Uncategorized

سخرت من كرسيه أمام الجميع… حكايات شروق خالد

كانت كوباية الشمبانيا في إيد نوران الشافعي وقفت في نص الطريق لفمها، أول ما شافت آدم المنصوري بيتحرك ناحيتها وسط الزحمة على كرسيه المتحرك.

الثريات الكريستال كانت منورة القاعة بنور دهبي، والضوء منعكس على البدلات السودا، وأقراط الماس، وحواف الكرسي اللامعة.

فرقة موسيقية كانت بتعزف جنب السلم الرخامي، لكن وسط صوت الكمان كان فيه صوت تاني أخف…

صوت عجلات كرسي آدم وهي بتتحرك فوق الأرضية الخشب.

وصوت الفرامل وهي بتصدر طقة بسيطة كل شوية.

والأهم…

الهمسات اللي كانت بتختفي فجأة كل ما آدم يعدي جنب حد.

نوران كانت واقفة جنب المدفأة بفستان سهرة فضي، وسط ناس كلهم كانوا يعرفوا آدم قبل التغيير الكبير اللي حصل في حياته.

قبل ما يبقى فيه ناس تفتح له الأبواب من غير ما يطلب.

وقبل ما الناس اللي كانت تستنى إشارته عشان تتحرك، بقوا يتكلموا معاه بصوت هادي زيادة عن اللزوم، وكأنهم بيتعاملوا مع شخص لازم يتحافظ عليه.

كانت نوران بتحكي حكاية، ولما شافت واحد من العاملين بيزق كرسي بعيد من طريق آدم، قالت وهي بتضحك:

— بالراحة عليه يا جماعة… كمان كام شهر من إن كل الناس تعمل كل حاجة مكان آدم، وهيفتكر إنه نسي إزاي يدير شغله بنفسه.

راجلين ضحكوا.

ست تالتة حاولت تخبي ابتسامتها ورا كوباية الشمبانيا.

آدم وقف على بُعد خطوتين منها.

نوران شافته ورفعت كتفها.

— إيه يا آدم؟ إنت كنت زمان عندك حس فكاهي.

الفرقة كملت عزف، لكن الناس اللي حواليهم سكتوا.

آدم كان لابس بدلة سهرة سودا، مفصلة على جسمه العريض، وشعره الأسود متسرح للخلف، وفيه خصل فضية بدأت تظهر عند صدغيه.

إيده اليمين كانت على عجلة الكرسي.

والشمال عدلت زرار كم بدلته بهدوء.

قال:

— كنت؟

نوران ابتسمت.

— كنت أمتع بكتير لما الناس كانت بتجري وراك من آخر القاعة لأولها.

خرجت ضحكة متوترة من واحد واقف وراها.

آدم بص له.

الضحكة اختفت في نفس اللحظة.

نوران أخدت رشفة من الشمبانيا وقالت:

— ما تبصلهمش كده. أنا بهزر معاك.

آدم حرك كرسيه للأمام.

متر.

ثم متر تاني.

ابتسامتها بدأت تختفي.

— في إيه؟

وقف قدامها مباشرة.

ولأن آدم كان قاعد، اضطرت نوران تنزل بعينيها.

لأول مرة، الحركة ما كانش فيها غرور.

كان فيها توتر.

آدم لاحظ.

— إنتِ شايفة إن الكرسي غيّر اللي بتبصي له؟

— أنا ما قلتش كده.

— بس بقالك عشر دقايق بتقوليه.

بصت نوران حوالينها.

— آدم، كل الناس عارفة إنت مريت بإيه.

صوابعه شدت على حافة العجلة.

— كل الناس؟

— الناس بتحاول تخلي حياتك أسهل.

— من غير ما تسألني.

— لأن ساعات الواحد بيحتاج مساعدة.

— ساعات.

سكت لحظة.

— وساعات الواحد محتاج الناس تفتكر إنها بتكلمه هو… مش بتتكلم عنه وهو واقف قدامها.

