روايات وقصص

رسالة بالخطأ.. حكايات شروق خالد

“لا تعتذري. هل أخوكِ جائع الآن؟”
حدقت في تلك الكلمات، وتملكني الخوف فجأة من أنني أخبرت غريباً تماماً بالكثير.
وما لم أكن أستطيع معرفته هو أن الغريب الذي كان يقرأ رسالتي لم يكن مجرد شخص ثري.
بل كان اسمه كمال الألفي.
كان واحداً من أكبر وأشد رجال النفوذ هيبة في القاهرة، رجلاً يستطيع اسمه إسكات مجلس كامل، وكانت سياراته السوداء تُعرف جيداً قبل أن يرى أحد وجهه بوقت طويل.
ومع ذلك، في بعد ظهر ذلك اليوم، لم يكن كمال ينظر إلى اسم خصم أو منافس.
كان يملأ عينيه رسالة من فتاة في الثانية عشرة من عمرها تطلب مبلغاً صغيراً لشراء اللبن لأخيها الرضيع.
لبضع ثوانٍ، لم ينطق بكلمة واحدة.
ثم مد كمال الألفي يده ليأخذ مفاتيح سيارته.

#حكايات_شروق_خالد

بعد دقائق قليلة من إرسال تلك الرسالة الأخيرة، تعالت أصوات خطوات ثقيلة وغريبة تقترب من باب شقتنا المتهالك، تلتها طرقة خفيفة لكنها حازمة جعلت قلبي ينبض بجنون.
التفت برعب نحو الباب وأنا أضم حسن إلى صدري بقوة، متسائلة عما إذا كنت قد جلبت الخطر إلى بيتنا بدلاً من المساعدة. مدت أصبعي المرتجفة لفتح الباب قليلاً وأنا أنظر من الفجوة الضيقة.
لم يكن هناك رجال شرطة، بل وجدت رجلاً ضخم الجثة يرتدي بدلة داكنة أنيقة ومظلمة، يقف بثبات وعلى وجهه هدوء غريب، بينما يقف خلفه رجلان آخران يحملان أكياساً ضخمة تمتلئ بكل ما تحتاجه أي بيت من طعام ولبن وحليب ومؤن لم تكن تخطر على بالنا.
انحنى الرجل الضخم قليلاً وقال بصوت هادئ ومطمئن:
“يا أستاذة مريم.. البيه بعت دول، وطلب منا نطمنكم إن كل حاجة هتبقى تمام من النهاردة، ومحدش فيكم هيجوع تاني أبداً.”
نزلت دموعي على وجهي بغزارة، ليس من الخوف هذه المرة، بل من شعور جارف بالأمان لم أعرفه طوال حياتي القصيرة. نظرت إلى حسن الذي توقف عن البكاء وبدأ يمد يده البريئة نحو الحليب، وعرفت وقتها أن تلك الرسالة الخاطئة لم تكن خطأً على الإطلاق، بل كانت يداً امتدت من حيث لم أتوقع لتنقذنا في اللحظة الأخيرة.

#حكايات_شروق_خالد

فتحت الباب على مصراعيه ويدي ترتجف، ودخل الرجال بخطوات هادئة ومنظمة، وضعوا الأكياس الكثيرة على الطاولة المتواضعة في المطبخ، وكان كل صندوق وكيس يحمل أصنافاً من الطعام والخير الذي لم نكن نراه إلا في أحلامنا، ناهيك عن عبوات الحليب الطازج الكثيرة التي جعلت قلبي يرقص فرحاً.
قبل أن ينصرف الرجل الضخم، التفت إلي وقال بابتسامة هادئة وخاطفة:
“البيه بيقولك.. العشرين جنيه مردودة، بس مش فلوس.. مردودة بأنك تفتكري دايماً إن أخوكِ مش هيجوع تاني، وإنك كبرتي وتقدري تطلبي المساعدة من غير خوف.”
ثم غادروا بهدوء، وأغلقوا الباب خلفهم برفق.
وقفتُ وحدي في المطبخ الصغير، أنظر إلى الحليب الطازج، ثم إلى حسن الذي كان يمد يديه الصغيرتين بسعادة وهو يضحك لأول مرة منذ أيام، بينما راحت أمي تفتح الباب وهي تحمل تعب الدنيا على كتفيها، لترتسم على وجهها صدمة عارمة تحولت سريعاً إلى دموع حارة من الشكر والارتياح وهي ترى المطبخ ممتلئاً بالخير لأول مرة في حياتنا.
منذ ذلك اليوم، لم يغب الخير عن بيتنا، وظل ذلك الرقم الذي أرسلته بالخطأ سرّاً جميلاً يربطنا برجل لم نره سوى مرة واحدة، لكنه غيّر مجرى حياتنا للأبد، وعلمني أن الله قد يسخر لنا أقوى خلقه ليفرّج عنا في اللحظة التي نشعر فيها أن الأبواب قد أُغلقت تماماً.

رسالة بالخطأ..

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى