«نورهان ممدوح عبدالسلام. عندك ستة وعشرين سنة. بتشتغلي نادلة في مطعم في وسط البلد، وبتنضفي مكاتب تلات ليالي في الأسبوع. والدتك، سعاد، مريضة وعايشة في دار رعاية محترمة في الجيزة. بتبعتي تقريبًا ستين في المية من دخلك علشان مصاريفها. عندك أقساط دراسة من كلية ماقدرتيش تكمليها. عمرك ما اتمسكتي في قضية. ولا حد رفع عليكِ قضية. وحتى مخالفات المرور معندكيش.»
شعرت بأن حلقي يضيق.
قلت:
«إنت دورت ورايا في كل حاجة.»
«أيوه.»
«ليه؟»
نظر إليّ مباشرة.
«لأن جوزك هو اللي بعتك لجناحي.»
حدقت فيه.
«إيه؟»
حكايات شروق خالد
«إيه؟»
قالها صوتي مرتجفًا، وأنا غير قادرة على استيعاب ما يقوله.
اقترب آسر خطوة واحدة فقط، ثم توقف.
«محمود ماكانش عايزك تهربي من هنا، يا نورهان. هو كان عايزك تدخلي الأوضة دي تحديدًا.»
هززت رأسي بعنف.
«مستحيل. أنا اللي قررت أستخبى تحت السرير. كانت مجرد هزار.»
«إنتِ متأكدة؟»
«طبعًا!»
أخرج آسر هاتفه وفتح تسجيلًا صوتيًا.
وفي اللحظة التالية، سمعت صوت محمود.
«خليها تدخل الجناح لوحدها. متقلقش، هتتصرف زي ما أنا متوقع.»
تجمد الدم في عروقي.
ثم جاء صوت رجل آخر:
«ولو المنصوري شك فيها؟»
رد محمود:
«مش هيشك. هي مجرد نادلة فقيرة اتجوزتني. بالنسبة له، وجودها هنا صدفة.»
رفعت يدي إلى فمي.
«لأ…»
أوقف آسر التسجيل.
«كان عارف إنك هتدخلي جناحي.»
تراجعت خطوة.
«بس ليه؟»
«علشان يقتلني.»
رفعت عيني إليه.
«إيه؟»
قال آسر بنبرة هادئة بشكل مرعب:
«محمود مش مجرد حرامي. هو واحد من الناس اللي بيسربوا معلومات من إمبراطوريتي من جوه. وفي الأسبوع اللي فات، اكتشفت إن حد من أقرب رجالي بيبيع تحركاتي ومواعيد شحناتي وأسماء رجالي لأعدائي.»
«ومحمود؟»
«كان مجرد حلقة في السلسلة.»
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
«يعني جوازي منه كان…»
«فخ.»
لم أستطع التنفس.
كل اللحظات التي قضيتها معه عادت إلى رأسي دفعة واحدة.
كلماته الهادئة.
ابتسامته.
الطريقة التي أقنعني بها أنه مختلف عن كل الرجال الذين قابلتهم.
حتى طلبه الغريب بأن أقضي ليلة زفافنا في الفندق بدلًا من العودة إلى شقته.
رفعت رأسي فجأة.
«هو كان عايزني أموت معاك؟»
لم يجب آسر فورًا.
وهذا كان أسوأ من الإجابة.
اقترب من الطاولة، ووضع هاتفه فوقها.
«كان عايز الانفجار يحصل هنا الليلة.»
نظرت حولي بفزع.
«انفجار؟»
«أيوه.»
«فين؟»
أشار إلى الحائط خلف السرير.
«ورا اللوحة.»
اتجهت عيناي إلى اللوحة الكبيرة المعلقة فوق السرير.
كانت لوحة لامرأة مصرية قديمة وسط صحراء ذهبية.
لم ألاحظ شيئًا غريبًا فيها.
اقترب آسر منها، وأمسك طرف إطارها، ثم سحبها إلى الجانب.
شهقت.
كان خلفها جهاز صغير مثبت داخل الحائط.
أسلاك.
مؤقت.
وضوء أحمر يومض ببطء.
شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
«يا نهار أبيض…»
قال آسر:
«عندنا حوالي سبع دقايق.»
حدقت فيه.
«سبع دقايق لإيه؟»
«علشان نخرج من هنا.»
«طب ما نخرج!»
مددت يدي نحو الباب، لكنه أمسك معصمي بسرعة.
«استني.»
نظرت إليه.
«الباب متراقب.»
«إزاي؟»
أشار إلى كاميرا صغيرة مثبتة أعلى الباب.
«كانوا مستنيينني أخرج.»
ثم نظر إليّ مباشرة.
«ولو خرجت لوحدي، هيقتلوني في الممر.»
ارتجفت.
«وأنا؟»
«إنتِ كمان.»
ساد الصمت.
ثم قلت بصوت مكسور:
«أنا عايزة أرجع لماما.»
تغير شيء في عينيه.
ولأول مرة، رأيت الرجل المخيف الذي يتحدث عنه الجميع وكأنه إنسان عادي.
قال بهدوء:
«هترجعي لها.»
«إنت متأكد؟»
«أقسم لك.»
«ليه تساعدني؟»
ظل ينظر إليّ لثوانٍ طويلة.
ثم قال:
«لأنك الوحيدة في الليلة دي اللي دخلت أوضتي وهي مش عارفة إنها داخلة الموت.»
قبل أن أجيبه، دوى صوت انفجار مكتوم من الطابق السفلي.
اهتزت النوافذ.
صرخت دون إرادة.
أمسك آسر بيدي وسحبني خلفه.
وفي اللحظة نفسها، بدأت أصوات الرصاص تتعالى في الممر.
قال:
«خليكِ ورايا.»
«آسر…»
التفت إليّ.
«من دلوقتي، أي حاجة أقولك عليها تعمليها من غير سؤال.»
هززت رأسي.
فتح بابًا صغيرًا خلف خزانة الملابس.
ظهر ممر ضيق مظلم.
«ادخلي.»
دخلت وأنا أرتجف.
وقبل أن يدخل خلفي، توقف آسر فجأة.
نظر إلى هاتفه.
ثم تغير وجهه بالكامل.
«إيه اللي حصل؟» سألت.
رفع عينيه نحوي.
«محمود بعت رسالة.»


