دخلت مطعم الأثرياء بزيّ الممرضة بعد 12 ساعة شغل…ج1 حكايات شروق خالد

بعد 12 ساعة كاملة من أصعب نوبة عمل قضيتها طوال الشهر، توجهت إلى أحد أرقى مطاعم القاهرة وأنا أرتدي ملابس العمل المجعدة، لأجد نفسي فجأة وجهاً لوجه أمام رجل يخشى الجميع مجرد النطق باسمه بصوت مسموع. بمجرد أن وقعت عيناه على الزي الطبي الذي أرتديه، خيم الصمت على المطعم بأكمله، وكأن الجميع كان في انتظار اللحظة التي سيتعرض فيها للاهانة، إلا أن العبارة التي وجهها إليّ بدلاً من التقليل مني جعلت كافة الأصوات المحيطة تختفي تمامًا.
“آسفة،” قلت بصوت خافت يعكس مدى الإرهاق. “لقد جئت مباشرة من العمل.”
خرج صوتي ضعيفاً للغاية وسط فخامة مطعم “المنصورية”، وتحت أضواء النجف الكريستالي الضخم. كان الزي الطبي الكحلي يعاني من التجاعيد، وحذائي الرياضي تحمل بعض البقع، بينما كارنيه المستشفى لا يزال معلقاً حول رقبتي، في حين كانت السيدات اللاتي يرتدين المجوهرات الثمينة والرجال ببدلاتهم المفصلة يرمقونني بنظرات تفيد كأنني اقتحمت المكان بالخطأ تماماً.
كل ركن في داخلي كان يدفعني نحو الرحيل الفوري. لقد أنهيت للتو اثنتي عشرة ساعة متواصلة من العمل الشاق داخل مستشفى النيل التخصصي، حيث كانت كتفاي تؤلماني بقوة، وخصلات شعري تبدأ في الإفلات من ربطتها، بينما بقيت رائحة المعقمات ومستحضرات اللافندر عالقة بثيابي.
لكن بطاقة الدعوة المدونة بخط اليد التي احتفظت بها داخل حقيبتي كانت تحمل توقيع عمر المنصوري.
كان اسم عيلة المنصوري معروفاً لدى أغلب سكان القاهرة، على الرغم من ميل الناس الأفاضل لتجنب الخوض في سيرتهم. لم يكن عمر مجرد رجل أعمال ثري عادي، بل ارتبط اسمه بشبكة ضخمة تضم مستثمرين، ونوعيات مختلفة من الأنشطة، وشركات أمن ومقاولين، حيث ترددت الأقاويل كثيراً بأن نفوذه يمتد إلى أبعاد يصعب على العقل البشري تصورها.
توقعت حينها أن أصادف حارسين من رجاله، لأشكره سريعاً ثم يمنحني ظرفاً مالياً أرفضه بدوري، غير أن عمر نهض من مقعده فور اقترابي من طاولته.
اتسم بطوله الفارع، وارتدائه بدلة رمادية داكنة من غير ربطة عنق، بينما بدت ملامحه هادئة بشكل غير متوقع من شخص يهابه الجميع. لاحظت وجود رجلين جالسين على مسافة قريبة، لا تغيب عيناهما عنا لحظة واحدة، فأدركت فوراً أنهما يتبعان حرسه الخاص.
تنقلت عينا عمر من وجهي المنهك إلى بطاقة التعريف المعلقة على صدري، قبل أن تستقرا على زيدي الطبي. انقبضت معدتي في تلك اللحظة انتظاراً لأي كلمة جارحة، لكنه قال بهدوء تام:
“لا تعتذري.”
ثم صمت لبرهة قبل أن يردف:
“هذا الزي هو الشيء الوحيد الصادق الذي دخل هذا المكان اليوم.”
سكت المطعم بأكمله، وسحب عمر الكرسي بنفسه قائلاً:
“اجلسي يا سلمى، فأنتِ تقفين على قدميكِ منذ الصباح الباكر.”
لبى النادل النداء بسرعة، غير أن عمر لم يكلف نفسه عناء النظر في قائمة الطعام، بل قال بوضوح:
“شوربة دجاج، خبز، وشاي ساخن.”
ثم التفت إليّ مضيفاً:
“من المحال أن تحاول امرأة عادت للتو من 12 ساعة عمل مستمرة في المستشفى تناول أطعمة معقدة.”
كانت هذه الكلمات البسيطة كفيلة بتحطيم آخر ذرة صلابة تبقت بداخلي، فأنزلت نظراتي وقلت له:
“جَدّك كان يحدثني كثيراً عنك.”
تبدلت ملامحه في جزء من الثانية. كان جده، الحاج عبد الرحمن المنصوري، قد أمضى ستة أسابيع كاملة في القسم الذي أعمل فيه قبل أن توافيه المنية. بلغ من العمر ستة وثمانين عاماً، وكان يتسم بعناد شديد وحدّة في طباعه، فضلاً عن كونه يعاني من وحشة قاتلة توجع القلوب. طوال فترة إقامته في المستشفى، لم يترك مناسبة إلا وحكى لي فيها عن حفيده عمر، لكنه قط لم يتطرق لعمله أو لتفاصيل حياته الأخرى.
في إحدى المرات، وحين كانت كفه مستقرة داخل كفي، قال لي بصوت حنون:
“حفيدي يظن أن القوة تعني ألا يجرؤ أحد على إيذائه، لكنه سيأتي يوم يدرك فيه أن القوة الحقيقية تكمن أحياناً في منح الآخرين الشجاعة لقول الحقيقة في وجهه.”
خفض عمر بصره، وقال بصوت خفيض مفعم بالأسى:
“لقد رحل وهو غاضب مني.”
شدت أصابعه على الكوب بقوة وهو يروي كيف انتهت آخر مكالمة بينه وبين جده بنقاش حاد، إذ وعده بزيارته فور انتهاء أعماله، لكنه حين وصل كان عبد الرحمن قد نُقل بالفعل إلى قسم العناية المركزة.
تابع عمر كلامه بصوت متحشرج:
“أخبروني أنه استيقظ قبيل الفجر وسأل عني، وقالوا لي إن ممرضة ظلت جالسة بجواره طوال الوقت.”
انقبض قلبي في تلك اللحظة؛ فانا من أمسكت بيد جده حين سألني بلهفة: “هل سيأتي عمر؟”، وحينها تفوهت بكذبة بيضاء ظننتها أرحم من الحقيقة، فقلت له: “بالتأكيد سيحضر يا حاج، إنه في الطريق”، ليفارق الحياة وهو مطمئن لقرب وصول حفيده.
رفع عمر عينيه مباشرة ليقول:
“تلك الممرضة كنتِ أنتِ.”
فأجبته مستدركة:
“كنت أؤدي واجبي فقط.”
هز رأسه نافياً وقال بصوت غريب الهدوء:
“الناس عادة يفعلون ما يؤجرون عليه، أما أنتِ فبقيتِ إلى جواره بعد أن انتفت أي مصلحة مادية مرجوة منه.”
صمتنا معاً للحظات، حتى انبعث رنين الهاتف المحمول الخاص بعمر مستقراً على الطاولة، وظهر اسم واحد على الشاشة: “نورا”. سارع عمر بقلب الهاتف على وجهه، وقال باقتضاب:
“هناك شخص مدين له بحديث، لكن ليس الليلة.”
قبل أن تسنح لي الفرصة لسؤاله، ظهرت بجوار طاولتنا واحدة من أجمل النساء اللاتي وقعت عليهن عيناي. كانت ترتدي فستاناً حريرياً باللون العاجي، وتتدلى من جفونها وحليها أضواء براقة تتمايل مع انعكاسات النجف. استقرت عيناها ببطء على زيدي الطبي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ومستفزة قبل أن تقول بنعومة:
“عمر…”
ثم تابعت وهي تمسحني بنظراتها من أعلى لأسفل:
“منذ متى وأنت تصطحب الحالات الخيرية لتتناول العشاء معك؟”
لم تتحرك عضلات وجه عمر، لكن نظراته حملت تحولاً جذرياً، وفي نفس التوقيت وقف الرجلان اللان كانا يراقبوننا من الجانب الآخر للمطعم. لأول مرة منذ مجيئي، تملكتني قناعة بأن ما يدور حولنا يتجاوز بكثير مجرد مظهر عشاء عادي. وقفت تلك المرأة أمامنا بابتسامة متكلفة وقالت:
“أم أنك نسيت أن هناك أعيناً ترصد كل حركة تفعلها؟”
رفع عمر بصره نحوها ليجيبها بهدوء شديد:
“أنتِ بالذات آخر شخص يمتلك حق الحديث عن المراقبة.”
تبخرت ابتسامتها فوراً. وجهت بصري نحو عمر في محاولة لفهم ما يجري، لكن وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، اقترب أحد رجاله بخطى حثيثة وانحنى هامساً بكلمات معدودة في أذنه. تحلقت ملامح وجه عمر بصورة كاملة، والتفت إليّ ليقول بحزم:
“سلمى… تعالي معي.”
بادرت بسؤاله بخوف:
“إلى أين ولماذا؟”
فاقترب مني أكثر، خافضاً صوته إلى حد التمشيط:
“لأن الأشخاص الواقفين عند المدخل لا يقصدونني أنا.”
سكت لحظة قصيرة ثم أردف:
“هم أتوا من أجلك أنتِ بالذات.”
وقفت مذهولة لا أعي شيئاً:
“من أجلي أنا؟ كيف؟ وما علاقتي بكل هذا؟”
لم يجبني عمر، بل أمسك بيدي واجتذبني للوقوف برفق ودون إيذاء. ضحكت المرأة الواقفة أمامنا بسخرية قائلة:
“يبدو جلياً أنه لم يخبرك بأي شيء بعد.”
استدار نحوها بعنف قائلاً:
“نورا، غادري المكان فوراً.”
رفعت حاجبيها بتحدٍ:
“أنا؟ أنصرف؟ وأنت ستترك هذه الممرضة وتذهب معها؟”
اقترب منها خطوة وحيدة حاسمة:
“لو كان في رأسك مساحة عقل واحدة، ستخرجين الآن.”
ظهرت مسحة خوف واضحة في عينيها لأول مرة، لكنها بدلاً من الانصراف التفتت نحوي قائلة:
“اسأليه يا عزيزتي… اسأليه كيف عرفكِ من الأساس.”
تسمرت في مكاني ونظرت إلى عمر متسائلة:
“عن أي شيء تتحدث؟”
جاء صوته هادئاً وحاسماً:
“ليس هذا وقت الكلام.”
“بل هو وقته تماماً،” قلتها وأنا أنزع يدي من كفه. “لقد حضرت هنا تلبية لدعوتك، ومن حقي تماماً أن أعرف حقيقة ما يحدث.”


