
نورهان لم تجب.
قالت مريم:
«نورهان؟»
جلست نورهان على الكرسي.
«قبل وفاة ليلى بأيام، اتصلت بيا.»
«وقالت إيه؟»
«قالت إن الدكتور سامح اكتشف حاجة خطيرة.»
«إيه؟»
رفعت عينيها إلى آسر.
«قالت إن الحادث اللي حصل لها ما كانش مجرد محاولة قتل.»
توقف قلبه للحظة.
«أمال كان إيه؟»
قالت نورهان:
«كان محاولة لإخفاء مرضها.»
سادت الصمت.
«مرض؟»
«ليلى كانت مريضة.»
رفض آسر تصديق كلامها.
«مستحيل.»
«كانت بتخبي عنك.»
«ليه؟»
«عشان ما تحملكش خوفها.»
أمسك آسر رأسه.
كل ذكرياته معها بدأت تتغير.
تعبها.
إرهاقها.
الليالي التي كانت ترفض فيها الخروج.
المرات التي قالت فيها إنها فقط متعبة.
قالت نورهان:
«لكن الدكتور سامح اكتشف إن مرضها لم يكن طبيعيًا.»
رفع آسر عينيه ببطء.
«يعني إيه؟»
قالت نورهان:
«كانت بتتعرض لمادة سامة بجرعات صغيرة.»
تجمد الجميع.
«مين كان بيحطها؟»
نورهان هزت رأسها.
«ليلى كانت شاكّة في شخص واحد.»
«مين؟»
أخرجت من حقيبتها ورقة قديمة.
قالت:
«كانت شاكّة في مريم.»
شهقت مريم.
«أنا؟»
لكن نورهان أسرعت:
«مش مريم بنتك.»
ثم نظرت إلى آسر.
«كانت تقصد مريم أختك.»
تغير وجه آسر.
«أختي ماتت من سنين.»
«بالضبط.»
ساد صمت مرعب.
قالت نورهان:
«لأن مريم أختك… لم تمت.»
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف آسر.
رقم مجهول.
فتح الخط.
جاءه صوت امرأة عجوز:
«آسر الشناوي؟»
«مين؟»
ضحكت المرأة بهدوء.
«أنا مريم.»
ثم انقطع الاتصال.
نظر آسر إلى مريم ابنته.
كانت تحدق فيه.
«بابا…»
قال آسر بصوت خافت:
«واضح إن حكاية عيلتنا لسه ما خلصتش.»
حكايات شروق خالد
بعد تلك المكالمة، لم ينم آسر طوال الليل.
كان السؤال الوحيد الذي يطارده:
كيف يمكن أن تكون أخته مريم، التي أخبروه أنها ماتت منذ أكثر من عشرين عامًا، على قيد الحياة؟
في الصباح، ذهب آسر مع ابنته مريم ونورهان إلى العنوان الذي أرسلته المرأة في رسالة قصيرة.
كان منزلًا قديمًا على أطراف القاهرة.
فتحوا الباب، فوجدوا امرأة مسنة تجلس أمام النافذة.
رفعت رأسها.
كان وجهها يحمل ملامح والدتهما.
قالت بهدوء:
«أخيرًا رجعت يا آسر.»
لم يستطع الكلام.
اقترب منها.
«إنتِ مريم؟»
ابتسمت.
«أختك.»
جلس أمامها، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
«ليه عملوا فينا كده؟»
«لأن أبوك كان يخاف على ثروته أكثر من خوفه على أولاده.»
ثم نظرت إلى نورهان.
«لكن ليلى عرفت الحقيقة.»
قال آسر:
«إنتِ اللي سممتيها؟»
صرخت:
«لا!»
ثم بكت.
«كنت أحاول إنقاذها.»
أخرجت ملفًا قديمًا.
«ليلى كانت تعرف أن والدك كان يخطط للتخلص منها، لأنها اكتشفت حساباته السرية. وأنا حاولت مساعدتها.»
«والحادث؟»
«دبره والدك ورجل اسمه سامح.»
تجمد آسر.
«الدكتور سامح؟»
أومأت.
«كان متورطًا معهم، لكنه ندم في النهاية. ولهذا أعطى ليلى الأدلة قبل موتها.»
قالت نورهان:
«إذن الرسالة كانت من سامح؟»
«نعم.»
«أين هو؟»
خفضت مريم رأسها.
«مات منذ سنوات.»
ثم سلمتهم آخر ملف.
كان يحتوي على تسجيلات وتحويلات مالية وشهادات تثبت كل شيء.
هذه المرة لم تستطع العائلة إخفاء الحقيقة.
وصلت الملفات إلى النيابة، وبدأ التحقيق في كل الجرائم القديمة.
أما آسر، فلم يشعر بالانتصار.
فقد اكتشف أن المرأة التي أحبها وقضى سنوات يلوم نفسه على موتها كانت تحاول حتى آخر لحظة حماية أطفالها.
عاد إلى البيت مساءً.
وجد أبناءه الأربعة حول المائدة.
كانت نورهان تضع الطعام.
ومريم الجديدة تجلس بينهم.
توقف آسر عند الباب.
نظرت إليه سلمى وقالت:
«بابا، تعالى.»
ابتسم.
«إنتوا بدأتوا من غيري؟»
قال يوسف:
«نورهان قالت إن اللي يتأخر يأكل البواقي.»
ضحك الجميع.
جلس آسر بينهم.
ثم نظر إلى الكرسي الذي كانت تجلس عليه ليلى.
هذه المرة لم يشعر بالألم.
شعر بالامتنان.
قال بهدوء:
«ماما كانت تحب المائدة دي.»
قالت مريم:
«عشان كده لازم نفضل قاعدين عليها.»
أمسكت سلمى يد نورهان.
«وإنتِ واحدة مننا.»
حاولت نورهان الاعتراض.
«أنا مجرد مدبرة منزل.»
قال آسر:
«لا.»
ثم ابتسم.
«إنتِ الست اللي أنقذت عيلتي.»
وبعد أشهر، أصبح القصر مختلفًا تمامًا.
لم يعد مكانًا للأسرار.
ولا للخوف.
ولا للكرسي الفارغ الذي كان يذكرهم بالموت.
صار مكانًا يجتمع فيه الجميع.
أما آسر، فقد أدرك أخيرًا أن المال لم يكن الشيء الذي جعله مليارديرًا.
الثروة الحقيقية كانت في تلك المائدة.
في أبنائه.
في ابنته التي عادت إليه بعد سنوات.
في أخته التي نجت.
وفي نورهان التي حافظت على وعد قطعته لليلى.
وفي مساء هادئ، وضعت نورهان حساء الدجاج بالليمون على المائدة.
رفع آسر الملعقة.
ابتسم.
«زي ما كانت بتعمله ليلى بالضبط.»
قالت نورهان:
«يمكن عشان هي اللي علمتني.»
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم بدأت الضحكات.
وفي مكان ما، داخل قلوبهم، شعروا أن ليلى كانت تجلس معهم.
لم تعد قصتها قصة موت.
بل قصة حب تركت أثرًا أكبر من الموت.
أما آسر، فكان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
يمكن أن يهدم السر عائلة بأكملها، لكن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تستطيع أن تبنيها من جديد.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد هناك كرسي فارغ على مائدة عائلة الشناوي.
النهاية.
الملياردير الأرمل
حكايات شروق خالد



