Uncategorizedعام

الملياردير الأرمل حكايات شروق خالد

عاد الملياردير الأرمل آسر الشناوي إلى منزله قبل موعده بثلاثة أيام دون أن يخبر أحدًا.

كانت عائلته تظن أنه لا يزال في لندن، وكان موظفو المنزل يتوقعون عودته يوم الأحد. لكن بعد ستة أسابيع من تحذيرات شقيقته مريم، التي ظلت تخبره أن مدبرة المنزل الجديدة أصبحت «قريبة أكثر من اللازم» من أطفاله الأربعة الذين ما زالوا يعيشون حالة الحداد، أراد آسر أن يرى الحقيقة بنفسه.

في اللحظة التي دخل فيها قصره الفخم في القاهرة، شعر بأن شيئًا ما قد تغير.

سمع ضحكات.

ضحكات حقيقية.

ثم شم رائحة إكليل الجبل، والخبز الدافئ… والليمون.

كانت زوجته الراحلة ليلى تضع دائمًا قشر الليمون في حساء الدجاج الذي تعده.

تبع آسر مصدر الصوت حتى وصل إلى غرفة الطعام، ثم توقف فجأة.

كان أطفاله الأربعة مجتمعين حول المائدة.

عمر، الذي كاد يهجر المدرسة تمامًا.

يوسف، الذي بدد ثروة كبيرة في القمار.

آدم، الذي بدأ أخيرًا يبدو بكامل وعيه بعد شهور من العلاج.

وسلمى، التي حطمت كل الصور المؤطرة في غرفتها بعد وفاة والدتها.

كانوا جميعًا يمسكون بأيدي بعضهم.

وفي رأس المائدة كانت تقف نورهان عبدالسلام، مدبرة المنزل التي بالكاد كان آسر يعرف عنها شيئًا.

قالت نورهان بصوت هادئ:

«شكرًا على المائدة دي… وشكرًا للناس اللي وحشونا لدرجة إننا لسه بنحبهم رغم إنهم مش موجودين.»

ثم سحبت سلمى الكرسي المجاور لها.

كرسي ليلى.

وقالت:

«لو سمحتي يا نورهان… النهارده بس.»

شعر آسر بانقباض شديد في صدره، بينما جلست نورهان ببطء.

وفي تلك اللحظة اصطدم كعب حذائه بطاولة صغيرة بجوار الحائط.

سقطت مزهرية كريستالية وتحطمت فوق أرضية الرخام.

التفتت إليه كل الوجوه.

«بابا؟»

دخل آسر إلى الغرفة.

وقبل أن يتمكن أحد من تفسير ما يحدث، انفتح باب المنزل الرئيسي مرة أخرى.

دخلت شقيقته مريم وهي تحمل ظرفًا أبيض سميكًا.

نظرت إلى نورهان.

فشحبت نورهان في الحال.

وضعت مريم الظرف أمام آسر، ثم قالت بهدوء:

«أهو… بص على وشها. هي عارفة.»

لم يلمس آسر الظرف.

وقال:

«إيه اللي المفروض ألاقيه؟»

لم ترفع مريم عينيها عن نورهان.

ولأول مرة منذ أن دخل آسر الغرفة، لم تبدُ نورهان هادئة.

بدت خائفة.

وأيًا كان ما يوجد داخل ذلك الملف، كانت تعرف مسبقًا أنه يتعلق بها.

حكايات شروق خالد

ظل آسر ينظر إلى الظرف الأبيض فوق المائدة.

لم يلمسه.

قالت مريم:

«افتحه.»

رفع عينيه إليها.

«إنتِ عايزة توصلي لإيه؟»

«للحقيقة.»

ضحكت نورهان بمرارة.

«إنتِ مش عايزة الحقيقة يا مريم.»

ساد الصمت.

تدخل عمر:

«عمتي، كفاية.»

التفتت مريم إليه.

«إنت مش فاهم حاجة.»

قال يوسف:

«إحنا فاهمين أكتر مما تتخيلي.»

نظر آسر إلى أبنائه.

«حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟»

صمت الجميع.

ثم قالت سلمى:

«إحنا اللي طلبنا من نورهان تقعد معانا.»