حطت نوران كوبايتها بسرعة على الترابيزة، فعملت طقة حادة.

— وده اللي أقصده. إنت بقيت حساس أوي.

وأشارت ناحية الكرسي.

— قبل التغيير اللي حصل، كنت تدخل أي مكان والكل يعرف مين آدم المنصوري. دلوقتي كلهم لازم يتعاملوا كأن مفيش حاجة اتغيرت.

الفرقة الموسيقية خلصت المقطوعة.

آخر نغمة اختفت.

آدم فضل باصص لها.

وبعدين فك الفرامل وحرك كرسيه أقرب.

لحد ما بقى بينهم أقل من نص متر.

محدش من الموجودين اتحرك.

ولا حد اتجرأ يتدخل.

صوت المدفأة كان هو الحاجة الوحيدة اللي بتكسر الصمت.

رفع آدم دقنه.

— أنا لسه راجل يا نوران.

إيدها وقفت جنب كوباية الشمبانيا.

كمل:

— رجلي هي اللي اتغيرت.

سكت.

— عقلي ما اتغيرش.

— اسمي ما اتغيرش.

— وحقّي إني أقرر إمتى أحتاج مساعدة وإمتى لأ… ما اتغيرش.

نوران فتحت بوقها.

لكن ما لقتش كلام.

آدم لف كرسيه.

الناس اتفرقت قدامه بنفس الطريقة اللي كانت بتتفرق زمان لما كان بيتحرك وسطهم.

وصل عند باب القاعة.

وقف.

من غير ما يبص وراه قال:

— بكرة الساعة عشرة الصبح. مكتبي.

نوران فضلت مكانها.

آدم حط إيده على العجلة.

— لو لسه شايفة إن الكرسي خلاني أقل من راجل… تعالي قوليلي.

وسكت لحظة.

— بس المرة دي من غير جمهور يضحك عشان خاطرك.


الساعة تسعة الصبح تاني يوم، كان آدم رفض المساعدة ست مرات.

الجناح الشرقي من قصر المنصوري كان هادي، وريحة القهوة السادة مالية المكان.

آدم كان بيتحرك ناحية المكتبة، ولما أحد العاملين أسرع يفتح له الباب، وصل آدم للمقبض قبله.

— أنا أقدر أفتح الباب.

الراجل رجع فورًا.

بعد عشر دقايق، حاول واحد من مساعديه يقرب الكرسي من المكتب.

آدم قفل الفرامل.

— بتعمل إيه؟

— بس بقرب حضرتك.

— طلبت منك؟

— لأ.

— يبقى ما تعملش.

سحب الرجل إيده.

آدم حرك نفسه بنفسه، وفتح ملف العقود.

كان ده أكتر شيء محدش فاهمه.

الناس بقت تتوقع احتياجاته قبل ما يتكلم.

القهوة بقت توصله بمصاصة ما طلبهاش.

الاجتماعات بقت تتقصّر من غير إذنه.

والناس اللي كانت بتتكلم معاه بمنتهى المباشرة، بقوا يوطوا صوتهم ويتكلموا كأنه فجأة بقى محتاج معاملة مختلفة.

الساعة 9:42 دخل المحامي.

— ممكن نأجل اجتماع المعادي لو النهارده مش مناسب.

قلم آدم توقف.

— ليه؟

— أنا بس أقصد إن…

— أنا عارف إنت تقصد إيه.

وقّع الورقة.

— الاجتماع في ميعاده.

خرج المحامي.

آدم بص من الشباك.

نفس القصر.

نفس الشركة.

نفس الرجال.

نفس السلطة.

الحاجة الوحيدة اللي اتغيرت…

كانت الكرسي.


الساعة عشرة بالضبط، سمع صوت كعب نوران في الممر.

دخلت من غير ما تستنى إذن.

ما كانتش لابسة فستان امبارح.

كانت لابسة بدلة سودا ومعطف بيج، وشعرها مربوط للخلف.

