روايات وقصص

همسة في الظلام ج3.حكايات شروق خالد

دخلنا القاعة الكبرى لمجلس المدينة، وكانت الهمسات تتردد بين الجدران الرخامية كأزيز النحل. كان التحالف المحيط بالطاولة الرئيسية ينظر إليّ بابتسامات صفراء، وعلى رأسهم “طاهر عبد الجليل”، رجل الأعمال المنافس الذي نسّق الفخ مع إبراهيم.

جلس طاهر بثقة، وهو يضبط رابطة عنقه، ومسح القاعة بعينيه قبل أن يتوقف عند خديجة. كانت علامات الاستغراب والارتباك جليّة على وجهه؛ فقد كان ينتظر رؤية إبراهيم ومعه الملف المزوّر الذي ينهي وجودي في المرفأ للأبد.

“أهلاً حمزة بيه،” قال طاهر بنبرة تهكمية هادئة. “تأخرت، وكنا نظن أن هناك عقبات في طريقك… أين إبراهيم؟”

سحبتُ الكرسي لرئاسة الطاولة، وأشرتُ لخديجة بجلوسها إلى جواري، ورجال أعمال المحافظة يتابعون المشهد في صمت مشدود.

قُلتُ بنبرة جافة كالحديد: “إبراهيم انتهت خدماته في الشركة للأسف، ومكانه الآن في أيدي السلطات بتهمة التصرفات المالية المخالفة والإضرار بالشركة.”

اتسعت حدقتا طاهر، وشحب وجهه فوراً، بينما فتحت خديجة الحقيبة بثبات كامل، وأخرجت النسخة الأصلية للاتفاقية وتصاريح التقسيم العمراني، ثم وضعتها أمام رئيس المجلس بأسلوب مهني صارم.

“دي الأوراق الرسمية والموثقة بختم هيئة ميناء القاهرة والجهات المختصة،” قالت خديجة بصوت واثق ونبرة رخيمة لم أعهدها فيها من قبل. “وكل البنود المعدلة بطريقة غير قانونية في المسودة المزورة تم إبطالها بالكامل. تقدروا تراجعوا التوقيعات الآن.”

انكبّ أعضاء المجلس على مراجعة الملف، بينما ظلّ طاهر يحدق في خديجة بذهول وكأنه يرى كابوساً. فتح فمه ليعترض، لكن رئيس المجلس رفَع يده حاسماً:

“الأوراق مكتملة ومطابقة للقانون مئة بالمئة يا حمزة بيه. مبروك عليك حق إدارة وتطوير المرفأ للسنة الجديدة.”

وقعتُ الأوراق بلمسة سريعة، ثم وقفتُ وأشرتُ لخديجة بالنهوض. قبل أن أخرج، التفتُّ نحو طاهر، وانحنيتُ عليه قليلاً لأهمس في أذنه ببرود:

“المرة الجاية لما تحب تلعب معايا يا طاهر… اختار رجالك صح. واعرف إن الشركة بقا ليها عقل جديد بيحميها.”

خرجنا من القاعة إلى البهو الرئيسي، والشمس الصباحية تبدأ في الشروق لتعكس شعاعها على الأرضيات الرخامية المبتلة.

توقفت خديجة فجأة، والتفتَت إليّ. كانت أطراف أصابعها لا تزال ترتجف قليلاً من أثر الموقف، لكن عينيها كانتا تلمعان بنصر وشجاعة لم أرَهما في أي رجل عمل معي طوال عشرين عاماً.

“عملتُ كويس يا حمزة بيه؟” سألتني بنبرة خافضة تحمل رجاء الصبيّة التي تنتظر التقييم.

وقفتُ أمامها، ونظرتُ في عينيها مباشرة دون أي حاجز.

“عملتِ اللي محدش غيرك كان يقدر يعمله يا خديجة،” قلتُها وأنا أمدّ يدي لأعدّل ياقة بدلتها الأنيقة بتأنٍّ. “المرفأ بقى بتاعنا… وأنتِ من اللحظة دي بقيتي شريكتي الرسمية في كل خطوة جاية.”

ابتسمت ابتسامة دافئة أذابت كل جبال الثلج والإرهاق التي تراكمت في صدري على مدار ست وثلاثين ساعة.