نظر إليها آسر.

«ليه؟»

خفضت رأسها.

«عشان كنا بنفتقد ماما.»

تجمد وجهه.

قال آدم:

«نورهان كانت بتطبخ أكل ماما.»

وأضاف عمر:

«وكانت بتحكي لنا عنها.»

آسر نظر إلى نورهان.

«إنتِ كنتِ تعرفي مراتي؟»

لم تجب.

صرخ:

«نورهان!»

ارتجفت.

«أيوه.»

«منين؟»

«من زمان.»

وضعت مريم يدها على الظرف.

«قبل ما تتجوز ليلى.»

نظر آسر إليها.

«إنتِ كنتِ تعرفي؟»

«كنت أعرف جزء.»

«وإيه الجزء اللي مخبياه؟»

نظرت نورهان إلى الأطفال.

ثم قالت:

«أنا مش جاية هنا عشان أؤذي حد.»

قال آسر:

«طب إنتِ جاية ليه؟»

نظرت إلى كرسي ليلى.

«عشان وعدتها.»

انقبض قلبه.

«وعدتها بإيه؟»

لم تجب.

فتح آسر الظرف أخيرًا.

خرجت منه صور قديمة.

صورة لليلى وهي أصغر سنًا.

صورة لها مع نورهان.

ثم صورة ثالثة جعلت آسر يتوقف عن التنفس.

كانت ليلى تحمل طفلة صغيرة.

وخلف الصورة تاريخ يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.

قال آسر:

«مين الطفلة دي؟»

بدأت نورهان تبكي.

«بنتها.»

«بنتها مين؟»

«ليلى.»

نظر إلى أولاده.

ثم إلى نورهان.

«ليلى ما كانش عندها بنت غير سلمى.»

هزت نورهان رأسها.

«كان عندها بنت تانية.»

ساد صمت ثقيل.

قال يوسف:

«أختنا؟»

نورهان أغمضت عينيها.

«أيوه.»

نهض آسر فجأة.

«فين هي؟»

قالت مريم بسرعة:

«آسر، استنى.»

«فين بنتي؟»

نورهان لم تجب.

اقترب منها.

«إنتِ كنتِ تعرفيها؟»

«أيوه.»

«عايشة؟»

صمتها كان أقسى من أي جواب.

قال آسر:

«عايشة؟»

هزت رأسها ببطء.

«أيوه.»

شهقت سلمى.

أما آدم فقال:

«يعني عندنا أخت؟»

نورهان أومأت.

«اسمها مريم.»

التفت آسر إلى شقيقته.

تغير وجه مريم.

«مريم؟»

قالت نورهان:

«أيوه. مريم ليلى الشناوي.»

تراجع آسر خطوة.

«إنتِ بتقولي إن بنتي عايشة… وإنتِ مخبية عليا كل السنين دي؟»

قالت نورهان:

«كنت بحميها.»

«ممن؟»

نظرت إلى مريم.

ثم قالت:

«من أختك.»

تجمدت مريم.

«إنتِ بتكدبي.»

قالت نورهان:

«إنتِ اللي طلبتي مني أخفيها.»

وقف آسر بينهما.

«مريم…»

بدأت مريم تتراجع.

«آسر، اسمعني.»

«إنتِ كنتِ عارفة إن عندي بنت؟»

«كنت خايفة عليك.»

«ما تلفيش وتدوري!»

صرخ للمرة الأولى.

«كنتِ عارفة؟»

سكتت.

وكان سكوتها اعترافًا.

قال عمر:

«عمتي… ليه؟»

مريم لم تنظر إليه.

ثم قالت:

«لأن ليلى كانت عايزة تسيب كل حاجة.»

آسر حدق فيها.

«إيه؟»

«كانت ناوية تهرب بالأطفال.»

«ليه؟»

«لأنها اكتشفت إن حد من العيلة كان بيسرق من شركاتك.»

«مين؟»

لم تجب.

أخرجت نورهان ورقة صغيرة من جيبها.

وضعتها أمام آسر.

«ده السبب الحقيقي إن ليلى ماتت.»

تجمدت ملامحه.

«مراتي ماتت بسبب سرقة؟»

هزت نورهان رأسها.

«لا.»

ثم قالت:

«ليلى ما ماتتش في الحادث اللي إنت صدقته.»

ساد الصمت.

«الحادث كان مدبر.»

رفع آسر عينيه إليها.

«مين عمله؟»

نظرت نورهان إلى مريم.

«هي.»

شهقت سلمى.

«عمتي؟»

قالت مريم:

«أنا ما قتلتهاش.»

ردت نورهان:

«لكن إنتِ كنتِ السبب.»

ثم أضافت:

«إنتِ كنتِ عارفة إن ليلى هتهرب. وإنتِ اللي بلغتي الشخص اللي كان مستنيها.»

صرخ آسر:

«مين؟!»

قبل أن تجيب، سُمع صوت مفتاح في باب المنزل.

الجميع التفت.

دخل رجل مسن يحمل عصاه.

كان والد آسر.

الحاج فاروق الشناوي.

نظر إلى آسر.

ثم إلى نورهان.

وقال:

«كفاية يا نورهان.»

تجمدت.

قال فاروق:

«السر ده كان لازم يفضل مدفون.»

آسر تقدم نحوه.

«أي سر؟»

ابتسم فاروق ابتسامة باردة.

«السر اللي لو عرفته… هتكره كل واحد في البيت ده.»

ثم نظر إلى أطفاله.

وقال:

«وأولهم أنا.»

حكايات شروق خالد

وقف آسر أمام والده، عاجزًا عن تصديق ما يسمعه.

«إنت؟»

قال فاروق بهدوء:

«أيوه. أنا.»

تدخلت مريم:

«بابا، كفاية.»

التفت إليها فاروق.

«إنتِ أكتر واحدة عارفة إن الكلام ده لازم يفضل مدفون.»

ضرب آسر بقبضته على الطاولة.

«أنا دفنت مراتي وأنا فاكر إنها ماتت في حادث! أطفالي عاشوا سنين من غير أم! ودلوقتي بتقولي إنك كنت تعرف؟»

لم يرفع فاروق صوته.

«الحادث كان لازم يحصل.»

شهقت نورهان.

«كنت عارفة إنك هتقولها في يوم.»

نظر إليها فاروق.

«إنتِ كان لازم  معاها.»

تراجعت نورهان.

وقف آسر أمامها فورًا.

«ولا كلمة زيادة.»

ثم عاد لوالده.

«ليه؟»

«ليلى كانت .»

« مين؟»

«كل العيلة.»

أخرج فاروق ملفًا قديمًا من حقيبته.

«كانت اكتشفت إن ثروتك ما كانتش كلها من التجارة النظيفة.»

فتح الملف أمامه.

تحويلات مالية.

حسابات سرية.

أسماء شركات وهمية.

وتوقيعات.

لكن اسم آسر لم يكن موجودًا.

قال فاروق:

«كنت بستخدم شركاتك من غير علمك.»

حدق آسر في الأوراق.

«وأنت كنت بتسرق مني؟»

«كنت بحمي اسم العيلة.»

ضحك آسر بمرارة.

«بتحميني؟»

«كنت بحمي ثروة الشناوي.»

ثم أضاف:

«ولما ليلى اكتشفت الحقيقة، هددت إنها هتبلغ الشرطة.»

قالت نورهان:

«وعشان كده خطفت بنتها.»

نظر آسر إليها.

«إيه؟»

قالت:

«ليلى كان عندها بنت صغيرة اسمها مريم. والدتك أخذتها منها، وقالت لها إن لو حاولت تفضحهم، مش هتشوف بنتها تاني.»

تجمد آسر.

نظر إلى ابنته مريم.

كانت تبكي.

قال:

«مريم…»

هزت رأسها.

«أنا ما كنتش أعرف.»

قال فاروق:

«كنتِ صغيرة.»

«كنت عارفة إن في حاجة غلط.»

«ولما كبرتي، طلبت منك تنسي.»

قالت مريم:

«وأنا نسيت.»

ثم نظرت إلى نورهان.

«إلا هي.»

قالت نورهان:

«ليلى كانت صديقتي. وبعد ما ، وعدتها إني أحمي أولادها.»

اقترب آسر منها.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى