
الساعة كانت 11:47 في ليلة تلج بتكتك، وكنت وراكة على ركبي جوة الأسانسير في الدور الخمسة وأربعين فوق وسط البلد في القاهرة، وبشحت من واحد غريب كامل إنه ميموتش تحت إيدي. لما الصبح طلع، عرفت إن الراجل اللي غالباً كسرتله ضلوعه وأنا بعمله إنعاش قلبي، مطلعش مجرد بيه من البهوات بتوع الشغل.. ده طلعت الشركة كلها بملكيتها حقتها متسجلة باسمه.
“يا بيه.. سامعني؟” سألته وأنا بلمس كتفه.
عينيه مكانتش بترموش ولا بتتحرك.
“عشان خاطر ربنا”، همست وأنا بترجي.. “أرجوك متضيعش مني.”
كان مفرود تحت الدربزين النحاس المتلمع، وإيد من إيديه متكفية ناحية صدره. بدلته الشيك كانت تكفي ثمنها مرتب تلت شهور من اللي باخدهم، بس كل ده مكنش ليه أي تلاتين لازمة لما حطيت صباعين على رقبته ومحستش بأي حاجة خالص.
مفيش نبض.
لمدة ثانية مرعبة.. جسمي اتجمد مكانه.
من تلت سنين، كنت لسه طالبة في سنة تانية بكلية تمريض، وبدخل تدريبات الطوارئ من غير ما يرفلي جفن. لحد ما أمي إتوجعت بمرض السرطان في البنكرياس، وتدريب التمريض بقى حاجة كان لازم أرميها ورا ضهري وأنا شايفه فواتير المستشفيات والزعل ومحاضر الطرد من الشقة بتبلع كل حاجة بنملكها.
بعد ما توفت، أخدت أول شغلانة تيجي قدامي.
عاملة نظافة بالليل في برج النيل.
لمدة تلت سنين، كنت بفضّي زبالة المديرين، وألمّع القزاز، وأدعك بقع القهوة من على ترابيزات الاجتماعات، والناس بتعدي من جنبي ولا كأني موجودة، كأني حتة من العفش. بقيت شاطرة أوي في إني أكون اختفيت ومحدش يحس بيا.
بس الغريب اللي مرمي ده مكنش محتاج بوسي الاختفية.
كان محتاج البنت اللي كنتها زمان.
ميلت راسه لورا، اطمنت إن مجرى النفس مفتوح، وحطيت إيديا الاتنين في نص صدره بالظبط. “يلا يارب”، اتنفست بصعوبة وبدأت الضغطات.
“واحد.. اتنين.. تلاتة.. اربعة..”
صوتي كان بيلعلع ويرتجف، بس إيديا افتكرت كل حاجة.
باب الأسانسير كان هيبدأ يقفل، فزقيت تروللي النظافة برجلي في الفتحة، وإزازة ملمع القزاز اتقلبت وجريت على أرض الممر. بعد تلاتين ضغطة، اديته نفسين بالبؤ، واستنيت بلهفة.. ومفيش أي نتيجة.
فرجعت أضغط تاني.
الإنعاش الحقيقي ملهوش أي علاقة بالتدريب على العرايس البلاستيك، وفي ثواني كتافي كانت بتولع نار. وفجأة، سمعت حاجة بتفرقع تحت بطن إيدي.
ضلع اتكسر.
كنت هقف من الخضة، بس صوت الدكتور اللي كان بيمرن زمان رن في ودني: الضلوع المكسورة بتلتحم وتطيب.. لكن القلوب الميتة مبتصحاش.
“يا ناس! الحقوني!” صرخت بعلو صوتي في الدور الفاضي بتاع المكاتب. “حد يطلب الإسعاف بسرعة!”
باب اتفتح في آخر الممر، وعم شعبان، راجل عنده حاجة وستين سنة وشغال فرد أمن بالنبطشية، جه بيجري وبيحجل على رجله. “يا ساتر يا رب! فيه إيه يا بوسي؟”
“مفيش نبض!” قلتي وأنا بجيب بالعافية نفسي. “اطلب الإسعاف بسرعة وجيب جهاز الصدمات!”
“وانتي عرفتي منين الـ…”
“انجز يا عم شعبان دلوقتي!”
أنا نفسي استغربت من القوة والصوت اللي طلع مني.
جري بسرعة.
فضلت أضغط وأنا العرق مالي قرتي ومفاصل إيدي حاسة إنها بتتخلع من بعضها. “استدع معاي”، اترجيته. “أكيد فيه حد مستنيك ترجعله البيتك.”
وفجأة افتكرت أخر كلام أمي ليا.
“إيديكي فيها الشفا يا بتي.”
كنت قايلالها ساعتها إني خلاص مبقتش نمرضة.
فمسكت صوابعي وعصرتها وهي بتهامس: “ده شغلك اللي بتعمليه.. مش هو أصلك وشخصك.”
عم شعبان رجع وهو شايل جهاز الصدمات ووقع جنبي وهو بيلهث. طيرنا قميص الراجل، والزراير الغالية اتطورت على أرضية الأسانسير.
وفجأة عم شعبان بص في وش الراجل وش أصفر.
“بوسي…”
“حط البادجات هنا بسرعة.”
“انتي عارفة ده مين؟”
“لاء.”
“ده زكي بيه عز الدين.”
الاسم مكنش يفرق معايا في حاجة، لحد ما عم شعبان كمل: “ده صاحب برج النيل كله.. ده صاحب الشركات دي كلها.”
إيدي وقفت نص ثانية من الصدمة.
زكي عز الدين—المؤسس والرئيس التنفيذي اللي صورته متعلقت فوق مكتب الاستقبال في اللوبي تحت—كان بيموت تحت إيدي.
جهاز الصدمات اتكلم بصوت ألي: “ينصح بإعطاء صدمة كهربائية.”
“إبعدوا!”
جسمه اتنفض لفوق بقوة.
وبرضه مفيش نبض.
بدأت الضغطات تاني، والدموع نازلة من عيني من غير ما أقدر أوقفها.
“مش هتموت”، همست بغل وقوة. “مش على إيدي وأنا واقفة.”
صوت سارينات الإسعاف كان جايب من أخر الشارع تحت.
عم شعبان مسك مكاني كمل ضغط لما دراعاتي خلاص كانت بتتخلع، وبعد دورة كمان، الجهاز طلب صدمة تانية. بعدنا عنه تاني، والجهاز فرقع الصدمة بصوت ميكانيكي حاد.
لمدة ثانية مرعبة، مفيش أي حاجة حصلت.
وفجأة، زكي كح.
صوت كحة مكتومة ومكسورة طلعت من زوره، وصدره اترفع فجأة تحت بواقي قميصه المتقطع.
عم شعبان قرب منه.
“زكي بيه؟”
وفي نفس اللحظة اللي كان الأسانسير بيتهز فيها وصوت مسعفين رجالة الإسعاف طالعين بيجروا ناحيتنا، فتح زكي عز الدين عينيه بالبطيء.. وركزهم في عينيا أنا بالظبط.
أخدت نفس عميق حسيت كأن روحي رجعتلي معاه، ووقتها كشافات مسعفي الإسعاف ملأت النور في الأسانسير.
“وسعوا يا جماعة، فيه إيه هنا؟” قالها المسعف وهو بينط جوه ومعاه الشنطة الطبية وجهاز تخطيط القلب المحمول.
عم شعبان وقف مذهول وهو ساند على الحيطة، بينما أنا رجعت لورا خطوتين لحد ما لصقت في جدار الأسانسير، دراعاتي بترتجف وكتافي منملة ومش قادرة أشيل نفسي. عيني فضلت ثابتة على زكي بيه.. كان بياخد نفسه بصعوبة بالغة، بس صدره بيرتفع وبينزل.. بينبض بالحياة.
المسعفين بدأوا يثبتوا الأجهزة ويثبتوا محاليل، وواحد منهم بصلي باستغراب وهو شايف بهدلة اللبس والعرق والدموع اللي على وشي، وسأل بسرعة: “انتي اللي عملتي له الـ CPR؟”
هزيت راسي ببطء.. “آه.. قعدت حوالي تلات دقايق بضغط وخد صدمتين من الجهاز بتاع الأمن.”
المسعف بص لزكي اللي كان عينه لسه معمصة ومش مركز كويس، وبعدين رجع بصلي وقال بذهول: “لو متأخرتيش دقيقة كمان، مكنش هيبقى فيه أي أمل.. ضلوعه ممكن تكون اتكسرت، بس أنقذتي حياته يا دكتورة.”
كلمة “دكتورة” رنت في ودني زي الجرس القديم. حسيت بغصة في زوري ودموعي نزلت تاني، بس المرة دي وأنا باصة لعم شعبان اللي ابتسملي بارتياح وهوا مطمن إن الراجل عايش.
شالوا زكي على النقالة وطلعوا بيه جري ناحية عربية الإسعاف اللي كانت واقفة تحت في البهو الرئيسي للبرج، وعم شعبان سحبني من إيدي برفق وقال: “تعالي يا بوسي اقعدي.. الهوانم والبهوات هينزلوا كمان شوية وهتتحقق معانا في كل حاجة.”
قعدت على كرسي في الاستقبال وأنا باصة على إيديا.. كان عليها آثار تراب وعرق وشوية نقط دم. بصيت للفترينا الكبيرة اللي معلقة صورة زكي بيه وهو بيبتسم ابتسامة واثقة ومرتاحة.. مكنتش أعرف إن البني آدم اللي بمسح طرافيزه وبنظف حواليه كل يوم، هو نفسه اللي هيدخلني في اختبار الحياة والموت ده.
تعدي الأيام.. وعدى أسبوع كامل وأنا في حالة رعب إن الإدارة تفصلني بسبب “الدوشة” اللي حصلت وتكسير الإضاءة وباب الأسانسير، خصوصاً إن زكي بيه مظهرش في البرج من ليلة الحادثة، وكل أخباره كانت مقفولة في السر التام بناءً على طلب عيلته.
يوم الثلاث اللي بعده، كنت بلمع زجاج اللوبي لوحدي الساعة سبعة الصبح، لما لقيت مدير الأمن بيمشي ناحيتي بخطوات سريعة وملامحه ماليها التوتر.
“بوسي.. تعالي معايا حالا.”
قلبي وقع في رجلي.. “خير يا بيه؟ هو أنا عملت حاجة غلط؟”
“تعالي بس من غير كلام كتير، زكي بيه بنفسه طالبك في مكتبه فوق.”
سيبت زجاجة الملمع والفوطة من إيدي، ومشيت وراه وريقي ناشف. طلعنا في نفس الأسانسير، بس هالمرة الدور الخامس والأربعين كان هادي جداً ونضيف كالعادة. فتح باب مكتبه الواسع.. مكتب فخم بيطل على القاهرة كلها وهي نايمة تحت السما الصافية.
زكي بيه كان قاعد على الكرسي الجلدي الكبير، لابس بدلة سوداء أنيقة، بس كان باين على وشه التعب وشريط طبي صغير على جنبه.. أول ما دخلت، رفع راسه وبصلي بعينين حادتين وقويتين جداً.
المدير نزل وسابنا لوحدنا.
المكتب كان هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت دقات قلبي. زكي بيه سند كوعه على المكتب، وبصلي لفترة طويلة من غير ما ينطق بحرف، لحد ما حسيت إن الهوا خلص في الأوضة.
“انتي اللي كسرتي ضلوعي؟” قالها بصوته العميق الهادئ وبابتسامة خفيفة ملهاش تفسير.
بلعت ريقي وقلت بصوت متهدج: “أنا آسفة يا بيه.. بس.. بس كنت بحاول أنقذ حياتك، والإنعاش ساعات بيبقى عنيف شوية.”
قام من على الكرسي، وdoes steps slow toward me.. كان أطول مني بكتير، وقف قدامي مباشرة ومد إيده.
“أنا مش زعلان يا بوسي.. بالعكس.”
بصيت لإيده الممدودة، وبعدين لعينيه.
“التقارير الطبية كلها قالت إن لولا تدخلك السريع والاحترافي قبل ما الأمن يجيب الجهاز، مكنتش هكون واقف قدامك دلوقتي.. الدكاترة قالوا إنك كنتي ‘نمرضة’ ممتازة.”
“كنت.. كنت طالبة زمان يا بيه، وسيبت الكلية عشان ظروف.”
زكي بيه ابتسم ابتسامة أعمق، ورجع قعد على طرف مكتبه وقال: “شركة النيل لإدارة الأبراج فيها آلاف الموظفين، وعمري ما حسيت بحد منهم.. لحد الليلة دي، لما لقيت عاملة نظافة بسيطة هي الوحيدة اللي شافتني بني آدم بيستنجد، ومشيت ورا غريزتها وأنقذتني.”
طلع كارت من جيبه وحطه على المكتب قدامي.
“المكان ده محتاج ناس أمينة وشجاعة زيك.. مش ناس تكتفي بالفرجة.. كليتك هترجعي تكمليها على حسابي، ومن بكرة.. منصب مديرة قسم الأمن والسلامة والخدمات الطبية في البرج كله هيكون تحت إيدك.. إيه رأيك يا دكتورة؟”
دموعي نزلت تاني على خدودي، بس المرة دي مش من الخوف.. بصيت للكارت وبصيت لصورتي وأنا ممسوكة في إيد الحياة، وحسيت بصوت أمي من بعيد بيتردد في ودني:
“ده شغلك اللي بتعمليه.. مش هو أصلك وشخصك.”
رفعت راسي، ومسحت دموعي، ومديت إيدي مسكت الكارت، وقلت بصوت ثابت وصريح: “موافقة يا بيه.. بس بشرط.”
زكي بيه رفع حاجبه باستغراب وضحك: “شرط؟ لسة عايشة دور الباشمهندسة؟ اتفضلي سامعك.”
“أنظف الزبالة بنفسي لو حسيت إن حد من العمال محتاج مساعدة.”
ضحك ضحكة عالية ملأت المكتب كله، وقال: “موافق.. يا دكتورة بوسي.”
#حكايات_شروق_خالد


