
نور بصت له بثواني دهشة قبل ما تبتسم بذكاء وتربع إيدها: “وده حجز لدرس رسمي ولا إيه بالظبط؟”طارق حط إيده في جيب بنطلونه، وابتسامته الصغيره وسعت شوية: “نقدر نعتبره طلب استشارة.. بس المرة دي الحساب عليا.
“عم حسن كان واقف بره الاستوديو عند الباب الخارجي، بص لطارق وقال بصوت عالي سمعه الاتنين: “ما تخلص يا طارق! المطر زاد، وأنا راجل عندي تسعة وسبعين سنة مش هقف في الشارع أراقب محاولاتك الفاشلة في التلميح!
“طارق ضحك رغماً عنه—ضحكة بصوت دافي هزت كتافه واختفت معاها كل ملامح المدير الصارم—وبص لنور وهو بيهز راسه: “شايفة؟ مفيش أي احترام للخصوصية.””عندك حق، عم حسن مستعجل عشان يلحق يتمرن على خطوة الصندوق في البيت،” نور قالت وهي بتضحك. “هشوفك يوم الجمعة مع بابا يا أستاذ طارق.
“”طارق بس،” هو قال وهو بياخد خطوة لورا ناحية الباب. “ومش هتاخر المرة الجاية.”خرج وقفل الباب وراه ببطء، وفي ثواني كان الاستوديو فاضي ومفيش فيه غير صوت المطر وهو بيخبط في إزاز الشباك وشريط المزيكا اللي بيخلص في الخلفية.
نور وقفت مكانها لحظة، بصت للمراية الكبيرة، ولقت نفسها بتبتسم من غير ما تحس. قربت من التسجيل، طفت المزيكا، ولمت حاجتها من على الكرسي. في الشارع بره، كانت العربية الأسود الفخمة واقفة تحت المطر. عم حسن قعد في الكرسي اللي ورا، وطارق قعد جنبه بعد ما قفل شمسية سودا كبيرة وحطها على الأرضية.
السواق طلع بالعربية ببطء في شوارع المعادي الهادية.”كنت بتكلمها في إيه كل ده؟” عم حسن سأل وهو بيبص من الشباك على أنوار الشارع المطبوعة على المطر.”بشكرها بس،” طارق رد وهو بيطلع تليفونه من جيب الجاكيت.
“بتمسح الدموع يعني؟”طارق بص لأبوه برفع حاجب: “دموع إيه يا بابا؟””الدموع اللي كانت في عينك وأنت بترقص معاها،” عم حسن قال بنبرة هادية ومفيش فيها هزار المرة دي. “أنا بقالي عشر سنين مشوفيلكش نظرة فيها حياة زي اللي كانت في عينك من شوية.
“طارق سكت، وتليفونه أشرك بنور رسالة جديدة، بس مابصلهاش. فضّل باصص لإيد أبوه اللي متجمعة في حجرها.”أنا كنت خايف عليك،” طارق قال بصوت واطي جداً كأنه بيكلم نفسه. “ألغيت السواق وما ردتش عليا.. افتكرت إن تعبك رجع تاني.
“عم حسن حط إيده الكبيرة اللي جعدها الزمان على إيد طارق: “تعب إيه يا بني.. أنا كنت خايف أموت وأنا واقف على الشط بطفرج على الحياة بس من بعيد. أمك الله يرحمها عاشت معايا تلاتة وخمسين سنة، وكل اللي سابتهولي ذكرى حلوة وورقة قديمة في المحفظة.
. كنت عاوز أفتكر إحساس الحركة تاني قبل ما أروح لها.”طارق أخد نفس عميق، وحس بغصة في زوره، بس مسك نفسه وضغط على إيد أبوه: “السبيث الجاي.. يوم السبت، فيه إيه؟”عم حسن ابتسم وسكت لحظة قبل ما يقول: “عيد ميلاد بنت عمك.
. وهي طلبت مني رقصة، وأنا وعدتها من سنة إني مش هحرجها وأبقى جاهز.”طارق بص لأبوه بذهول، وبعدين ابتسم ابتسامة دافية وخبط على إيده: “طب الحمد لله إن نور لحقتك قبل ما تعمل كوارث هناك.”لما وصلوا البيت، عم حسن دخل أوضته عشان يرتاح.
طارق غير هدومه، وقعد في المكتب بتاعه وهو ماسك كارت صغير كان أخد أرقامه من اليافطة اللي على باب الاستوديو. فتح تليفونه، وكتب رسالة قصيرة:”مساء الخير يا نور.. أنا طارق. حابب أأكد معادي معاكي الجمعة الجاية.. بس المرة دي الدرس هيبقى ساعتين.. ساعة لعم حسن، وساعة ليا أنا شخصياً.
“بعت الرسالة، وحط التليفون على المكتب، وفضل باصص للنور وهو بيفكر إن الليلة الممطرة دي في المعادي، مكنتش مجرد ليلة أنقذ فيها أبوه.. دي كانت الليلة اللي هو نفسه بدأ يرجع فيها للحياة.#حكايات_شروق_خالدتاني يوم الصبح، نور صحيت على صوت رنة تليفونها.
بصت في الشاشة وهي لسه بتفرك عينها، ولقت رسالة الواتساب من رقم مش متسجل، بس الاسم مكتوب فوق: “طارق كالدويل”—أو يعني طارق، زي ما قالها تناديه. ابتسمت أول ما قرت الرسالة. غيرت هدومها ونزلت الاستوديو بدري عشان تجهز القاعة.
المعادي الصبح بعد ليلة ممطرة كانت هادية، ريحة الشجر والمطر مالية الشوارع، وشمس الخريف دافية وطالعة ببطء. طول اليومين اللي وراهم، نور كانت بتتمرن على الخطوات الأساسية، بس بالها كان مشغول بالجمعة. مكنتش عارفة هي مستنية تشوف عم حسن وهو بيتطور، ولا مستنية تشوف المدير الصارم اللي اتخشب أول ما مسك إيدها وهو بيحاول يرقص تاني.
يوم الجمعة، الساعة ٥ المغرب بالظبط، باب الاستوديو اتفتح. دخل عم حسن وهو لابس بدلة شيك جداً، بليزر كحلي وجزمة بني بتلمع كأنه رايح حفل جوائز، ووراه دخل طارق. المرة دي مكنش لابس بدلة الشغل؛
كان لابس قميص أبيض كاجوال لافف أكمامه لحد كوعه، وبنطلون كحلي، وشكله أصغر بخمس سنين ومتساهل عن المرة اللي فاتت.”مساء الخير يا نور،” عم حسن قال بابتسامة عريضة وهو بيدخل. “أنا جاهز للعرض النهائي! بكرة السبت، ومفيش مجال للغلط.
“نور ضحكت وقربت منه: “مساء النور يا عم حسن.. أنت شكل بطل النهاردة والله.”طارق قفل الباب وراه، وعينيه التقت بعين نور. أومأ براسه بابتسامة هادية: “مساء الخير يا نور.””مساء النور يا طارق.. جيتوا في معادتكم بالظبط.””أنا مبيتأخرش عن مواعيدي،” طارق قال وهو بيسند ضهره على الحيطة.
“خصوصاً لما أكون حاطط خطة.”الساعة الأولى كانت لعم حسن. نور شغلت المزيكا المظبوطة لرقصة الفالس، وعم حسن بدأ يتحرك. المرة دي، مكنش فيه تررُد. خطواته كانت ثابتة، ورغم إن جسمه مش بمرونة زمان، بس كان بيتحرك بكرامة وإحساس عالي أوي.