أمسكتُ بيدها ونزلنا درجات المبنى نحو السيارة، وفي تلك اللحظة بالذات، علمتُ أن الليلة التي بدأت بأحذية مبتلة ورعب في غرفة نومي، كانت بداية لأقوى فصل في حياتي.

انطلقت السيارة بنا في شوارع القاهرة التي بدأت تدب فيها الحياة مع ساعات الصباح الأولى. كان الجو داخل السيارة دافئاً ومختلفاً تماماً عن البرودة التي عشتها طوال السنوات الماضية.

التفتُّ نحو خديجة، وكانت تتأمل أضواء المدينة المنعكسة على زجاج النافذة.

“مرتاحة؟” سألتُها بنبرة هادئة.

التفتَت إليّ وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها: “لأول مرة من سنتين… حاسة إني بتنفس بجد يا حمزة بيه.”

“حمزة بس،” قلتُها وأنا أنظر في عينيها. “برة شغل الشركة… اسمي حمزة بس.”

احمرّت وجنتاها خجلاً، وأومأت برأسها في صمت.

وصلنا إلى القصر. كان علي ينتظرنا عند البوابة الرئيسية، ومعه ملف جديد. نزلنا من السيارة ودخلنا البهو الكبير.

قدم علي الملف لي وقال بنبرة جادة: “حمزة بيه… إبراهيم اعترف بكل حاجة. طاهر عبد الجليل كان دافعله مليون جنيه علشان يبدل الملفات ويورطنا مع المحافظة. وإبراهيم حالياً محتجز في المزرعة القديمة تحت حراسة مشددة.”

نظرتُ إلى خديجة التي بدا عليها القلق فور سماع اسم إبراهيم، فوضعتُ يدي على ظهرها بأمان وقُلت لعلي: “إبراهيم يتحول للجهات المختصة فوراً بتهمة التصرفات المالية المخالفة وسرقة أوراق الشركة. مش عايز أوسّخ إيدي بيه… المساءلة القانونية كفيلة تواجهه بكل اللي عمله.”

تفاجأ علي من قراري؛ فقد كان يعلم أن التعامل مع الخيانة في عالمي عادة ما يكون أشد بكثير. لكنه أومأ برأسه وقال: “أمرك يا باشا.”

بعد أن غادر علي، التفتُّ إلى خديجة وقُلت: “أنتِ محتاجة ترتاحي. بقالك أكتر من يومين صاحية.”

“وحضرتك؟” سألتني باهتمام صادق. “أنت كمان مانامتش من أكتر من أربعين ساعة.”

ابتسمتُ وقلت: “أنا اتعودت… بس الليلة دي مختلفة. الليلة دي أقدر أنام وأنا مطمن.”

صعدنا السلم معاً، وعند باب الغرفة التي شهدت بداية كل شيء، توقفت خديجة ونظرت إليّ: “شكراً يا حمزة… على كل حاجة.”

“أنا اللي بشكرك يا خديجة،” أجبتُها بصدق. “أنتِ غيرتي حاجات كتير الليلة دي… مش بس في الشركة.”

دخلت خديجة إلى غرفة الضيافة المجهزة لها، بينما دخلتُ أنا إلى غرفة نومي. ألقيتُ بما في يدي على الطاولة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرتُ برغبة حقيقية في النوم دون أن أستيقظ على صوت حفيف أو جرس هاتف.

استلقيتُ على السرير، وعبق المطر والهدوء يملأ المكان. وعلمتُ وأنا أغلق عينيّ أن حياتي السابقة القائمة على الخوف والشك قد انتهت إلى الأبد، وأن معركة جديدة كلياً—أكثر دفئاً وأملاً—قد بدأت للتو.

مرّ أسبوعان على تلك الليلة.

تغيّر كل شيء في مقر “النيل للوجستيات”. المكتب الفخم المشرف على المرفأ، والذي كان يخص إبراهيم لسنوات، أصبح يحمل الآن لوحة نحاسية أنيقة بكُتب عليها: خديجة إبراهيم – نائب رئيس مجلس الإدارة.

لم تعد تلك الفتاة التي تتفادى النظرات؛ ارتداء البدلات الرسمية لم يغير تواضعها، لكنه منحها هيبة مستحقة. الموظفون الذين كانوا يمرون بجانبها دون اهتمام، أدركوا سريعاً أن كلمتها أصبحت صلبة ككلمتي تماماً.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى