
قلت:
«تعالى.»
شدّيته وجريت بيه ناحية الناحية التانية.
لكن صوت موتور العربية اشتغل.
العربية بدأت تتحرك ورانا.
يوسف قال:
«هيعرفوا مكاننا!»
بصيت قدامي.
كان فيه بيت قديم قريب من الطريق، ونوره منور.
جريت ناحية الباب وخبطت بكل قوتي.
«الحقوني!»
الباب اتفتح.
ست كبيرة ظهرت قدامي.
بصت لي ولابني، وبعدها للعربية اللي قربت.
صرخت:
«ادخلوا بسرعة!»
دخلنا.
الست قفلت الباب بالمفتاح.
العربية عدت من قدام البيت، وبعدين وقفت.
سمعت أحمد بينادي من بره.
«منى!»
الست بصت لي.
«إنتِ مين؟ وإيه اللي بيحصل؟»
كنت لسه هرد، لكن يوسف سبقني.
وقال:
«بابا عايز يقتل ماما.»
الست شهقت.
أما أنا فطلعت الورقة اللي لقيتها من مكتب أحمد من جيبي.
حطيتها قدامها.
«أنا مش فاهمة هما عايزين يعملوا فيا إيه… بس ابني سمعهم، وأنا لقيت الورقة دي.»
الست قرأت الورقة.
وفجأة وشها اتغير.
بصت لي وقالت:
«إنتِ لازم تسمعيني كويس.»
«ليه؟»
قالت:
«لأن جوزك مش أول واحد يعمل كده.»
اتجمدت.
«يعني إيه؟»
بصت ناحية الشباك، وبعدين قربت مني وهمست:
«من كام شهر، واحدة تانية اختفت من هنا.»
سكتت لحظة.
«وكان اسمها نادية.»
قلت:
«نادية مين؟»
الست بلعت ريقها وقالت:
«مرات أخو جوزك.»
اتصدمت.
«إيه؟!»
قالت:
«والناس كلها قالت إنها سابت البيت ومشيت… لكن أنا شفت بعيني العربية اللي أخدتها في نص الليل.»
وقبل ما أسألها أي سؤال تاني، موبايلها رن.
بصت للشاشة.
وبعدين بصت لي بوش شاحب.
«دي مصيبة.»
«مين؟»
مدت لي الموبايل.
كان فيه رسالة من رقم مجهول:
«لو منى عندك، خليها تعرف إن الساعة عشرة لسه ما عدتش.»
بصيت للساعة.
كانت 9:58.
ثانيتين.
ثلاثة.
وفجأة سمعنا خبط شديد على الباب.
وصوت أحمد جه من الخارج:
«منى… افتحي الباب.»
وبعده مباشرة صوت رجب:
«لو ما فتحتيش، هنكسر الباب.»
بصيت ليوسف.
ثم للست.
وفي اللحظة دي، فهمت إن عندنا أقل من دقيقتين قبل ما يوصلوا لنا.
حكايات شروق خالد
بصيت للست وأنا مش عارفة أعمل إيه.
الخبط على الباب كان بيزيد، وصوت أحمد بقى أقرب وأخطر.
«منى! افتحي الباب، بلاش تعملي مشاكل أكبر من حجمها.»
الست مسكت إيدي وقالت:
«في باب خلفي، ورا المطبخ. اطلعي منه وهتلاقي بيت أخويا على بعد كام دقيقة. هو راجل كبير وعنده تليفون أرضي، ومش بيخاف من حد.»
بصيت ليوسف.
«يلا يا حبيبي.»
جرينا للمطبخ، والست فتحت لنا الباب الخلفي.
قبل ما أخرج، بصيت لها وقلت:
«مش هنساكي طول عمري.»
قالت:
«انقذي ابنك ونفسك الأول.»
خرجنا في المطر، وجرينا بأقصى سرعة.
بعد دقائق وصلنا لبيت أخوها، وفتح لنا الباب.
أول حاجة عملتها إني اتصلت بالشرطة.
وبعدها سلمته ورقة أحمد.
الراجل قرأها، وقال:
«دي كفاية تخليهم يقعدوا ورا الشمس.»
لكن أنا كنت خايفة إن أحمد يكون سبقنا.
وفعلًا، بعد أقل من عشر دقايق، وصلت عربيتين شرطة.
رجعوا معايا للبيت.
كان أحمد وحماتي لسه هناك.
أول ما شافني أحمد، اتصدم.
«منى؟!»
ما رديتش.
دخل الضابط، وبعده قوة من الشرطة.
حماتي بدأت تصرخ:
«دي بتكدب! ابني عمره ما يعمل كده!»
الضابط حط الورقة قدامها.
«يبقى تفسري لنا دي إزاي؟»
وشها اصفر.
أحمد حاول يخطف الورقة، لكن الضابط منعه.
وبعد تفتيش البيت، لقوا حاجات أكتر.
لقوا علب أدوية مخبأة في درج مكتب أحمد، ودفتر فيه مواعيد وأسماء، ومن ضمن الأسماء اسم نادية، مرات أخوه اللي اختفت من شهور.
ولما واجهوا أحمد، انهار.
واعترف إن أمه كانت بتحاول تسيطر على ممتلكات العيلة، وإن نادية اكتشفت إن فيه تحويلات مالية مش قانونية، فقرروا يخوفوها ويجبروها تسكت.
لكن نادية ماتت أثناء محاولة نقلها، فدفنوا الحقيقة وقالوا إنها هربت.
أما أنا، فكانوا مخططين لتخديري، وبعدها يخلوا الموضوع يبان كأنه أزمة صحية مفاجئة، خصوصًا إن عندي تاريخ مع انخفاض الضغط.
أحمد اعترف إنه كان مستعد يعمل أي حاجة عشان ياخد فلوسي ويمنعني من الطلاق.
بصيت له آخر مرة.
«كنت عايز تقتلني عشان الفلوس؟»
نزل عينه.
«أنا… مكنتش عايز الأمور توصل لكده.»
ضحكت بمرارة.
«إنت كنت محدد الساعة اللي أموت فيها يا أحمد.»
ما ردش.
أما فاطمة، فكانت بتصرخ وتتهمني إني دمرت ابنها.
لكن المرة دي، محدش سمعها.
بعد شهور، اتحاكم أحمد وأمه، واتكشفت جرائم تانية كانت مستخبية سنين.
والأهم إن قضية نادية اتفتحت من جديد، وأهلها عرفوا أخيرًا الحقيقة.
أما يوسف…
فأنا عمري ما هنسى اللحظة اللي دس فيها المنديل تحت الترابيزة.
ابني الصغير، اللي كان المفروض يخاف ويستخبى، أنقذ حياة أمه.
وفي يوم رجوعنا للقاهرة، كنا قاعدين في العربية.
بص لي يوسف وقال:
«ماما؟»
«نعم يا حبيبي؟»
«هو أنا عملت الصح؟»
مسكته وضميته.
«إنت أنقذت حياتي يا يوسف.»
ابتسم وقال:
«كنت خايف عليكي.»
بصيت من الشباك، والدموع نزلت من عيني.
أوقات، الحقيقة بتستخبى في أكتر مكان مستحيل تتوقعيه.
وأوقات، الشخص اللي بينقذك مش بيكون محامي ولا ضابط ولا حد قوي.
ممكن يكون طفل صغير…
يمد لك منديل تحت ترابيزة السفرة ويكتب لك سبع كلمات:
«ماما، متشربيش منه. لازم نمشي.»
ومن الليلة دي، عمري ما شربت أي حاجة حد قدّمها لي من غير ما أعرف هي إيه.
وعمري ما نسيت إن أكتر ابتسامة كانت مخيفة في حياتي…
كانت الابتسامة اللي رسمتها على وشي وأنا عارفة إن الكوباية اللي قدامي كانت المفروض تكون آخر حاجة أشربها في حياتي.
ابني حذرني من الشاي قبل فوات الأوان…
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



