
ثم عاد ينظر لآية.
«خلاص. عالجيني.»
دخلت معه إلى الغرفة الصغيرة خلف المطعم.
آية جابت صندوق الإسعافات الأولية، ووقفت أمامه.
«شيل الجاكيت.»
رفع حاجبه.
«أمر جديد؟»
«آه.»
خلع الجاكيت ببطء.
آية بدأت تنظف الجرح.
كان الرصاص خدش كتفه فقط، لكن الدم كان كثيرًا.
«إنت محظوظ.»
«دي أول مرة حد يقولها لي.»
«ليه؟»
«عادة الناس بتقول إني أخطر راجل قابلته في حياتهم.»
«وأنا شايفة إنك مجرد راجل دماغه ناشفة.»
ابتسم.
«وأنتِ أول واحدة تقولها في وشي.»
«عشان محدش علمّني أخاف منك.»
سكت ياسين.
ثم قال:
«أبوك؟»
توقفت يدها.
«إيه اللي دخّل أبويا في الكلام؟»
«امبارح لما زعقتلك، شفت نظرة في عينك. كانت نظرة واحدة اتعودت تخاف من حد.»
آية أبعدت عينيها.
«مش عايزة أتكلم عنه.»
«تمام.»
استغربت إنه ما ضغطش عليها.
وبعد لحظات، قالت بهدوء:
«أبويا كان عصبي. كان بيزعق كتير… وأحيانًا كان بيضرب.»
ياسين قبض يده.
«ولسه موجود؟»
«لا.»
«كويس.»
رفعت عينيها له.
«إنت بتقول كويس؟»
«لو كان موجود وكان لسه بيأذيك، كنت هروح له.»
«ياسين.»
«إيه؟»
«إنت بتتكلم بجد؟»
نظر إليها مباشرة.
«أنا ما بهزرش في حاجة تخصك.»
اتسعت عيناها.
سحبت يدها من على كتفه.
«خلصنا.»
لبس جاكيته، لكنه قبل ما يخرج قال:
«من النهارده، مش هترجعي بيتك لوحدك.»
«نعم؟»
«في عربية هتوصلك.»
«مش محتاجة.»
«مش سؤال.»
«وأنا مش واحدة من رجالتك.»
اقترب منها حتى أصبح صوته همسًا.
«أنا عارف.»
«أمال؟»
ثبت عينيه في عينيها.
«عشان الناس اللي هاجمت المكان النهارده كانت عارفة إنك مهمة بالنسبالي.»
تجمدت.
«إيه؟»
«وأنا لسه نفسي أعرف ليه.»
فتح الباب.
وقبل أن يخرج، قال:
«آية… من اللحظة دي، أي حد يحاول يقرب منك، هيكون عنده مشكلة معايا.»
ثم خرج.
آية فضلت واقفة مكانها، وقلبها بيخبط بعنف.
لكنها لم تكن تعرف أن ياسين أخفى عنها أهم شيء.
المهاجم الذي هرب لم يكن عدوًا قديمًا.
كان واحدًا من رجال شخص يعرفه ياسين جيدًا.
والرجل قال قبل أن يهرب جملة واحدة:
«إحنا مش عايزينك يا ياسين… إحنا عايزين آية.»
والسبب؟
كان سرًا مدفونًا في عائلتها منذ ثمانية وعشرين سنة.
حكايات شروق خالد
بعد ثلاثة أيام، عرفت آية الحقيقة.
الرجل الذي هاجم المطعم اعترف بأن والدها لم يكن مجرد رجل عصبي اختفى من حياتها.
كان شاهدًا على عملية كبيرة نفذتها عائلة المنصوري قبل ثمانية وعشرين سنة.
والد آية كان قد خبّأ دفترًا يحتوي على أسماء رجال فاسدين، وصفقات، وحسابات سرية.
وكان الجميع يعتقد أن الدفتر اختفى مع وفاته.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قبل موته بأيام، وضع والدها الدفتر داخل صندوق قديم في بيت آية، وترك لها رسالة.
«لو في يوم حد سأل عن الدفتر، متثقيش في أي حد… إلا الشخص اللي مستعد يحميكي من غير ما يطلب منك حاجة.»
آية قرأت الرسالة ودموعها نزلت بصمت.
ثم رفعت عينيها إلى ياسين.
«أبوك كان واحد من الناس اللي في الدفتر؟»
ياسين لم ينكر.
«أيوه.»
«وعشان كده حميتني؟»
«في البداية كنت عايز الدفتر.»
سكتت.
«وفي النهاية؟»
اقترب منها.
«في النهاية بقيت عايزك إنتِ.»
آية بصت له طويلًا.
«بس إنت عايش في عالم أنا ماليش دعوة بيه.»
«عشان كده هسيبه.»
ضحكت بسخرية.
«زعيم المافيا هيسيب المافيا؟»
«لو ده تمن إني أعيش معاكي… آه.»
مر عام.
ياسين أغلق معظم أعماله غير القانونية، وسلّم الأدلة للشرطة، وبدأ شركاته بشكل قانوني.
أما آية، فلم تعد النادلة التي تحاول تصغّر نفسها.
فتحت مطعمها الخاص.
وفي يوم الافتتاح، وقف ياسين أمامها وهو يحمل باقة ورد.
قال:
«فاكرة أول مرة هددتيني؟»
ضحكت.
«فاكر؟»
«كل كلمة.»
«وأنا قلتلك لو زعقتلي تاني .»
«وأنا كنت فاكر إنك بتهدديني.»
«وكنت فعلًا بتهددك.»
ابتسم.
«الحمد لله إني ما زعقتش تاني.»
ضحكت آية.
«ليه؟»
مد يده إليها.
«عشان اكتشفت إن أخطر حاجة في حياتي مش أعدائي.»
«أمال إيه؟»
«إنك تمشي من حياتي.»
آية أمسكت يده.
«مش همشي.»
اقترب منها وهمس:
«وعد؟»
«وعد.»
وبينما كان المطعم مليان بالناس والضحكات، نظرت آية إلى الرجل الذي كانت المدينة كلها تخشاه يومًا.
ثم ابتسمت.
لأنها أدركت أخيرًا أن المرأة التي قضت عمرها تحاول أن تجعل نفسها أصغر…
وجدت شخصًا جعلها تشعر، لأول مرة، أنها أكبر من كل مخاوفها.
أما ياسين المنصوري، الرجل الذي لم يكن يخاف من أحد، فقد عرف أن أعظم معركة خاضها في حياته لم تكن مع أعدائه…
بل كانت أن يتعلم كيف يحب امرأة لم تخف منه يومًا.
وانتهت الحكاية، لكن حب آية وياسين بدأ من اللحظة التي قالت فيها لأول مرة:
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




