
بعد ما “وفاء” نزلت على ركبتها وهي بتعيط وتدعيلي ودموعها نازلة على بلاط المطبخ، مسكتها من إيدها وقومتها. “يا وفاء ادعي لربنا اللي جابلك حقك.. أنا مجرد سبب.” في لحظتها، مسكت تليفوني واتصلت بـ “أحمد” المحامي بتاع المجموعة. يرن مرتين وثلاثة لحد ما رد بصوت كله نوم: “خير يا شاذلي بيه! في حاجة حصلت في أنصاص الليالي؟”
“أحمد.. تصحالي كدا وتركز معايا. جيب معاك الفريق القانوني وبتاعين المراجعة المالية، وتكونوا عندي في المقر الرئيسي للشركة الساعة سبعة الصبح. مش عاوز دقيقة تأخير.”
“خير يا باشا؟ عصام بيه فيه حاجة؟”
“عصام في النيابة دلوقتي.. والميزانية والرواتب بتاعة العشر سنين اللي فاتوا هتدخل تحت الميكروسكوب من السبعة الصبح.”
المحامي السكوت أكل بؤه ثواني من الصدمة، وبعدين رد بجدية:
“تمام يا فندم.. سبعة الصبح أكون عندك بالفريق كله.”
قفلت معاه وبصيت لوفاء:
“طلعي شنطتك يا وفاء واجهزي، السواق هيستناكي تحت من الساعة ستة صباحاً عشان يسافر بيكي طنطا تجيب عيالك ووالدتك، الشقة المفروشة جاهزة ومستنياكم.”
مشيت وفاء وهي مش مصدقة، وكأنها طالعة من كابوس طال سنين.
أنا بقى ما نمتش ولا دقيقة. طلعت على مكتبي في القصر، وقعدت أفر في الأوراق المطبوعة والملفات اللي سحبتها من السيستم. الشك بدأ يأكل في قلبي.. إذا كان عصام بيعمل كدا في العمالة الغلبانة اللي مش حيلتها حاجة، يا ترى كان بيعمل إيه في العقود المليونية وصفقات التأمين والأراضي؟
الساعة جاب سبعة الصبح بالظبط.
كنت واقف قدام برج “الشاذلي جروب” في التجمع الخامس.
دخلت الشركة، والهدوء كان سيد المكان قبل ما الموظفين يوصلوا. المحامي وأربعة من أكبر المراجعين الحسابيين كانوا مستنيني في قاعة الاجتماعات.
حطيت الملفات على الترابيزة وقعدت:
“عصام الشاذلي اتقبض عليه الفجر بتهمة اختلاس أجور العمالة والاستيلاء على أموالهم. أنا عاوز مراجعة شاملة لكل كشف مرتبات، كل عقد صيانة، كل شركة توريد التعامل معاها كان عن طريقه.. مش عاوز قرش واحد مش في مكانه يفتس منا!”
المراجعين بدأوا يشتغلوا، ومع كل ساعة بتعدي، كانت الكوارث بتتكشف:
عصام ماكانش بيسرق عمال النظافة والأمن والخدم بس..
عصام كان عامل شركات باسم قرايب مراته، وبيورد بيها بضائع ومعدات للشركة بضعف سعرها الحقيقي، والفرق بياخده في جيبه!
عصام كان بياخد عمولات من المقاولين عشان يرسّي عليهم المناقصات!
الراجل اللي كنت فاكره ضهري وسندي، كان بيقور في جسم الشركة!
على الساعة الضهر، جالي اتصال من مأمور المباحث:
“يا شاذلي بيه.. عصام الشاذلي عمال يصرخ في التخشيبة وعاوز يقابلك، وبيقول إن معاه أوراق ومستندات تهمك أنت شخصياً!”
سوقت عربيتي وطلعت على القسم.
دخلت عليه الأوضة.. كان قاعد على الكرسي وهدومه متكرمشة، شعره منكوش، وعينيه حمرا، أول ما شافني وقف:
“إنت فاكر نفسك نجحت يا شاذلي؟ فاكر إنك لما تحبسني هتكسرني؟”
رديت عليه ببرود تام وأنا بقعد قدامه:
“أنا ما بكسرش حد يا عصام.. إنت اللي كسرت نفسك بنفسك لما مديت إيدك على لقمة عيش الغلابة. قولي بقى.. إيه المستندات اللي بتقول عليها؟”
قرب مني وابتسم ابتسامة مريضة:
“إنت فاكر موت مراتك من سنتين كان مجرد حادثة قضاء وقدر؟”
قلبي اتنفض في صدري، وجسمي كله اتصلب:
“إنت بتقول إيه يا عصام؟!”
ضحك بصوت عالي وهو بيبصلي في عيني:
“افتكر كدا يوم الحادثة.. مين اللي غير عربيتها؟ مين اللي بعتها التوصيلة دي؟ ومين اللي استفاد لما إنت دخلت في اكتئاب وعزلت نفسك عن الدنيا وسيبتلي إمبراطوريتك أديرها بمزاجي؟!”
العالم كله لف بيا في ثانية.. الحسرة والغضب تحولوا لنار ولعت في عروقي، وبقت الجريمة مش مجرد سرقة مرتبات.. دي بقت حاجة تانية خالص!
#حكايات_شروق_خالد
الدم اتجمد في عروقي لثواني، وعيني ثبتت على وشه.. الجملة نزلت عليا زي الصاعقة!
“إنت.. إنت بتقول إيه يا مجنون؟!”
صوتي طلع واطي ومبحوح من هول الصدمة، وقمت وقفت حاسس إن الأرض بتميد بيا.
عصام رجع لورا على كرسيه، وضحك بصوت مليان غل:
“إيه؟ اتخضيت يا شاذلي بيه؟ فاكر لما خرجت هي بالعربية في ليلة مطرة وكان في خلل في الفرامل؟ فاكر لما الدكاترة قالوا تقرير الحادثة ‘خلل فني في الفرامل’؟ مين اللي كان بياخد العربية الصيانة؟ مين اللي كان معاه مفتاح الجاراج؟”
بعدت عنه خطوة وأنا باصص له بذهول وغضب:
“أنطق يا خاين! فهمني كل كلمة بتقولها دي إيه معناها؟”
الظابط والعساكر دخلوا على الصوت، مسكوه وبعدوه عني، وعصام عمال يضحك:
“افتح ملف القضية القديم يا شاذلي! افتح التقرير وشوف مين اللي مضى على استلام عربية المرحومة بعد الصيانة بليلة واحدة بس! أنا ما قتلتهاش بإيدي.. أنا بس سهّلت الموضوع عشان تفضالي العزبة وتدخل إنت في اكتئابك وتسيبلي الجمل بما حمل!”
خرجت من القسم مش شايف قدامي. الدنيا كانت بتلف بيا. مسكت الموبايل بأيد بتترعش واتصلت بـ “أحمد” المحامي:



