روايات وقصص

سقوط الإمبراطورية حكايات شروق خالد

ثم همس بصوت منكسر:

“أنا يوسف.”

حدقت في خاتم زواجي بجمود.

“يوسف؟”

“زوجكِ يا فريدة.”

وبكيت.

ليس لأنني تذكرته.

بل لأنني لم أكن أشعر بأي شيء تجاهه.

استقل يوسف سيارته الخاصة وتوجه مباشرة إلى المستشفى.

وفي تمام الساعة 7:26 صباحاً، هرع إلى الطابق المخصص للغرف الخاصة.

الغرفة 912.

لكن سريري كان فارغًا تمامًا.

لقد رحلت.

ومريم قد رحلت.

وأغراضي الشخصية غير موجودة.

لم يتبقَ سوى طبيب المناوب.

“أين زوجتي؟”

“لقد تم نقلها بناءً على طلبها إلى مركز متخصص للعلاج الطبيعي والتأهيل العصبي خارج العاصمة.”

“أيهما؟ ولماذا؟”

“طلبت السيدة فريدة ألا نفصح عن مكان تواجدها لأي شخص.”

تجمد يوسف مكانه، وهو الذي لا يرد له طلب.

“هي التي طلبت ذلك بنفسها؟”

أومأ الطبيب برأسه.

“كانت واعية ومدركة بالقدر الكافي لتوقيع إقرار الخروج ونقل المسؤولية.”

ولأول مرة في حياته، عجز يوسف الشاذلي تمامًا عن إجبار النظام أو المستشفى على منحه ما يريد.

ثم وقع نظره على خمسة أشياء متروكة بعناية على طاولة بجانب السرير.

خاتم زواجي.

صورتنا معًا يوم الزفاف.

هاتفي المتضرر والفاصل عن الخدمة.

دفتر ملاحظات صغير.

وورقة خروج طبية.

فتح يوسف الدفتر بأصابع مرتعشة.

كان الطبيب قد طلب مني كتابة كل تفصيلة يمكنني تذكرها لتقييم حالتي.

الصفحة الأولى: اسمي فريدة.

الصفحة الثانية: عمري ثمانية وثلاثون عامًا.

الصفحة الثالثة: لدي زوج لا أتذكره.

الصفحة الرابعة: اسمه يوسف الشاذلي.

الصفحة الخامسة: أعتقد أنني كنت أحبه يومًا ما.

انتقل يوسف ببطء شديد إلى الصفحة الأخيرة.

كان خط يدي مهتزًا وغير منظم.

من هو يوسف؟

وتحتها، كتبت رسالة قصيرة:

“الكل هنا يقول إنه زوجي وحبيبي. ولكن عندما سمعت صوته، شعرت كأنني غريبة تقف في الشارع، وليس كأنني عدت إلى بيتي.”

ثم فتح يوسف هاتفي المتضرر بعد أن تم شحنه جزئيًا.

سبعة عشر اتصالاً فائتاً من رقمه.

ورسالة نصية أخيرة كتبتها قبل الحادث بدقائق:

“أرجوك رد عليا يا يوسف.. أنا خايفة ومش عايزة أسوق لوحدي في الليل ده.”

لم يكن قد أجاب.

ليس لأنه كان عاجزًا.

بل لأن سارة كانت بجانبه على المركب.

ولأن حرسه نفذوا تعليماته بعدم إزعاج مقامه السامي.

ولأنه قرر أن زوجته يمكنها الانتظار حتى يفرغ من ليلته.

وعندما جاء يوسف أخيرًا للبحث عني في المستشفى، كنت لا أزال على قيد الحياة.

لكن المرأة المصرية البسيطة والقوية التي أمضت أحد عشر عامًا من عمرها تحبه وتسانده بصمت، لم تعد موجودة.

ولأول مرة، أدرك أخطر رجال القاهرة أنه ليس شرطًا أن تختفي المرأة في حادث لكي تخسرها للأبد…

الفصل الثاني

بعد مرور أسبوعين، كانت شقة الزهري في الزمالك تبدو وكأنها قصر هجرته الحياة.

الستائر مغلقة.

الضوء خافت.

ورائحة القهوة التركية التي كان يوسف يعدها بنفسه تملأ المكان دون أن يلمسها أحد.

جلس على الأريكة الجلدية الفاخرة، يمسك بيده خاتم فريدة الذهبي. الخاتم الذي تركته على طاولة المستشفى، والذي أعاده إليه الحارس في علبة مخملية صغيرة كأنه يسلمه صك هزيمته.

على مدار الأيام الأربعة عشر الماضية، فعل يوسف ما لم يفعله لأجل أحد من قبل. حرك شبكته بالكامل، واستنفر رجاله، وفتش عن كل مركز تأهيل عصبي وطبي في مصر وخارجها. استخدم نفوذه، وأمواله، وقوته التي اعتاد أن تفتح له كل الأبواب المغلقة.

لكن الإجابة كانت واحدة في كل مرة:

“السيدة فريدة رفضت الإفصاح عن وجهتها، والمستشفيات ملزمة قانونياً بحماية خصوصية المرضى.”

لم يكن يستطيع اقتحام مركز طبي رسمي بقوة السلاح كما اعتاد أن يفعل في صراعاته التجارية أو مع أعدائه. القانون الطبي يحميها، ورفضها الصارم كان حصناً منيعاً لا تستطيع سلطته اختراقه.

رفع يوسف هاتفه المحمول الذي لم يكن يفارق كفه، وضغط على رقم سارة.

“ألو.” جاء صوتها رقيقاً ومتردداً.

“ابعدي عن طريقي يا سارة، ولا تقتربي من مكتبي أو حياتي مرة أخرى.” قالها بصوت هادئ، لكنه كان مشحوناً ببرود شديد جعلها ترتجف على الجانب الآخر من الخط.

“يوسف، أنا لم أكن أعه…”

قطع الاتصال دون أن يستمع لبقية تبريراتها. لم تعد سارة تعنيه شيئًا. بل إن وجودها في تلك الليلة على المركب أصبح يمثّل له النقطة السوداء الأكبر في حياته، اللحظة التي باع فيها بصرامة غبية ما كان يملك الحقيقي مقابل ليلة عابرة.

فتح الشاشة وتوجه مباشرة إلى تلك الرسالة الأخيرة التي حفظها في ذاكرته:

“أرجو رد عليا يا يوسف.. أنا خايفة ومش عايزة أسوق لوحدي في الليل ده.”

أغلق الهاتف وعيناه محمرتان من السهر. لأول مرة يدرك أن عقاب القدر لم يكن في الحادث الذي كاد يودتي بحياتها، بل في تلك الثواني العشر التي دق فيها هاتفه بينما كان هو يضحك على متن المركب، متعمداً تجاهلها.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفه برقم غريب لم يكن مسجلاً لديه.

قفز قلبه من مكانه. رد بسرعة تكاد تكسر الجهاز:

“ألو؟!”

جاء صوت ناعم، لكنه حازم وغريب تمامًا على أذنه:

“الأستاذ يوسف الشاذلي؟”

“أنا هو. متى وأين؟ هل هي بخير؟” انطلقت الكلمات من فمه متلاحقة ومتلهفة.

تنفس المتحدث بعمق، ليتبين أنه محامٍ أو مسؤول إداري في إحدى المصحات الطبية النائية على ساحل البحر الأحمر:

“أنا أتصل بناءً على رغبة السيدة فريدة. لقد طلبت مني بصفتي المستشار القانوني للمركز أن أبلغك شيئاً واحدًا بشكل رسمي وحاسم.”

تسمر يوسف في مكانه، وانسحب الدم من وجهه. “تفضلي… أنا أسمعكِ.”

“السيدة فريدة لا ترغب في رؤيتك، ولا تريد أي اتصال منك. وقد وقعت اليوم على أوراق الانفصال النهائي، وطلبت مني تسليمك ملف الطلاق مع الحقوق كاملة، دون أي مطالبات مادية، سوى طلب واحد…”

توقف الصوت ثانية، فصرخ يوسف بغضب مكتوم:

“ما هو طلبها اللعين؟ انطقي!”

“أن تتركها تبدأ من جديد. وأن تفهم أن الرجل الذي تظن أنه زوجها… قد غاب في ذلك الحادث تماماً مثلما غابت هي القديمة. وداعاً يا سيادة الباشا.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى