روايات وقصص

لما الغراب عرف يعني إيه راجل بجد حكايات شروق خالد

النهارده هوريكي يعني إيه راجل بجد، قالها صاحب المزرعة للبنت الشابة كانت تراب الصعيد الجاف بيتطاير في سحب خانقة تحت حرارة الشمس الحارقة في الأراضي القاحلة. مال سليم الغراب المنشاوي ناحيتها، وأنفاسه الدافئة لامست ودن زينب السعدني وهو بيشد قبضته الحديدية حوالين رسغها الرفيع.

قال بصوت بارد ومتعجرف من غير ذرة تراجع:
“النهارده هوريكي الرجالة الحقيقيين شكلهم إيه.”
تنميل أصابعها بدأ يزيد تحت ضغط إيده القاسي، لدرجة إن سكينة حذائها الثقيلة فلتت منها. وقعت الشفرة المعدنية من غير صوت تقريبًا، وغرست نفسها واقفة في التراب الأحمر المحروق من الشمس، بين جزمتهم.
وحوالين ساحة المزرعة المقفرة، كان رجال العصابة بيتابعوا المواجهة وهم حابسين أنفاسهم، والبنادق المحشية جاهزة في إيديهم.
ردت زينب من بين أسنانها وهي مفرودة الظهر رغم جسده الضخم اللي كان محاصرها:
“أنا أفضل أموت هنا، ولا أعيش بالطريقة اللي إنت عايزها.”
كانت النار المتمردة في عينيها الخضرا بتلمع بقوة، زي نار البرية قدام شمس الصعيد الحارقة.
هي مش مستعدة ترتعش قدام المحارب صاحب الندوب، الراجل اللي اسمه لوحده كان بيزرع الرعب في المنطقة بقاله عشر سنين.
ضحك سليم المنشاوي ضحكة منخفضة وخطيرة، اهتز صداها جوه صدره العريض والعضلات القوية اللي كانت بتخليه يبدو كأنه جدار واقف قدامها.
همس وهو بيقرب أكتر:
“الموت سهل أوي يا عصفورتي البرية.”
اتقدم خطوة، لحد ما ما بقاش قدامها أي مساحة حتى تاخد نفسها.
وبصوت مليان غرور قال:
“لكن العيشة هتبقى أمتع بكتير… خصوصًا لما تعرفي مكانك الحقيقي فين.”
بلعت زينب ريقها المر، وفجأة رفعت وشها وبصقت مباشرة على خده الأسمر اللي حرقته الشمس.
في لحظة…
سكتت الساحة كلها.
صمت خانق وقع على المكان كأنه كفن بيتحط على واحد محكوم عليه بالإعدام.
رجالة العصابة حبست أنفاسها في رعب جماعي.
لأنهم كلهم كانوا عارفين…
رجالة كتير اتدفنت وهي عايشة بسبب وقاحة أقل بكتير من اللي عملتها دلوقتي.
حكايات شروق خالد
ما إن وقعت بصقتها على خد سليم المنشاوي، حتى اتغيرت ملامح وشه تمامًا.
الضحكة اختفت.
والغرور اللي كان مالي عينيه اتحول لنظرة باردة خلت كل اللي واقفين في الحوش يتراجعوا خطوة من غير ما يحسوا.
زينب نفسها كانت عارفة إنها لعبت بالنار.
لكنها ما ندمتش.
بصت له بثبات وقالت:
— إنت فاكر إن كل الستات هنا بتخاف منك؟ لأ يا سليم… أنا مش واحدة من اللي ركعوا ليك.
شد سليم فكه، وبص للبصقة اللي على خده، وبعدها مسحها بإيده بهدوء مخيف.
واحد من رجالةه قرب منه وقال بسرعة:
— سيبها لي يا كبير… وأنا أعلّمها الأدب.
سليم رفع إيده من غير ما يبصله.
— محدش يقرب منها.
الراجل وقف مكانه فورًا.
زينب استغربت.
كانت متوقعة إنه يأمرهم يمسكوها، لكن اللي حصل كان العكس.
سليم قرب منها لحد ما بقى وشه قصاد وشها وقال بصوت واطي:
— إنتِ أول واحدة في عمري تعملها… ولسه واقفة على رجلك.
ابتسمت بسخرية:
— يمكن عشان أنا مش بخاف من الكلام الفاضي.
عينه ضاقت.
— إنتِ فاكرة إن اللي حصل ده خلص؟
— لأ.
رفعت ذقنها وقالت:
— أنا عارفة إنه لسه بيبدأ.
لأول مرة، ظهرت على وش سليم ابتسامة صغيرة.
مش ابتسامة غضب…
ابتسامة إعجاب.
لكنه خبّاها بسرعة.
لف ضهره وقال لرجالته:
— الكل يطلع بره.
واحد منهم اتفاجئ:
— بس يا كبير…
صرخ سليم:
— قولت الكل يطلع!
في ثواني، الحوش فضي إلا منه ومن زينب.
فضلت واقفة مكانها، إيديها بتترعش من التعب، لكنها رفضت تبين خوفها.
سليم بص لها وقال:
— دلوقتي نقدر نتكلم.
ردت:
— أنا معنديش كلام معاك.
— عندك.
— لأ.
قرب خطوة.
— عندك، لأنك من النهارده بقيتي أهم واحدة في المزرعة دي.
قطبت حاجبيها:
— يعني إيه؟
سليم سكت لحظة، وبعدين قال:
— لأن الست اللي كانت هنا قبلك… ماتت.
اتجمد الدم في عروق زينب.
— ماتت إزاي؟
بص لها سليم بنظرة غامضة وقال:
— عشان شافت حاجة مكانش المفروض تشوفها.
زينب بلعت ريقها.
— وإنت قتلتها؟
سليم ما ردش.
لكن صمته كان أخطر من أي إجابة.
وقبل ما زينب تسأله تاني، سمعوا صوت طلقة نارية مدوية جاية من ناحية الإسطبل.
اتنفضت زينب.
أما سليم فكان أول رد فعل عنده إنه وقف قدامها وحماها بجسمه.
وبص ناحية الصوت وقال:
— واضح إن الليلة دي… مش هتعدي على خير.
ومن بعيد، ظهر واحد من رجالةه بيجري بأقصى سرعته ناحية الحوش وهو بيصرخ:
— يا كبير!
سليم لف له.
الراجل كان مرعوب:
— لقينا واحد من رجالنا مقتول عند البوابة… وفي ورقة متعلقة في رقبته.
سليم مد إيده.
— هاتها.
الراجل طلع الورقة بإيد مرتعشة.
فتحها سليم، وقرأ المكتوب فيها.
ثواني…
وتغير لون وشه.
زينب قربت رغمًا عنها وقالت:
— مكتوب إيه؟
سليم بص لها مباشرة.
وقال:
— “رجّعوا البنت… وإلا المرة الجاية الدور هيكون على سليم المنشاوي.”
حكايات شروق خالد
سليم فضل واقف مكانه ثواني، والورقة بين صوابعه.
لكن اللي لفت نظر زينب مش الكلام المكتوب…
كان وش سليم.
الراجل اللي كل أهل المنطقة بيحكوا عن جبروته، واللي محدش يقدر يبص في عينه، لأول مرة بان عليه القلق.
قالت زينب بصوت هادي:
— هما عايزينني أنا؟
رفع عينه ليها.
— أيوه.
— وليه؟
سليم قرب منها، وصوته بقى أوطى:
— لأنهم فاكرين إنك عارفة سر أبوكي.
زينب اتجمدت مكانها.
— أبويا؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى