
عدت ست شهور كمان.
الحياة رجعت لطبيعتها، بس طبيعة جديدة خالص.. هدى بقت هي المسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة في الفيلا، مش مجرد شغالة، بقت أخت لسارة وأمينة على البيت كله. أخوها “أحمد” بفضل الله وبفضل الأطراف الصناعية الجديدة، بدأ يقف على رجليه ويرجع ضحكته اللي كانت غايبة من سنين.
وفي يوم، وأنا قاعد في مكتبي براجع شغل الشركات النظيفة اللي بملكها، دخل عليّ حسن ووشه مش مطمن.
قفل الباب ورا وقال بصوت واطي: «يا باشا.. كابو رجع.»
رفعت عيني من على الأوراق وبصيت له ببرود: «رجّع إيه يا حسن؟ هو نسي اللي حصل في السبتية؟»
حسن هز رأسه وقال: «ما نسيش.. بس المرة دي ما جاش بطوله ولا برجالته الهبل. كابو راح لـ “المافيا الكبيرة” في الإسكندرية.. اتفق مع “الخواجة”، وبايعهم على سوق القاهرة كله مقابل إنهم يخلصوا منك ويطيروا اسمك خالص.»
ابتسمت بسخرية وقمت وقفت عند الشباك: «الخواجة؟ الراجل ده كبر وخرف.. فاكر إن القاهرة زي إسكندرية، وتقيلة عليه زي ما هي تقيلة على كابو.»
«يا باشا الخواجة باعت ناس تقال، ونازلين يفتشوا عن أي نقطة ضعف عندك.. وبدأوا يضيقوا الخناق على الشغل في الميناء.»
بصيت لحسن وقلتله بثبات: «نقطة ضعفي؟ هما فاكرين إن هدى وأهلي نقطة ضعف.. ما يعرفوش إن دول هما اللي بيخلوني أقوى. اجمع لي رجالة إسكندرية والقاهرة.. المرة دي مش هنسيب عيل ولا كبير يفكر إنه يقدر يهدد بيتنا.»
في نفس الليلة، اتصلت بالخواجة بنفسي.
أول ما رد، صوته العجوز والحاد جه عبر التليفون: «مرحب يا باشا.. كنت متوقع مكالمتك.»
قلتله بنبرة أهدى من السكون: «يا خواجة.. أنت راجل كبير وبتاع أصول، إيه اللي يخليك تتوسخ مع واحد زي كابو ضرب حريم وغدر بالنسا؟»
الخواجة سكت شوية وبعدين قال: «الشغل مابيعرفش حريم يا حمزة.. أنت قفلت السوق في وشنا، وكابو فتح لنا الباب. سلمنا الميناء، وسيب القاهرة لنا، ونفضل حبايب.»
ضحكت بعلو صوتي وقلتله: «الميناء والقاهرة خط أحمر يا خواجة.. ولو فاكر إن كابو هيوصلك لحاجة، يبقى كابو يغفلك. تعال بنفسك بكره المزرعة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.. وتقابلني راجل لراجل، من غير غدر ولا لعب عيال.»
الخواجة قال بثقة: «موافق يا حمزة.. وبكره هنشوف مين اللي هيكمل ومين اللي اسمه هيتمسح.»
ثاني يوم بالليل..
المزرعة كانت ضلمة وكتمة، وصوت صرار الليل مالي المكان. وصل الخواجة بكارافان عربيات سودا، ونزل منه مع عشرات الرجالة المسلحين، وكان كابو واقف جنبه زي الكلب المطيع.
أنا كنت واقف في نص المزرعة، لوحدي.. ومن غير سلاح باين في إيدي.
كابو بصل وقال بثقة مزيفة: «أهو يا خواجة.. جاي لوحده، فاكر نفسه الشبح اللي مابيموتش!»
الخواجة قرب بخطوات بطيئة وقال: «فين رجالتك يا حمزة؟ جاي تموت لوحدك؟»
ابتسمت ولعت سيجارة، وبصيت في ساعتي: «الساعة دلوقتي اثنا عشر بالظبط يا خواجة.. أنت فاكر إنك جاي تقابلني هنا عشان نضرب نار؟»
في نفس اللحظة.. التليفون بتاع الخواجة رن.
الخواجة فتح الخط، ووشه بدأ يتغير وثقة ملامحه أتحولت لرعب كامل. الصوت من الناحية الثانية كان بيقوله: «يا خواجة.. كل المخازن بتعتك في إسكندرية والميناء اتفتشت وأتقفلت بالكامل من الحكومة، وشحناتك كلها اتصادرت.. الرجالة بتوعك محبوسين في كل حتة!»
الخواجة طاح بالتليفون على الأرض وبصلي بذهول: «أنت عملت إيه يا حمزة؟!»
قلتله وأنا باخد نفس من السيجارة: «أنا مش بلعب بلطجة يا خواجة.. أنت وكابو فاكرين القوة بالسلاح والغدر، بس أنا مسكتكم من دراعكم اللي بيوجعكم: شغلكم الحرام وورقكم الوسخ كله بقى على مكتب مدير الأمن من ساعتين. أنا ما بحاربش بعافية العضلات.. أنا بحارب بالعقل والأصول.»
كابو سحب سلاحه بغل وجنوب: «أنا هقتلك يا حمزة!»
قبل ما يرفع إيده، حسن ورجالتي ظهروا من بين الشجر والمباني وشبّكوا أسلحتهم على كابو والخواجة ورجالتهم كلهم.
بصيت لكابو وقلتله: «أنت أثبت إنك مش راجل.. والنهارده نهايتك ونهاية الخواجة.»
الشرطة بدأت أصوات ساريناتها تقرب من المزرعة.. الخواجة وقع على ركبه وهو مش مصدق إن تاريخه كله انتهى في ليلة واحدة بسبب كابو وغبائه.
أنا لفيت ضهري ومشيت ناحية عربيتي، وحسن جيه ورايا وقال: «كده الموضوع اتقفل للأبد يا باشا.. الخواجة وكابو مش هيشوفوا الشارع تاني طول حياتهم.»
قلتله وأنا بفتح باب العربية: «الحمد لله يا حسن.. الأصول هي اللي بتعيش، والغدر بيأكل صاحبه في الآخر.»
رجعت الفيلا.. سارة وهدى وأحمد كانوا مستنيين في الصالون، والقلق باين في عينيهم. أول ما دخلت وابتسمت، هدى تنفست الصعداء وسارة جرت حضنتني.
قعدنا كلنا على سفرة واحدة نأكل، وفي اللحظة دي عرفت إن أكبر نصر للراجل.. مش إنه يغلب أعداءه، بس إنه يحمي بيته وأهله وناسه ويفضل دايماً مرفوع الرأس.
هيبة الباشا
#حكايات_شروق_خالد