قالت:

— طلبت تشوفني.

قفل آدم الملف.

— طلبت منك تكملي اللي بدأتيه.

— أنا كنت بهزر.

— قلتي أكتر من هزار.

— وإنت أحرجتني قدام الناس.

آدم بص لها.

— غريبة.

— إيه؟

— فاكرة إحراجك.

تنهدت.

— أنا جيت أعتذر.

— اعتذري.

سكتت.

— أنا آسفة إنك فهمت كلامي غلط.

آدم فضل ساكت.

وبعدين قال:

— ده مش اعتذار.

نوران بصت بعيد.

— إنت بقيت مستحيل.

— لأ.

حرك كرسيه لحد ما بقى قدامها.

— أنا بقيت غير مريح.

ثم قال:

— وفي فرق.

شدت نوران الجوانتي في إيدها.

— الناس بتحاول تساعدك يا آدم.

آدم ابتسم ابتسامة صغيرة من غير فرحة.

— رجعنا لنفس الكلام.

— إيه؟

— بتتكلمي عني كأني مشكلة كل الناس بتحاول تحلها.

نظرتها نزلت ناحية كرسيه.

آدم لاحظ.

— عينيكي فوق.

رفعت رأسها.

— ما تأمرنيش.

— يبقى ما تتكلميش معايا من فوق.

سكتت.

آدم حرك كرسيه ناحية ترابيزة عليها إبريق مياه.

نوران اتحركت غصب عنها.

— سيبه. أنا أجيبه.

رفع إيده.

— لأ.

— آدم، بلاش عناد.

مد إيده للإبريق.

الحركة كانت صعبة.

لكن قدر يمسكه ويصب الميه في الكوباية من غير ما يقع منه نقطة.

رجع الإبريق مكانه.

بص لها.

— أنا مش محتاج حد يعمل الحاجة مكاني.

سكت لحظة.

— محتاج بس حد يسألني الأول.

نوران هزت رأسها.

— فهمت.


الساعة 11 دخلوا غرفة الاجتماعات.

كان فيها ثلاثة من أكبر رجال آدم.

طارق السيوفي حط ملف على الطاولة، وقال لمساعد آدم:

— عدلنا جدول اجتماع المعادي. الباشا مش هيحتاج يحضر الاجتماع كله.

صوابع آدم توقفت.

— الباشا قاعد على بعد متر منك.

طارق اتوتر.

— كنت أقصد…

— كلمني أنا.

— حاضر.

— قصرتوا الاجتماع قد إيه؟

— أربعين دقيقة.

— مين سمح؟

محدش رد.

قال آدم:

— رجعوا الاجتماع لساعتين.

طارق تردد.

— ساعتين ممكن يكونوا متعبين.

رفع آدم عينه.

— لمين؟

طارق سكت.

— ساعتين.

— حاضر.

بدأ الاجتماع.

وبعد عشرين دقيقة، كانت خريطة كبيرة مفرودة على الطاولة.

آدم حاول يقرب، لكن كرسي كان مانع طريقه.

نوران قامت وشالت الكرسي.

آدم بص لها.

— عايزة أشيله؟

— أيوه.

حركته بعيد.

وبس.

آدم وصل لمكانه بنفسه.

— شكرًا.

الكلمة كانت بسيطة.

لكن نوران لأول مرة حسّت إنها عملت الصح.

استمر الاجتماع.

أربعين دقيقة بقت ساعة.

وساعة بقت ساعة ونص.

آدم اكتشف خطأ مالي بملايين الجنيهات، رفض اقتراح، وعدل اتفاقية.

ولا مرة صوته ارتفع.

الكل كان بيسكت لما يتكلم.

وفي وسط الاجتماع، طارق دفع عقدًا ناحية مساعد آدم.

— خليه يراجعه معاه بعدين.

آدم ما لمسش العقد.

رفع عينه.

— ليه بعدين؟

طارق اتجمد.

آدم كرر:

— ليه بعدين؟

قال طارق:

— عشان…

— عشان إيه؟

— عشان حضرتك ممكن تكون تعبت.

آدم ضحك ضحكة قصيرة.

— أنا لو تعبت هقول.

ثم سحب العقد ناحيته.

— إنما طول ما أنا ساكت، ما حدش يقرر بالنيابة عني.

نوران كانت واقفة جنب الشباك.

لكن المرة دي ما كانتش بتبص على الكرسي.

كانت بتبص على آدم.

فجأة فهمت.

هو مش متضايق من الكرسي.

هو متضايق من نظرة الناس له بعد التغيير.

ولأول مرة من يوم التغيير، حد شاف آدم المنصوري كما هو…

مش كشخص محتاج شفقة.

لكن كرجل لم يخسر قوته.

بل اضطر يثبت للعالم إن قوته لسه مكانها.


— ليه بعدين؟

سؤال آدم فضل معلق في أوضة الاجتماعات.

طارق بلع ريقه وقال:

— عشان… حضرتك ممكن تكون تعبت.

آدم ضحك ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.

— لو تعبت هقول.

سحب العقد ناحيته.

— طول ما أنا ساكت، محدش يقرر بالنيابة عني.

طارق هز راسه بسرعة.

— حاضر يا باشا.

آدم فتح العقد وبدأ يقلب صفحاته.

لكن نوران كانت لسه واقفة عند الشباك، ومش قادرة تبعد عينيها عنه.

فجأة فهمت حاجة ما فهمتهاش طول الشهور اللي فاتت.

آدم ما كانش غاضب من كرسيه.

كان غاضب من نظرة الناس له بعد الكرسي.

كان كل يوم بيصحى ويحاول يثبت للناس إنه لسه هو نفسه.

مش عشان يثبت إنه قوي.

هو كان عارف إنه قوي.

كان بيحاول عشان الناس تبطل تعامل قوته كأنها انتهت مع التغيير اللي حصل في حياته.

بعد حوالي ساعة ونص، انتهى الاجتماع.

الرجالة خرجوا واحد ورا التاني.

فضل آدم ونوران لوحدهم.

نوران قربت من الطاولة.

— ممكن أسألك سؤال؟

آدم قفل الملف.

— اسألي.

— التغيير اللي حصل لك كان إزاي؟

ملامحه اتغيرت.

مش غضب.

حاجة أعمق.

وجع قديم.

— حصلت لي أزمة كبيرة على الطريق الصحراوي.

— وأنا كنت فاكرة إنك…

توقفت.

— فاكرة إيه؟

— إنك اتقبلت الموضوع.

آدم بص لها.

— تقبلت إني بقيت أتحرك بطريقة مختلفة.

سكت.

— بس عمري ما هتقبل إني أخسر نفسي معاها.

نوران نزلت عينيها.

— أنا آسفة.

— عشان إيه؟

— عشان كل كلمة قلتها امبارح.

آدم فضل ساكت.

نوران رفعت عينيها.

— وعشان إني كنت واحدة من الناس اللي بصت للكرسي قبل ما تبص لك.

أول مرة ظهرت على وش آدم ابتسامة حقيقية.

صغيرة.

لكن حقيقية.

— دلوقتي بدأنا نتكلم.


بعد أسبوعين، نوران كانت في مكتب آدم كل يوم تقريبًا.

في البداية بحجة الشغل.

وبعدين من غير حجة.

كانت بتلاحظ حاجات محدش غيرها بقى يشوفها.

كانت تلاحظ إنه بيتعب فعلًا، لكنه بيخبي.

كانت تلاحظ إنه أحيانًا يضغط على أسنانه لما يحاول ينتقل من الكرسي للسرير.

كانت تلاحظ إنه بيرفض المساعدة حتى لما يكون محتاجها.

وفي يوم، لقت آدم لوحده في الجراج.

كان بيحاول ينتقل من كرسيه لكرسي العربية.

إيده كانت ماسكة طرف المقعد.

وشه شاحب.

قالت من بعيد:

— آدم.

ما ردش.

— آدم، استنى.

— ما تقربيش.

وقفت مكانها.

— حاضر.

فضل يحاول.

إيده انزلقت.

كاد يفقد توازنه.

نوران تحركت خطوة.

— قلت ما تقربيش!

توقفت.

آدم شد نفسه، لكن واضح إنه مش قادر.

سكتت نوران ثواني.

ثم قالت بهدوء:

— تحب أساعدك؟

آدم ما ردش.

— مش هلمسك إلا لو قلت لي.

فضل ساكت.

ثلاث ثواني.

أربع.

ثم قال بصوت منخفض:

— أيوه.

نوران قربت.

ولأول مرة، آدم سمح لها تساعده.

مش لأنها شافته محتاجًا.

لكن لأنها سألته.

بعد ما استقر في مقعد العربية، ظل ساكتًا.

نوران قالت:

— أنا ما كنتش هساعدك لو ما طلبتش.

— عارف.

— وده اللي كنت محتاج تسمعه؟

آدم بص لها.

— ده اللي كنت محتاج أعيشه.


بعد شهر، كانت حفلة كبيرة في القصر.

نفس القاعة.

نفس الثريات.

نفس السلم الرخامي.

لكن المرة دي، لما دخل آدم، ما سكتش المكان.

بل اتعامل الجميع معاه باحترام طبيعي.

نوران كانت واقفة وسط الحضور.

اقتربت منها واحدة من صديقاتها وقالت:

— هو لسه رافض إن حد يساعده؟

نوران ابتسمت.

— مش دايمًا.

— غريبة.

— لأ.

نوران بصت لآدم وهو بيتكلم مع مجموعة من رجال الأعمال.

— هو مش ضد المساعدة.

سكتت لحظة.

— هو ضد إن حد يقرر عنه.

في اللحظة دي، آدم بص ناحيتها.

عينيهم اتقابلت.

نوران ابتسمت.

فرد ابتسامتها.

وبعدين تحرك ناحيتها.

لما وصل، قال:

— كنت بدور عليكِ.

— وأنا كنت هنا.

— عارف.

— طب ليه كنت بتدور؟

قرب منها شوية.

— عشان محتاج أقول لك حاجة.

نوران ضحكت.

— إيه؟

آدم بص حواليه.

الناس كانت بتراقبهم.

لكنه ما اهتمش.

قال:

— فاكرة أول ليلة لما قولت لك لو لسه شايفة إن الكرسي خلاني أقل من راجل، تعالي قوليلي بعيد عن الناس؟

نوران هزت رأسها.

— فاكرة.

— أنا كنت غلطان.

اتوترت.

— في إيه؟

آدم مد إيده.

— ما كنتش محتاجك تثبتي لي إنك غيرتي رأيك.

نوران بصت لإيده.

ثم مسكتها.

قال:

— كنت محتاجك تفضلي.

قلبها خبط بقوة.

— آدم…

— مش عشان تشفقِي عليا.

هزت رأسها بسرعة.

— عمري ما شفقت عليك.

ابتسم.

— عارف.

ثم قال:

— عشان لما الناس كلها شافت الكرسي، إنتِ في الآخر شوفتي آدم.

عين نوران لمعت.

— وإنت لما شفتني في الأول، كنت شايف إيه؟

آدم ابتسم.

— ست مستفزة.

ضحكت رغم دموعها.

— قليل الأدب.

— بس بعدين اكتشفت إنها الست الوحيدة اللي كان نفسي تفضل قدامي.

سكتت نوران.

ثم قالت:

— وأنا اكتشفت إن أكتر حاجة وجعتك مش إنك بقيت تتحرك بطريقة مختلفة.

— إيه اللي وجعني؟

— إن الناس بطلت تشوفك زي الأول.

آدم ضغط على إيدها.

— وإنتِ؟

نوران قربت منه.

— أنا دلوقتي مش شايفة الكرسي أصلًا.

ابتسم آدم.

— شايفة إيه؟

رفعت عينيها لعينيه.

— الراجل اللي وقع… وقام بطريقة محدش يقدر يقلده.

لأول مرة، آدم ما حاولش يخبي مشاعره.

شد إيدها بين إيديه.

وفي وسط القاعة اللي كانت يومًا مكانًا لسخريتها منه، وقف الاثنان معًا.

والناس كلها شافت الحقيقة.

آدم المنصوري ما كانش محتاج يغير نفسه عشان يرجع قوي.

هو كان قوي من البداية.

والمرأة التي سخرت يومًا من أكثر شيء يؤلمه…

أصبحت المرأة الوحيدة التي جعلته يشعر أن ذلك الجزء من حياته لم يعد شيئًا يخجل منه.

بل جزءًا من الرجل الذي أحبته.


بعد سنة، رجعت نوران لنفس القاعة اللي بدأت فيها الحكاية.

لكن المرة دي، ما كانش فيه همسات.

ولا نظرات شفقة.

ولا حد بيحاول يدفع كرسي آدم من غير ما يسأله.

آدم دخل القاعة وسط رجال الأعمال والعائلات الكبيرة، بنفس هدوئه المعتاد، وبنفس النظرة الواثقة.

لكن المرة دي، كانت إيده ماسكة إيد نوران.

وقف قدامها وقال:

— فاكرة أول مرة شفتك فيها بعد التغيير؟

ضحكت.

— للأسف، أيوه.

— كنتِ بتضحكي عليا.

— كنت غبية.

— جدًا.

ضربته بخفة على كتفه.

— ما تستغلش إنك بقيت محترم دلوقتي.

ابتسم.

ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة.

نوران سكتت.

فتحها.

كان جواها خاتم بسيط وأنيق.

— نوران الشافعي… أنا مش هطلب منك تكملي حياتك معايا عشان تشوفيني قوي.

بص في عينيها.

— أنا عايزك تكمليها معايا لأنك الوحيدة اللي شافت الجزء الصعب مني وما استخدمتوش ضدي.

دموعها نزلت من غير ما تحس.

قالت:

— وأنا مش عايزاك تتغير عشاني يا آدم.

رفع حاجبه.

— أمال؟

ابتسمت وهي بتبص للكرسي.

— عايزاك تفضل زي ما إنت. ولو في يوم احتجتني، تطلب مني.

سكت آدم لحظة.

ثم قال:

— موافقة؟

ضحكت وسط دموعها.

— موافقة.

لبسها الخاتم.

وفي اللحظة دي، التصفيق ملأ القاعة.

آدم بص للحاضرين، ثم رجع بص لها.

— عندي اعتراف.

— إيه؟

— أكتر حاجة وجعتني في حياتي ما كانتش التغيير اللي حصل.

— أمال إيه؟

مسك إيدها.

— إني كنت فاكر إن لازم أكون قوي طول الوقت عشان حد يحبني.

نوران قربت منه.

— وأنا علمتك إنك مش محتاج تثبت أي حاجة لحد.

ابتسم آدم.

— وإنتِ علمتيني إن الكرسي ممكن يحمل راجل…

سكت لحظة.

— لكن الحب هو اللي بيخليه يكمل.

ضحكت نوران، وأسندت رأسها على كتفه.

وفي آخر القاعة، انعكس ضوء الثريات على خاتمها.

لم يعد أحد يرى كرسي آدم أولًا.

كانوا يرون الرجل الذي جلس عليه، وبنى من جديد كل شيء ظن الجميع أنه انتهى.

أما نوران…

فلم تعد المرأة التي سخرت من أكثر شيء يؤلمه.

أصبحت المرأة التي جعلته يفهم أن بعض الآثار في حياتنا لا تحتاج أن تختفي…

يكفي أن تجد شخصًا لا يخاف من رؤيتها.

سخرت من كرسيه أمام الجميع…
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى