عام

سخروا منها بلغة لا يعرفون أنها تفهمها حكايات شروق خالد

أغمض عينيه.

«سالم خاننا كلنا.»

ياسين تدخل:

«لكن مين اللي حرق الفيلا؟»

أبي نظر إليه.

ثم قال:

«أنا.»

اتجمدت.

«إيه؟»

«أنا اللي حرقت الفيلا.»

صرخت:

«ليه؟!»

قال:

«لأن رجالي كانوا على وشك قتل أمك.»

سكت لحظة.

«ولأنك كنتِ هناك.»

فهمت.

الحريق ما كانش محاولة لقتلي.

كان محاولة لإنقاذي.

لكن الحقيقة ما كانتش كاملة.

لأن أمي قالت:

«أبوك قتل الناس اللي كانوا عايزين يقتلوكي، لكنه ما قدرش يوقف الشبكة كلها.»

بصيت لياسين.

«وعشان كده دخلت حياتي؟»

هز رأسه.

«أنا كنت أراقبك من سنة.»

ضحكت بمرارة.

«يعني حتى شغلي في المطعم كان مراقَب؟»

«أيوه.»

«وكل ده عشان إيه؟»

قال:

«عشان أضمن إنك تفضلي عايشة.»

ثم مد لي ملفًا.

فتحته.

كانت فيه أسماء.

حسابات.

صور.

تواريخ.

كل رجال الشبكة اللي شاركوا في تجارة الآثار وتزوير المستندات وعمليات القتل.

وأمام آخر اسم…

كان اسم صابر البدري.

نظرت لياسين.

«خلصت؟»

قال:

«تقريبًا.»

بعدها بأيام، بدأت الاعتقالات.

صابر اعترف.

مراد نجا من الرصاصة، وبعد ما عرف إن سالم هو اللي دبّر الهجوم، قرر يشهد ضده.

أما سالم…

فهرب.

لكن بعد شهر، وصلتني رسالة واحدة.

جملة قصيرة باللهجة القديمة:

«الدم عمره ما بينسى.»

حطيت الرسالة في النار.

ولأول مرة، ما خفتش.

بعد ستة أشهر، أغلقت مطعم «الهدوء».

لم أعد أحتاج للاختفاء.

بدأت حياة جديدة.

حياة باسمي الحقيقي.

كاترينا البدرية.

لكنني احتفظت باسم أمي أيضًا.

كاترينا سامح.

أما ياسين…

فلم يعد ذلك الرجل الغامض الذي كنت أخشاه.

بقى الرجل اللي عرف حقيقتي كاملة، ومع ذلك اختار يفضل واقف جنبي.

وفي ليلة هادئة، وقفنا على كوبري النيل.

قال:

«لسه بتخافي من الماضي؟»

بصيت للمياه.

«الماضي ما يخوفنيش.»

«أمال إيه؟»

ابتسمت.

«إنّي أرجع أعيش وأنا خايفة منه.»

مد إيده.

مسكتها.

وفهمت أخيرًا إن الاختفاء أنقذ حياتي مرة…

لكن الحقيقة هي اللي أعطتني حياتي من جديد.

ومن يومها، كل ما سمعت لهجة صعيدية قديمة في الشارع، ما كنتش أرتبك.

كنت أبتسم.

لأنها ما عادتش لغة الدم.

بقت مجرد لغة من الماضي.

ماضي انتهى.

وأنا…

لأول مرة…

كنت حرة.

سخروا منها بلغة لا يعرفون أنها تفهمها

حكايات شروق خالد

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى