحاجات اللي تخصني خدتها.

آدم قرب منها.

— خدتيها ليه؟

— عشان خلاص مش محتاجاها هنا.

تجمدت ملامحه.

— إيه معنى الكلام ده؟

سلمى حطت الكوب على الطاولة.

وبهدوء شديد قالت:

— معنى الكلام إني عرفت.

لأول مرة من سنين، آدم حس إن مفيش جملة مناسبة يرد بيها.

— عرفت إيه؟

ضحكت بهدوء.

— ما تتعبش نفسك.

قربت من المكتب، وأشارت للظرف.

— افتحه.

آدم ما اتحركش.

— إنتِ بتلعبي معايا؟

— لأ.

بصت له في عينه.

— أنا خلصت اللعب من بدري.

فتح الظرف.

أول ورقة كانت صورة.

ليان الشناوي.

وبجانبها آدم.

الصورة متاخدة من بعيد، لكن واضحة بما يكفي.

آدم قلب الورقة.

صورة تانية.

وثالثة.

ورابعة.

كل واحدة بتاريخ مختلف.

كل واحدة من مكان مختلف.

آخر صورة كانت من الليلة نفسها.

آدم واقف قدام باب الشقة في وسط المدينة.

وليان كانت بتودعه.

إيده قبضت على الورقة.

— مين جابلك الصور دي؟

— مش مهم.

— مين؟

— الشخص اللي اشتغلت معاه عشان أعرف الحقيقة.

رفع عينه لها.

— إنتِ كنتِ بتراقبيني؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى