روايات وقصص

حين يركع الزعيم حكايات شروق خالد

التوتر اللي كان جوه قلبي طار تماماً، وبصيت له بامتنان حقيقي. “أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا سليم.. لولاك، مكنش عارفة كان مصيري هيبقى إيه.”

سليم وقف، وقرب مني، ووطى على الكرسي بتاعي، مسك كفي بيمسح عليه ببطء وقال بصوت دافي: “مش محترمة تشكريني يا مريم.. اللي عملته هو الصح، واللي بيننا مش مجرد شغل وبس.. أنتِ بقيتي أماني زي ما أنا أمانك.”

سكتّ ووشي احمر من الكسوف، بس قلبي كان بيدق بفرحة وأمان ممرش عليا من زمان. حسيت ساعتها إن وسط كل الظلمة والجحيم اللي حوالينا، لاقيت المكان اللي أقدر ارتاح فيه بجد.

#حكايات_شروق_خالد

الجو الهادي اللي ساد البيت في الصباح ده مكنش معناه إن الحياة هترجع رتيبة، بالعكس.. العالم اللي احنا فيه بيتحرك بسرعة، وورا كل هدوء عاصفة جديدة ممكن تطلع في أي وقت. بس الفرق المرة دي، إني مبقتش واقفة لوحدي في وش المدفع.

بعد الفطار بشوية، سليم سابني أرتاح ودخل مكتبه يخلص كم مكالمة تخص ترتيبات الشركات والأسواق، وأنا فضلت في الصالة الكبيرة بتابع الموقف من بعيد. لقيت تليفوني بيرمّي إشعارات ورا بعضها؛ دي أختي نهى بتطمني عليها وعلى ابنها، وبتقولي إنهم في مكان رايق وآمن ومفيش أي حاجة مقلقاهم.

رديت عليها وطمنتها، ودموع الفرحة كانت على حرف عيني، وأنا شايفة إزاي سليم نفذ وعده بالحرف الواحد وبأسرع وقت ممكن.

بعد عصر اليوم ده، خرج سليم من المكتب، وكان لابس جاكيت خفيف على قميص أبيض، وواضح على وشه الجدية بس من غير التكشيرة المعتادة. قرب مني وقعد جنبي على الكنبة.

“إيه رأيك؟” سألني بنبرة خفيفة وهو بيبتسم. “بعد الجنان اللي حصل امبارح، محتاجين نغير جو ونطلع نشم هوا شوية بره البيت.. بعيد عن أي حسابات وأي شغل.”

رفعت عيني فيه بدهشة لطيفة: “نخرج؟ بره الجناح؟”

“طبعاً،” قالها بثقة وهو بيلمس كفي بلطف. “محدش يقدر يحبسك جوه جدران، ولا حتى أنا. طول ما أنا جنبك، مفيش حاجة تقلقك. جهّزي نفسك، هننرخ نص ساعة كدة نتمشى في مكان هادي على النيل.”

الكلمات نزلت على قلبي زي البلسم. فكرة إننا نخرج عادي، من غير خوف ولا ترقب، كانت بالنسبة لي حلم صعب.

قمت بسرعة ودخلت الأوضة، نقّيت فستان بسيط ورايق، ووقفت قدام المراية أظبط شعري، ولأول مرة من فترة طويلة حسيت إني أنا.. مش الضحية اللي هربت من الموت امبارح، ولا الست المرعوبة اللي بتجري من بطش رجال مظهر. أنا إنسانة لها ظهر وحماية، ولها راجل بيخلي مانهاتن أو وسط البلد كلها تقف على رجليها عشان خاطر عيونها.

طلعت له، وأول ما شافني، عينيه لمعت بإعجاب صادق خلى الدم يجري في وشي. مد إيده، مسك إيدي بحنان، وخرجنا سوا.. والليل كان لسه بيبدأ يرمي ستاره على النيل، والدنيا قدامنا فاتحة بيبانها لبداية جديدة كلياً.

#حكايات_شروق_خالد

وقفنا سوا على كورنيش النيل، الهوا الهادي كان بيلاعب شعري، ومياه النهر كانت بتعكس أنوار العوامات والعمارات القديمة اللي حوالينا كأنها نجوم مرمية على الأرض. سليم كان واقف جنبي، إيده في جيب جاكوته، وبعينه بيراقب المكان بحذر هادي مش هيتغير أبداً، بس ملامح وجهه كانت مرتاحة ودافية بشكل عميق.

التفتّ نحوه وبصيت في عينيه، ولقيت نفسي ببتسم برضا كامل من جوه قلبي.
“كنت متخيلة إن حياتي هتفضل دايماً دايرة مقفولة من الخوف والشغل وبس،” قلت بصوت واطي وخافت بينافس صوت الهوا.

سليم التفت لي، وابتسم ابتسامة صافية خلت كل قسوة الدنيا تتشال من وشّه، ومد إيده مسك كفي وشدّ عليه بحنان.
“حياتك مبقاش فيها خوف يا مريم.. ومبقاش فيها جدران مقفولة،” قالها بنبرة قاطعة ودافية في نفس الوقت. “طول ما أنا عايش، العالم ده كله ممكن يتهد، بس أنتِ.. هتعيشي مرتاحة وآمنة، لأنك صرتِ أماني الحقيقي.”

ميلت راسي على كتفه، وسرحت في النيل والهوا، وحسيت لأول مرة إني مش هربانة من حاجة.. أنا وسط أهلي وناسي ومع الراجل اللي حمانی من الموت بقلب وذراعين من حديد.

الليلة دي، وسط هدوء النيل، عرفت إن النهاية اللي كتبناها لمشاكلنا مكانتش مجرد نهاية لكابوس، دي كانت البداية الحقيقية لحياة جديدة.. حياة مكتوبة بلون الأمان، وبصوت ضحكة ما بين إنسانة لقت سندها، وزعيم مافيا لقى روحه.

حين يركع الزعيم

حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى