
ست ستات أخدت كل الديوك الرومية اللي عليها تخفيض، وست غلبانة بتترجاها تاخد واحد بس لحفيدها المريض—وبعد دقيقتين، صوت راجل طلع في مكبرات الصوت بتوع السوبر ماركت، وخلي وش الست الثرية يجيب ألوان من الخضة.
كنت باطول إيدي أجيب لبن، ولقيت واحدة ست مسنة بتقرب وتقول: “يا بنتي، والنبي أنا غلبانة ومحتاجة واحد بس.”
في آخر ممر المبردات، كانت فيه واحدة لابسة كعب عالي وبالطو فخم، وحاطة مكياج أوڤر وماسكة شنطة يد بآلاف، وعمالة تحط الديوك الرومية اللي عليها عروض في عربية التسوق بتاعتها.
ولا اتنين ولا تلاتة.
دا لمتهم كلهم من سكات.
الستيكرات الحمرا بتاعة التخفيضات مالية العلب: بـ 150 جنيه الواحد بس.
كلنا عرفناها فوراً هنا في المنطقة. دي “مدام فريدة”، عيلتها مالية البلد؛ أبراج سكنية، معارض عربيات، وواحد من أكبر القصور في الناحية دي.
وجنبها واقفة ست بسيطة لابسة جلابية بيت، وماسكة سلة صغيرة فاضية إلا من حاجات بسيطة.
قالت العجوز بصوت مكسور: “حفيدي الصغير عنده دور إنفلونزا وبهدله، وأنا اللي مربياه لوحدي بعد ما أمه ماتت. كنت ناوية أعمله طبق شوربة دافي، بس الديوك الرومية العادية معدية الألف جنيه ومش قادرة عليها.”
رفعت مدام فريدة ديك رومي تاني ببرود وقالت: “خلاص، اشتري فرخة بيضا عادية وخلصينا.”
ردت العجوز بحسرة: “الفراخ البيضا برضه مش عليها عرض ولا تخفيض.”
مدت الست المسنة إيديها عشان تاخد آخر ديك رومي باقي في الثلاجة.
بس فريدة سبقتها وخطفتها منها على طول.
قالت الست المسنة برجاء: “يا مدام، حرام عليكِ. ما إنتِ معاكي يجي اتناشر واحد!”
ردت فريدة باستخفاص: “وعادي يعني، إيه المشكلة؟”
سألتها العجوز بقلب مقطوع: “ممكن تسيبي لي واحد بس؟ والنبي هأدفع لك تمنه.”
حدفت فريدة الديك الرومي فوق الكومة اللي في العربية وقالت: “أنا اللي وصلت الأول وخلاص.”
مقدرتش أسكت وقلت: “إيه ده، هو إنتِ هتاخديهم كلهم بجد مفيش إنسانية؟”
التفتت لي بنظرة فوقية وقالت: “آه هأخددهم كلهم، ومش هتزل أتنازل عن ولا واحد.”
وش الست العجوز احمر من الكسفة والذل، وطلعت فلوس مكرمشة من جيبها وقالت: “خدي التمن، ومعاهم الـ 150 جنيه زيادة بتوعك… والنبي وافقي.”
ضحكت فريدة بصوت عالي وقالت: “لو الـ 150 جنيه عاملين لك أزمة كدة، يبقى شكل الشوربة مش أولى بالفلوس دلوقتي خالص!”
الممر كله سكت مبقاش فيه ولا صوت.
همست الست المسنة بغصة: “حفيدي بقاله يومين ما داقش لقمة عدلة.”
زقت فريدة عربيتها وهي معدية من جنبها وقالت: “دي مشكلتك لوحدك، ماليش فيه.”
وبعدين التفتت لورا وقبل ما تتحرك قالت بتكبر: “وقبل ما حد يفتح بقه أو يعمل فتوة، افتكروا كويس مين عيلتي عشان محدش يندم!”
مُدّتش رجلها كتير أول الممر وهي بتجر العربية المليانة ديوك رومية بالعافية، وفجأة صوت السبيكرز بتاع السوبر ماركت خخشخ.
“برجاء الانتباه يا سادة يا زباين السوبر ماركت…”
كملت فريدة مشي وهي هافّة ورا نفسها.
وبعدين طلع صوت راجل حاسم وصارم من الميكروفون:
“يا فريدة.”
وقفت في مكانها مفجوعة لدرجة أن العربية خبطت في ستاند الشيبسي والدواسات.
كل الرؤوس اللي في المحل لفت وبصت عليها.
كمل الصوت وقال: “إنتِ لسه قايلة لكل اللي في ممر ستة يفتكروا كويس عيلتك مين ومركزها إيه.”
فريدة مسكت في العربية بقوة لحد ما صوابعها ابيضت، وبقت تترنح وهي بتمتم بصوت واطي: “يا نهار أسود، لا…”
الصوت سكت ثواني معدودة.
وبعدين رجع الراجل يقول بنبرة تلج:
“دي فكرة ممتازة جداً يا فريدة… وعيلتك لازم تكون موجودة وتشاركنا اللحظة دي.”
وش فريدة خطف وبقي أبيض زي الكفن.
والناس والعاملين في المحل بقوا يبصوا لبعض وبعدين عليها بتبريق.
وجه صوت الميكروفون الأخير حاسم وقاطع:
“اقفي مكانك وما تتحركيش خطوة واحدة يا فريدة.”
صرخت هي بهستيريا: “ليه؟ وعشان إيه أصلاً؟!”
فرد عليها صوت الراجل يملى السوبر ماركت كله:
“عشان بجد هبقى زعلان قوي لو فاتكِ اللي نازل عليكي دلوقتي.”
رفعت فريدة عينيها ببطء شديد وبصت على باب السوبر ماركت الرئيسي ووشها كله بيرجف.
شنطة يدها وقعت على الأرض، وفتح بقها على آخرة من هول الصدمة:
“لا… مستحيل…” همست بيها بصوت مرعوب.
أول ما بصت على باب السوبر ماركت، لقت مدير الأمن وأربعة من بودي جاردات عيلتها واقفين عاملين حزام أمني، وراهم على طول طلع باباها “حسام بيه الألفي” ماشي بخطوات واسعة ومرعبة، وملامح وشّه متجهمة ومش طايقة نفسها من الغضب.
الكل فتح طريق ووسع له وهو ماشي في نص السوبر ماركت لحد ما وقف قدام عربية فريدة المليانة ديوك رومية.
فريدة بلعت ريقها بصعوبة، ودموع الخضة لمعت في عينها وقالت بصوت مأطأط: “بـ… بابا! إنت جيت هنا إزاي؟!”
حسام بيه مَبَصّش أصلاً لوشها، لكنه وطى بهدوء شديد جاب الديك الرومي اللي الست الغلبانة كانت بتترجى تاخده، وحطه بنفسه في سلة الست المسنة، وقال بصوت عالي خلى كل اللي في السوبر ماركت يسمع: “أنا كنت سامع كل حاجة من خلال جهاز التبريد المتوصل بغرفة الإدارة… والحمد لله إني سمعت.”
الست المسنة كانت بتبصله باهتزاز ومش مصدقّة عيونها، وهو مد إيده وطلع بوكيه فلوس كامل من جيبه، وحطه جوه سلتها وقال باحترام شديد: “يا أمي، تعبتك ومشاعرك دي فوق راسنا، وحفيدك يطلب اللي نفسه فيه والديكورات واللحوم والمستشفى كمان على حسابي، ومعلش سامحينا.”
بعدين التفت ببطء ناحية بنته فريدة، ونظرة عينيه كانت نارية لدرجة خوفتها بجد.
قال بصوت صارم هزّ أركان المكان: “إنتِ قلتي للناس هنا يفتكروا عيلتك مين، مش كده؟ خلاص، تمام قوي.”
فريدة رطبت شفايفها وقالت بصوت بيترعش: “بابا، أرجوك… ما تفضحنيش قدام الناس دي!”




