
دخلت الأوضة اللي خصصهالي سليم جوه جناحه، كان السكون مالي المكان، بس دماغي كانت رافضة تهدأ. كل ما أغمض عيني، أشوف منظر جمال الشوربجي وهو بيقع قدامي، وأحس ببرودة الخوف وهو بيمسك معصمي.
بس وسط كل الكوابيس دي، صورة سليم وهو راكع على ركبتيه قدامي بيبحث عن جرح في جسمي كانت بتطرد أي خوف. الراجل ده اللي كل كبارات البلد بيترعشوا من سيرة اسمه، كان خايف عليا أنا، وعلى دموعي.
بعد دقايق، الباب خبط خبطة خفيفة، وفتحه سليم. كان غير هدومه ولبس بدلة سوداء كاملة، ومظهرها عليه كان بينضح هيبة وسطوة. مسك في إيده كوباية شاي بالنعناع سخنة، وحطاها بهدوء على الترابيزة جنب السرير.
“عارف إنك مش هتعرفي تنامي دلوقتي،” قالها وهو بيقعد على كرسي قريب من السرير. “بس لازم تحاولي تهدي أعصابك.”
بصيت له وأنا ماسكة الغطا حوالين كتفي بالروب اللي جابهولي: “قدرت توصل لخالد وهدان؟”
نظرة عينين سليم لمعت ببريق مظلم وخاطف، وقال بصوت واطي وهادئ كأنه بيحكي تفاصيل مشوار عادي:
“رجالتي حاصروا أماكنه كلها في إمبابة وفيصل.. ووهدان حاول يهرب من مخزن سري، بس للأسف، الحظ مكنش حليفه الليلة دي. هو دلوقتي في مكاني الخاص.. مستنيني أنزلّه.”
حسيت برعشة خفيفة سرت في جسمي. “هتعمل فيه إيه يا سليم؟”
قام وقف، وقرب من السرير، ووطى شوية بحيث عينه تبقى في مستوى عيني، وقال بحزم شديد:
“هخليه يعرف إن فيه حدود لكل حاجة.. وإن اللعب بالعائلات والأرواح تمنه غالي قوي. بس قبل أي حاجة، أنا مش هسيبك لوحدك ثانية واحدة.”
مد إيده بحنان عدّل بيها خصلة من شعري على ودني، وكمل: “حاولي ترتاحي.. لحد ما أرجعلك، وكل كابوس الليلة دي هيكون انتهى للأبد.”
قبل ما ألحق أرد، طبع بوسة خفيفة وسريعة على جبهتي، ولف وخرج بهدوء، وقفل الباب وراه، عشان تسيبني الأوضة في صمت تام، بس هالمرة.. وسط إحساس غريب بالأمان وسط جحيم المافيا.
الباب اتقفل ورا رجالة سليم وهم بينتشروا بسرعة التنظيم العسكري، وفضلنا واقفين لوحدنا جوه الأوضة.
الهدوء اللي رجع للمكان كان ثقيل، كأنه هدوء ما قبل العاصفة. سليم لف ووشه بقى قصادي، ومد إيده الاتنين مسكوا كفوفي اللي لسه عليها آثار معركة الليلة دي.
“مريم،” قال صوته بنبرة هادية بس مليانة تصميم لا يقبل النقاش، “اسمعيني كويس. من اللحظة دي، مفيش قعدة لوحدك في أي حتة، ومفيش خروج من غير حراسة مشددة.. وعنوان أختك و ابنها اتنقلوا بالفعل في مكان آمن محدش يقوصله لو العالم كله دور عليهم.”
بصيت في عينه، وحسيت بغصة في قلبي بس معاه راحة عميقة ما حسيتهاش من سنين. “أنا سببتلك مشاكل كبيرة.. بسببي دخلت في حرب مع وهدان.”
سليم هز راسه ببطء، وقربني منه بحركة خلت راسي تيجي على كتفه، وهو بيمسح على شعري براحة.
“العالم ده كله مبني على الحرب يا مريم.. والكل بيحاول يكسر التاني بأي طريقة. بس الغلطة الوحيدة اللي وهدان ارتكبها مش إنه حاول يسرق فلوس ولا يهددني.. غلطته الوحيدة إنه فكر إنه يقدر يمسك إيدي من خلالك.”
رفع دقني براحة عشان عيني تقابل عينيه، وكمل بابتسامة خفيفة وساخرة بس كلها طمأنينة:
“دلوقتي.. ارتاحي إنتِ..سيبي الباقي للي يعرف ياخد حقك وحقي تالت ومثلث.”
#حكايات_شروق_خالد
الباب اتقفل ورا سليم، وفضل صمت الأوضة محاصرني، بس السرعة اللي مشي بيها سابته وراه طاقة غريبة مخلتنيش أعرف أنام. فضلت قاعدة شادة الغطا على كتفي، وباصة للباب كأني مستنية أسمع صوته راجع.. لحد ما مرّت ساعات طويلة من التوتر والترقب.
وفجأة، سمعت صوت خطوات بطيئة وتعبانة بره، بس كانت معروفة.
الباب اتفتح ببطء، ودخل سليم. البدلة السوداء اللي كان لابسها كان عليها آثار تراب، وكمّ قميصه الأيمن كان متثني لفوق وفيه نقط دم صغيرة مش بتاخته. بس الأهم من ده كله.. نظرة عينيه. مكنش فيها العصبية ولا الغضب الأعمى، كان فيها هدوء المنتصر اللي خلص على كابوسه ورتاح.
رفعت نفسي بسرعة من على السرير، وبصيت له بقلق: “سليم؟ إنت كويس؟ حصل إيه؟”
سليم قفل الباب وراه، وخد نفسه بعمق، وابتسم ابتسامة خفيفة هدّت كل النار اللي كانت قايدة جوه صدري. قرب من السرير وقعد على حرفه، ومد إيده مسك كف إيدي.
“أنا كويس يا مريم.. متخافيش،” قالها بصوت هادي ودافي. “خالد وهدان مبقاش له وجود، ورجالته اتفرقوا في كل حتة ومبقاش ليه ظهر يقف عليه. اللعبة اللي بدأها انتهت بالطريقة اللي تستحقه.”
حسيت بدموع الراحة بتجمّع في عيني، وكل الثقل اللي كان على صدري اتسحب فجأة. “يعني… يعني أنا وأختي وأبنها بقينا في أمان؟”
سليم ضغط على إيدي بحنان، وقال بثقة مطلقة: “أقسم بالله ما مخلوق يقدر يقرب منكم تاني طول ما أنا عايش. أختك وابنها في مكان محدش على وجه الأرض يقوصله، وأنتِ.. أنتِ خلاص بقيتي في حمايتي للأبد.”
بصيت في عينيه، ولقيت نفسي ببتسم وسط دموعي. الراجل اللي كل مانهاتن –أو بمعنى أصح، وسط البلد ومطاريحها– بتترعب منه، كان قاعد قدامي بكل الطيبة دي عشاني أنا.
“كنت خايف عليك يا سليم.. خصوصاً لما لقيت دم على قميصك.”
سليم بص على إيده، ورجع بص لي بضحكة خفيفة: “ده مش دمّي.. ده كان آخر درس لوهدان عشان يعرف إيه تمن إنه يمد إيده على حاجة تخصني.”
سكت ثانية، وبعدين مد إيده مسح الدمعة اللي نزلت على خدّي، وكمل بصوت هادي وحنون:
“دلوقتي الكابوس خلص.. وبكرة هيبدأ يوم جديد خالص لينا. قومي اغسلي وشك، وتعالي نرتاح، سيبك من أي حاجة تانية.”
هزيت رأسي بـ”آه”، وحسيت ولأول مرة من سنين طويلة، إني مش لوحدي في العالم ده، وإن ورا الضهر ده حيطة مائلة لا يمكن تقع أبداً.
الصبح طلع، ونور الشمس الهادي دخل من شباك الأوضة، وكأنه بينظف آثار الليلة المرعبة اللي عدت علينا. النوم مكانش عميق، بس مجرد إني صحيت ومحسيتش بالرعب اللي كان مالي صدري امبارح بالليل، كان كفاية لوحده.
قمت من السرير، وفتحت باب الجناح بحذر. البيت كان هادي تماماً، مفيش أي صوت غريب، كأن مفيش حرب قامت من كم ساعة وباب المافيا اتقفل عليها للأبد. وأنا ماشية في الصالة، لقيت سليم قاعد على الكنبة الكبيرة، لابس تيشيرت أسود هادي، ومسك في إيده فنجان قهوة وبيلعب بتليفون على الترابيزة.
أول ما حس بحركتي، رفع راسه وعينيه قابلت عيني، وبانتعاشة خفيفة على وشه قال: “صباح الخير.. حسيت إنك هتقومي تعبانة، طلبت فطار خفيف.”
قعدت على كرسي قصاده وأنا بفرك إيدي بتوتر خفيف: “صباح النور.. أنا لغاية دلوقتي حاسة إن اللي حصل كان حلم سيء.”
سليم ساب الفنجان، وميل لقدام شوية وهو بيبصلي باهتمام: “هو مكنش حلم.. بس خلاص، اتقفل بابه ومش هيتفتح تاني. من النهاردة، الحياة هترجع لمسارها الطبيعي، والشغل اللي بينا هيكمل، بس في جو أهدى وبأمان تام.”
سألت بصوت واطي وخجلان: “وأختي نهى وابنها؟ طمني عليهم.”
“كلهم تمام وبيطمنوا عليكِ،” قالها بثقة وهو بيطمني. “نقلتهم في شقة تانية في منطقة تانية خالص، وحطيت عليهم حراسة خاصة محدش يقدر يقرب منهم. تقدري تكلميهم في أي وقت.”




