
هزيت راسي: “آه.”
بص لبطني وبعدين بص لي تاني.. ولأول مرة، جاسر العشري مكنش عارف يقول إيه.
حاولت أبتسم: “مش لازم تغير الاتفاق.”
ملامحه نشفت أكتر: “بتقولي إيه؟”
“البيبي مش لازم يغير أي حاجة بينا.. هتفضل دايماً أبوه، بس أنا عارفة إنك عمرك ما كنت عايز جواز بجد.”
فتح بوقه وبعدين قفله.. والصمت ده كان أوجع بكتير من أي كلمة ممكن يقولها.
وفي الأيام اللي بعد كده، لقيت شقة صغيرة في منطقة هادية قريبة من صاحبتي هدى.. مش فخمة خالص؛ مطبخ صغير، أوضتين، الشمس بتدخل من الشباك، وفيها مكان يكفي لسرير بيبي.
بدأت ألم هدومي بهدوء؛ ملابسي، كتبي، السماعة الصغيرة، وفرع الفل اللي نشفته من أول باقة جيبها لي جاسر. وقبل العقد ما يخلص بتلاتة أيام، جاسر جه البيت بدري.
وقف عند باب الأوضة، وعينه جت على الشنطة المفتوحة والفساتين والكتُب المرصوصة: “بتعملي إيه؟”
رفعت عيني ليه: “بجهز نفسي.”
“لإيه؟”
بلعت ريقي: “الاتفاق بيخلص يوم الاتنين.”
فضل باصص لي: “ورايحة فين؟”
“لقيت شقة جنب هدى.”
سكت شوية وقال: “صغيرة؟”
كملت وأنا بحاول أبتسم: “آه.. بس الشمس بتدخلها كويسة، وفيها مكان يكفي سرير بيبي.”
عين جاسر نزلت للشنطة، وبعدين للسماعة الصغيرة اللي على الأرض، نفس السماعة اللي ملات قصره الصامت أغاني، والكتُب اللي كنت بقراها وأنا مستنياه يرجع، وفرع الفل الملفوف بحرص في المناديل.
“أنتِ ماشية بجد؟”
إيدي شدت على الإشارب: “يا جاسر، احنا اتفقنا على سنة.”
قرب خطوة: “والبيبي؟”
رفعت عيني: “هتفضل دايماً جزء من حياته.”
ملامحه اتغيرت: “بس أنا مش هقدر أفضل متجوز وحدة مش قاعدة هنا إلا عشان العقد والالتزام.”
مردش.. وحسيت الدموع بتحرق عيني.
“أنا بحبك يا جاسر.”
الكلمات طلعت غصب عني قبل ما ألحق أوقفها. تجمد مكانه، وابتسمت ابتسامة مكسورة: “عارفة إن دي كمان مكنتش جوه العقد.”
ثواني ومفيش فينا حد تحرك، بعدين جاسر لفت وشه ومشي وسابني.
وقفت مكاني وماسكة الإشارب بتاعي، بحاول أعيط من غير صوت. قلت له الحقيقة أخيراً وهو مشي.
ركعت جنب الشنطة، وحطيت الإشارب جواها، ومديت إيدي عشان آخد فرع الفل. وهناك.. سمعت صوت خطوات في الطرقة.
رفعت عيني.. جاسر كان واقف قدام باب الأوضة تاني. بس المرة دي.. مكنش إيديه فاضية.
كان ماسك في إيده الملف البيج.. عقد جوازنا.
بطني اتقبضت: “إيه ده؟”
دخل جوا الأوضة وقفل الباب، وحط الملف على السرير: “قلتِ إن الاتفاق بيخلص يوم الاتنين.”
هزيت راسي: “بيخلص.”
فتحه، وجاب الصفحة الأخيرة، وبص في عيني دغري: “يا فريدة.. تعرفي أنا وافقت أتجوزك ليه أساساً؟”
كشرت: “علشان تأمن تحالف عيلتك.”
ملامحه اتغيرت: “ده اللي المحامي قاله لك.”
قلبي دقاته زادت: “قصدك إيه؟”
جاسر بص في العقد، وبعدين طلع من جوا ورق أنا أول مرة أشوفها.. صفحة لوحدها عليها توقيعه، وبتاريخ أقدم بكتير من يوم جوازنا.
فضلت باصة ليها ومذهولة: “جاسر.. إيه ده؟”
بص لي نظرة طويلة وقال بهدوء: “فيه حاجة تخص جوازنا كان لازم أقولها لك من سنة.”
مقدرتش أتحرك من مكاني.. لأن فجأة، حسيت إن العقد اللي وثقت فيه من أول يوم مكنش فيه الحقيقة كلها، وإن رئيس التنظيم اللي حبيته سنة كاملة كان قاعد على وشك يشرح لي هو أصلاً اختارني أنا بالذات ليه من البداية.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
رفعت راسي وبصيت له وأنا بمسح دموعي بطرف إيدي، وابتسامة واسعة شقّت وشي غصب عني.
“قهوة إيه بس وأنا لسه رامية هدومي في الشنطة؟” قلتها وأنا برفع حاجب وبحاول أعمل نفسي زعلانة. “وبعدين أنت متخيل إنك هترضيني بكلمتين حلوين وتخليني أفرش الهدوم دي تاني بالسهولة دي؟”
جاسر رفع حاجبه وبص للشنطة المفتوحة وبعدين رجع بص لي، ونظرة عينيه اتغيرت لنظرة تحدي خفيفة مليانة حب وخبث: “آه.. وشكل كده هضطر أدفع الثمن غالي.”




